محمد صالح محمد
في عتمة الكون المترامية وحين تتلاشى الأصوات ويغدو الوجود مجرد صدى باهت ألوذ بصمتي إليك. هناك في المدى الفاصل بين جفنك والهدب تولد حكايتي وتفنى. لطالما تساءلت: كيف يمكن لعينين بجحم الكوكب أن تختزلا مجرات من الدهشة وتخلق دنيا غريبة لم تطأها قدم إنس قبلي؟
دنيا غريبةكغربة الروح في منفى الحنين :
في عينيكِ ثمة وطن بديل ولكنه وطن مليئ بالشجن. إنهما ليستا مجرد عينين؛ بل هما سراديب من الغموض الآسر، فضاءات من غسق دافئ يغريني بالضياع. أقف على عتباتهما كمسافر أضاع بوصلته، أرى فيهما مدناً من الأحلام المجهولة، وطرقات لم تُعبد إلا لخطواتنا الضائعة.
إنها دنيا غريبة حقاً تلك التي تسكن حدقتيك. دنيا تجمع بين نقيضين: أمان المأوى وخوف الفقدان. كلما أمعنت النظر، شعرت أنني أغرق في محيط من الكآبة الجميلة، كآبة العشاق الذين أدركوا أن الحب عاصفة، وأن النجاة منها ليست إلا وهماً عذباً. أتحرك في عالمكِ كغريب يخشى الاستيقاظ لأنني أعلم أن أي دقيقة تمضي بعيداً عن هذا السحر هي موت مؤجل.
خطيئة الطيبة في زمن القسوة:
“يقولون إن الطيبة ضعف وأقول إن طيبة قلبكِ هي الوجع الأسمى الذي يربطني بالحياة”
وإذ أنجو من سحر عينيكِ أسقط مستسلماً في عمق قلبكِ المليء بالطيبة والحنية. قلبكِ هذا ليس مجرد مضغة تنبض بل هو ملجأ وسط ركام هذا العالم القاسي. فيه من الحنان ما يكفي ليمسح خطايا البشرية وفيه من الطيبة ما يجعله هشاٌ، ناصعاً، وقابلاً للكسر عند أول هبة ريح.
لكن هذه الطيبة هي منبع شجني الأكبر. يؤلمني أن هذا القلب النقي يمنح الدفء لكل عابر بينما يختزن في زواياه غصّات مكتومة. حنيتكِ التي تفيضين بها عليّ و تشعرني بالصغر والضعف؛ كيف لروح واحدة أن تحمل كل هذا العطف في زمن شحت فيه المشاعر؟ إنه حب يمزج بين لذة الوصل ولوعة الخوف التليد… الخوف من أن تؤذيكِ الدنيا أو أن تخدش نقاءكِ قسوة الأيام.
إن حبي لكِ مغلف بغلالة رقيقة من الحزن المعتّق. أحبكِ برومانسية يائسة كشاعر يكتب قصيدته الأخيرة على ضوء شمعة تحتضر. كل ضمة، كل لمسة يد، وكل نظرة تنضح بالطيبة تبدو وكأنها وداع مؤجل.
أيتها الساكنة في وادي الشجن يا من جعلتِ من عينيكِ دنيا أغترب فيها ومن قلبكِ وطناً أبكي على عتباته:
أحبكِ.. ليس حباً يبحث عن السعادة السطحية بل حباً يقدس الألم لأنه منكِ. سأظل عالقاً في دنيتكِ الغريبة أحتمي بحنيتكِ و من صقيع الوجود حتى لو كان ثمن هذا الحب أن أظل نازفاً بالشوق و غارقاً في بحر عينيكِ إلى الأبد.
رماد الأمنيات على عتبات قلبكِ الراحل :
انطفأت الشمعة الأخيرة التي كانت تنير دربي المظلم إليكِ. غادرتْ تلك الدنيا الغريبة التي سكنت حدقتيكِ، ولم يتبقَ لي منها سوى صدى ضحكاتكِ القديمة، ودموعٍ متحجرة تجرح عيوني كلما تذكرت ذلك السحر الذي غمرني يوماً. لقد أغلقتِ عينيكِ عني فانغلق معهما باب الجنة الأرضية الوحيدة التي عرفتها وتركتِني هائماً في عراء الفقد بلا بوصلة وبلا مأوى.
أما قلبكِ المليان طيبة وحنية ذلك المرفأ الدافئ الذي كنت ألوذ به من قسوة الأماكن والوجوه فقد بات أبعد ما يكون عني كالنجم المتلألئ في سماء ليلة شاتية شديدة الصقيع. يؤلمني حد البكاء المرير أن ذلك الحنان الفائض لم يكن كافياً ليحمينا من أعاصير القدر وأن نقاءكِ الذي عشقتُه هو نفسه الذي دفعكِ للرحيل صامتة، مخلفةً وراءكِ روحاً مبعثرة، وقلباً نازفاً لن يبرأ أبداً.
أجلس الآن في زاوية عزلتي أتحسس الفراغ الذي تركتِه خلفكِ وأبكي… أبكي بحرقة عاشق أدرك أن حكايته الأجمل قد كُتبت من الدموع وأن فصولها انتهت قبل أن ترتوي النفوس. سأظل أذكركِ مع كل خفقة قلب مكسور وأتحسر على حبٍّ كان أطهر من أن يعيش في هذا العالم مستسلماً لحزنٍ أبدي سرمدي ومردداً في دياجير ظلامي: “ليتني غرقتُ في عينيكِ ولم أخرج أبداً وليت تلك الحنية لم تكن إلا حلماً جميلاً لم أستيقظ منه قط”.
binsalihandpartners@gmail.com
