باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 19 يونيو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. سلمان محمد أحمد سلمان
د. سلمان محمد أحمد سلمان عرض كل المقالات

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (19 – 29):

اخر تحديث: 18 يونيو, 2026 11:42 مساءً
شارك

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (19 – 29):
ملاحظات على بروتوكول مشاكوس
د. سلمان محمد أحمد سلمان
1
ناقشنا في المقال السابق بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل بنود بروتوكول مشاكوس الذي تمّ التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002 بواسطة الدكتور غازي العتباني ممثل حكومة الإنقاذ، والسيد سلفا كير ممثل الحركة الشعبية لتحرير السودان. أوضحنا أن التوقيع تم بالقصر الرئاسي في نيروبي بحضور الرئيس الكيني دانيل أروب موي وعددٍ كبير من أعضاء السلك الدبلوماسي وممثلي الصحافة الإقليمية والعالمية.
2
بعد أسبوعٍ من التوقيع على بروتوكول مشاكوس نجح الرئيس اليوغندي السيد يوري موسيفيني في تنظيم لقاءٍ بين الرئيس عمر البشير والدكتور جون قرنق في كمبالا يوم 27 يوليو عام 2002.
كانت تلك أولَّ مرّةٍ يلتقي فيها الرجلان اللذان وصف كلٌ منهما الآخر بأسوأ النعوت. كان اللقاء ودّياً، التزما خلاله بمواصلة التفاوض وحسم المسائل المعلّقة في أسرعِ وقت. وقد تناقلت وكالات الأنباء تصريح الدكتور جون قرنق الذي قال فيه مازحاً للرئيس عمر البشير أنهم قد أعطوه ستّ سنواتٍ أخرى لرئاسة السودان.
ولكن سواءٌ كان الدكتور جون قرنق مازحاً أم جاداً، فقد كانت تلك إحدى نتائج بروتوكول مشاكوس والتي أعطت نظام الانقاذ ورئيسه عمر البشير، بالإضافة إلى تلك السنوات الستة، قبولاً وشرعية إقليمية ودولية.
هناك عُدّة ملاحظات عن بروتوكول مشاكوس سنتوقّف عندها ومناقشتها بقدرٍ من التفصيل في هذا المقال:
3
أولاً: وافقت الحكومة على مطلب الحركة الشعبية منح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، بما في ذلك حق الانفصال من السودان، مقابل تنازل الحركة عن مبدأ السودان الجديد العلماني.
بمعنى آخر كانت معادلة بروتوكول مشاكوس هي الشريعة الإسلامية في الشمال، مقابل حق تقرير المصير في الجنوب.
عليه فقد دقّ بروتوكول مشاكوس آخر مسمارٍ في نعش السودان الجديد العلماني الموحّد، وأصبح الحديث بعد تلك اللحظة عن السودان الجديد مغالطةً لا معنى لها.
كما انتهى الحديث من جانب الحكومة عن تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في السودان ككل.
الأهمّ من هذا أن الحركة قد تخلّت تماماً عن مسألة إسقاط نظام الإنقاذ.
حدث هذا رغم أن الدكتور قرنق كان قد كرّر وأكّد في كمبالا في ديسمبر عام 1999 مسألة إسقاط النظام حين ذكر في كلمته
“إن الحد الأدنى من الاتفاق الذي يربط بين أطراف التجمّع هو إزالة نظام حكم الجبهة القومية الإسلامية وإحلال حكومة انتقالية من التجمّع الوطني الديمقراطي لتقود البلاد نحو الديمقراطية والسلام والسودان الجديد.”
بل إن الحركة، في حقيقة الأمر، أصبح لها مصلحة في بقاء نظام الإنقاذ في السلطة للسنوات الستة القادمة، ليتمَّ تطبيق بروتوكول مشاكوس المُوقّع بينهما، والوصول إلى الانفصال بسلاسةٍ، قبل أن يأتي نظامٌ جديد وينقض اتفاق مشاكوس، كما حدث مراراً للاتفاقيات الشمالية الجنوبية السابقة من قبل حكومات الخرطوم المتعاقبة.
4
ثانياً: خلق بروتوكول مشاكوس وضعاً متناقضاً بحديثه المتكرّر عن الأولوية لوحدةِ السودان وجعلِ خيارِ الوحدةِ جاذباً من جهة، وتأكيده وتكراره حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وخيار الانفصال من الجهة الأخرى.
وبينما كانت الحركة الشعبية تركّز على انتصارها بانتزاع حق تقرير المصير وخيار الانفصال، كانت حكومة الإنقاذ تتحدث بصوتٍ عالٍ عن خيار الوحدة، والتزام الطرفين بجعل خيار الوحدة جاذبةً. وقد نتج عن هذا الوضع المتناقض جدلٌ حادٌ ساد كل الفترة الانتقالية عن الوحدة والانفصال، كل طرفٍ يحاول التركيز على ما يراه مكاسب له من البروتوكول. وقد كان هذا التناقض هو السبب الرئيسي لتعثّر المفاوضات بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس.
فبينما كانت الحكومة تحاول أن تبني برنامج الفترة الانتقالية حول خيار الوحدة، كانت الحركة الشعبية قد بدأت تفكّر وتنظّم نفسها حول خيار الانفصال. وقد كان النقاش المطوّل والذي استمر شهوراً في مسألة وجود جيشٍ واحد (الوحدة)، أو جيشين منفصلين (الانفصال)، خلال الفترة الانتقالية هو أبرز الدلائل على اختلاف التفكير بين الطرفين في المدلول الأساسي للبروتوكول.
5
ثالثاً: نجحت الحركة الشعبية في إبراز طرحها لمسألة النزاع على أنه مشكلة السودان ككل، وليس قضية جنوب السودان. فقد تحدثت ديباجة البروتوكول عن رغبة الطرفين في تسوية النزاع في السودان بأسلوبٍ عادلٍ ومستدام، وأن النزاع في السودان هو أطول نزاعٍ مستمرٍ في أفريقيا.
كما تحدث البروتوكول عن إقامة نظامٍ ديمقراطىٍ للحكم في السودان، وعن حلٍ شاملٍ للمشاكل الاقتصادية، وعن العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحترم الحقوق الإنسانية والسياسية الأساسية لجميع أفراد الشعب السوداني.
6
رابعاً: مثلما تنازلت الحركة الشعبية عن شعار السودان الجديد العلماني، فقد تنازلت أيضاً عن مطلبها بأن يشمل حق تقرير المصير ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان بما في ذلك منطقة أبيي (أو ما عُرِف بالمناطق الثلاثة).
صحيحٌ أن بروتوكول مشاكوس لم يشمل تعريفاً لجنوب السودان، لكن كل التعريفات السائدة لجنوب السودان حدّدته بالمديريات الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والإستوائية). وقد تأكّد هذا الوضع بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس والبدء في التفاوض على بقية القضايا العالقة والتي شملت هذه المناطق الثلاثة.
فقد تضمّنت اتفاقية السلام الشامل التي تمّ التوقيع عليها في 9 يناير عام 2005 بروتوكولاً منفصلاً لولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وبروتوكولاً آخر منفصلاً لمنطقة أبيي، كما سنناقش لاحقاً.
7
خامساً: لم يوضّح بروتوكول مشاكوس طبيعة النظام الدستوري بين شقّي البلاد خلال الفترة الانتقالية. وقد كانت الحركة تطالب بنظامٍ كونفيدرالي، بينما أصرّت حكومة الإنقاذ على السودان الموحّد المركزي خلال الفترة الانتقالية. وتمسّكت الحكومة في المراحل اللاحقة للمفاوضات على النظام الفيدرالي.
ولكن كما سنناقش لاحقاً، فقد كان النظام الذي حكم العلاقة بين شقي البلاد خلال الفترة الانتقالية أقرب للكونفيدرالية من أيِّ نظامٍ آخر. غير أن المفاوضين وسكرتارية الإيقاد نجحوا في الصمت عن هذه المسألة بعدم تسمية هذا النظام، وهذا ما سماه المفاوضون بـ “الغموض الخلّاق.”
8
سادساً: لا بُدَّ من مقارنة موافقة حكومة الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بمقتضى إعلان فرانكفورت مع فصيل الناصر دون وساطةِ طرفٍ ثالثٍ عام 1992، وموافقة الحكومة على ذاك الحق بموجب بروتوكول مشاكوس مع الحركة الشعبية الأم في عام 2002.
فقد كان واضحاً أن الحكومة لم تكن لديها النيّة في الإلتزام بإعلان فرانكفورت، وحاولت التنصّل منه بعد أشهر قليلة في مفاوضات أبوجا. وقد كان بعض قانونيي ودبلوماسيي وإعلاميي الحكومة يجادلون في مكابرة أن إعلان فرانكفورت لم يمنح الجنوب حق تقرير المصير لأنه لم يستعمل ذلك المصطلح (وقد رددنا على هذا الادعاء الخاطئ مراراً من قبل).
كما أن مفاوضي الحكومة جادلوا عندما توحّد وفدا الحركة الشعبية للتفاوض في أبوجا أن حق تقرير المصير مُنِح لفصيل الناصر فقط، وأن ذلك الفصيل لم يعد له وجود، وبالتالي فلا مكان لذلك النقاش بعد تلك اللحظة في حلبات التفاوض. وقد أثار ذلك المنطق الغريب والمرتبك والخاطئ دهشة وسخرية الوسطاء، وعجّل بانهاء نيجيريا لوساطتها.
من الناحية الأخرى، كان الوصول إلى بروتوكول مشاكوس قد تمّ بعد مفاوضاتٍ صعبةٍ وشائكةٍ، بوساطة عددٍ كبيرٍ من الدول والمنظمات التي شهدت التوقيع عليه، تحت أضواء الكاميرات، ومع وجودٍ إعلاميٍ مكثّف.
وكما ذكرنا سابقاً، فقد أصدر مجلس الأمن قراراً رئاسياً يرحّب فيه بالاتفاق في نفس يوم الاتفاق. والتقى بعد أيام الرئيس البشير والدكتور جون قرنق في كمبالا. لذا كان واضحاً أن الحكومة لن تستطيع التراجع أو التنصّل عن بروتوكول مشاكوس دون أن تدفع ثمناً غالياً لذلك.
هذا لا يعني إطلاقاً التقليل من دور ومكانة إعلان فرانكفورت. فقد خرج بروتوكول مشاكوس من رحم مبادئ الإيقاد، والتي استندت بدورها بصفةٍ أساسية على إعلان فرانكفورت.
9
سابعاً: يُلاحظ أن البروتوكول قد أشار إلى أن شعب جنوب السودان له الحق في تقرير المصير وذلك، ضمن أمورٍ أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً.
وقد أثارت عبارة “ضمن أمورٍ أخرى” تساؤلاتٍ عن إمكانية إعلان جنوب السودان انفصاله من داخل البرلمان في جنوب السودان، إذا تعذّر لسببٍ أو آخر عقد الاستفتاء، كما فعل السودان نفسه في ديسمبر عام 1955 عندما تمّ إعلان الاستقلال من داخل البرلمان، بدلاً من طريق الاستفتاء كما نصّت اتفاقية الحكم الذاتي للسودان لعام 1953 والتفاهمات التي تلتها.
وقد برز هذا الخيار في حقيقة الأمر عندما تعذّر الاتفاق على بعض تفاصيل قانون الاستفتاء، ولاحقاً عند الخلاف على تكوين مفوضية الاستفتاء. لكن يبدو أن الحركة الشعبية اقتنعت أن الاستقلال من داخل برلمان جنوب السودان لن يكون له الوزن الدستوري والقانوني والسياسي الذي سيحمله وزن قرار شعب جنوب السودان من خلال الاستفتاء الشعبي، ولذا فقد لا يجد القبول الاقليمي والدولي.
10
ثامناً: كان عنوان البروتوكول “بروتوكول مشاكوس” بدون تضمين أيّة إشارةٍ في عنوان الاتفاق إلى مسألة تقرير المصير، والتي هي ركيزة البروتوكول. ولكن كما سنلاحظ في المقال القادم فقد كان عنوان كلٍ من الاتفاقيات اللاحقة مؤشراً واضحاً لمضمون الاتفاقية نفسها. فالاتفاق الذي عنوانه تقاسم السلطة أو الثروة هو عن تقاسم السلطة أو الثروة، مثل الاتفاق الذي عنوانه أبيي، أو الترتيبات الأمنية، أو ولايتي النيل الأورق وجنوب كردفان.
ويبدو أن الطرفين والوسطاء كانوا لايريدون إبراز مسألة تقرير المصير في عنوان الاتفاق. فالحركة كانت لاتزال تتحدّث عن السودان الجديد، بينما كانت الحكومة تحاول أيضاً التركيز على الوحدة الجاذبة، وتُمنّي نفسها أنها ستكون نتيجة الاستفتاء. أما الوسطاء فقد كان همّهم أن تتواصل المفاوضات وتصل إلى اتفاقٍ نهائي، ولم يكونوا معنيين بمثل هذه التفاصيل. وقد يكون هذا جزءاً آخر من “الغموض الخلّاق” الذي تحدث عنه الوسطاء.
11
تاسعاً: يُلاحظ أن سكرتارية الإيقاد للمفاوضات لم تتمسّك بكل مبادئ الإيقاد التي أصدرتها في 20 يوليو عام 1994، والتي رفضها السودان في سبتمبر عام 1994، ثم عاد وقبلها في عام 1997. وكما ناقشنا من قبل فقد تضمنت تلك المبادئ علمانية الدولة السودانية حينما نصّت على أنه يجب تأسيس دولة علمانية ديمقراطية في السودان، وأن حرية المعتقد والعبادة والممارسات الدينية سيتمُّ ضمانها بالكامل لجميع المواطنين السودانيين، وسيتمُّ فصل الدين عن الدولة.
وقد أدّى تراجع السودان عن قبوله هذه المبادئ وموافقة الحركة الشعبية على تطبيق الشريعة في الشمال إلى تناسي سكرتارية المفاوضات لهذه الفقرة من إعلان المبادئ. يبدو أن سكرتارية الإيقاد قد فطنت إلى الخطوط الحمراء للطرفين، والمعادلة الجديدة للتفاوض، وقرّرت أن لا تكون ملكيّةً أكثر من الملك، وتوقّفت عن إثارة هذه المسألة.
12
عاشراً: لا بُدَّ من ملاحظة أن من وقّع على بروتوكول مشاكوس من جانب الحكومة كان الدكتور غازي العتباني. وكما ناقشنا من قبل فقد كان الدكتور غازي قد قاد وفد السودان للجولة الرابعة من مفاوضات الإيقاد في سبتمبر عام 1994. وقد أعلن في كلمته أمام سكرتارية المفاوضات ووفد الحركة الشعبية: “إن تقرير المصير أو أي تعبيرٍ آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية، وإن الحكومة غير مستعدةٍ للتداول حوله.” كما أعلن أيضاً “أن حكومة السودان هي تبعاً لذلك ملتزمةٌ بأن تسلّم “نفس السودان” إلى الأجيال القادمة.”
ذكر الدكتور غازي أنه بعد أداء مهمته برفض مبادئ الإيقاد “تعرضتُ لهجمةٍ شرسة من الإعلام الغربي وُصِفتُ فيها بأسوأ النعوت ومن بينها بالطبع أنني شخصٌ متطرفٌ، لكنني على الصعيد الشخصى لم أنم أقرّ عيناً ولا أشفى صدراً من نومي في تلك الليلة.”
بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس وصفت وسائل الإعلام الغربية الدكتور غازي والسيد سلفا كير بأنهما رجلا دولة يتميزان بالحكمة والمسئولية.
13
حادي عشر: لا بد من إضافة أن سكرتارية التجمّع الوطني الديمقراطي وأحزابه وتنظيماته كانت تراقب مفاوضات مشاكوس من أسمرا والقاهرة، مثلها مثل بقية المراقبين الآخرين من البعد، بلا حولٍ أو قوّة. وعندما طلب أعضاء التجمّع من سكرتارية الإيقاد تمثيلهم في مفاوضات السلام، اعترضت الحكومة السودانية بشدّة وأوضحت أنها لن تشارك في المفاوضات إذا تمّت دعوة التجمّع. ولم تتحمّس الحركة الشعبية لهذا الاقتراح.
من المؤكد أن سكرتارية الإيقاد للمفاوضات كانت تعي جيداً أن مشاركة طرفٍ ثالثٍ سوف تضيف مزيداً من التعقيد للمفاوضات الشائكة أصلاً. عليه فلم يُكتب لطلب التجمّع رؤية النور.
وخلال المفاوضات صدرت تصريحاتٌ غريبة ومدهشة، منها أن الحركة تُفاوض باسم التجمّع، وأن التجمّع هو في حقيقة الأمر “الشريك الخفي” في تلك المفاوضات.
وقد نسيتْ أو تناستْ الحركة الشعبية حتى ذلك الوعد المبهم الفضفاض الذي قدّمه الدكتور قرنق لقادة التجمّع في لقاء كمبالا في ديسمبر عام 1999. وقد تضمن ذلك الوعد تكوين لجنة فنية لشرح موقف التجمّع لمفاوضات الإيقاد، “بالإضافة لهذا فإن وفد الحركة الشعبية يمكن أن يشمل بعض أعضاء التجمّع كبوتقة تفكيرٍ مساندة ضمن الفريق الفني المساعد لوفد الحركة الذي يصحب الحركة عادةً في هذه المباحثات.”!!
14
في 7 أغسطس عام 2002، أي بعد حوالي الأسبوعين من التوقيع على بروتوكول مشاكوس، اجتمعت هيئة التجمّع الوطني الديمقراطي في أسمرا وأعلنت تأييدها لبروتوكول مشاكوس.
بما أن هذه الأحزاب والتنظيمات كانت جميعها قد وافقت قبل سبع سنوات على مبدأ حق تقرير المصير لجنوب السودان (في إعلان أسمرا الذي صدر في 23 يونيو عام 1995 – مؤتمر القرارات المصيرية)، فقد كان واضحاً أن هذه الأحزاب لا خيار لها غير التأييد لبروتوكول مشاكوس.
لا بد أن ممثلي هذه الأحزاب قد أحسّوا بالأسى والإحباط والخيبة وهم يرون حليفهم القديم، والذي كانوا يؤمّلون أن تُسْقِطَ قواتُه حكومةَ الإنقاذ في الخرطوم وتعيدَ لهم الحكم في السودان على طبقٍ من ذهب، قد أصبح شريكاً للنظام في الخرطوم، وأصبحت له مصلحةٌ كبرى في بقاء الحركة الإسلامية في السلطة لمدة ستة أعوامٍ كاملةٍ أخرى، حتى يتم انفصال جنوب السودان بسلاسةٍ عبر بوابة تقرير المصير التي ساهم التجمّع نفسه في بنائها وتجميلها.
15
وقد كان الدكتور جون قرنق قد ذكر للرئيس البشير عند لقائهما في كمبالا بعد أسبوعٍ من توقيع بروتوكول مشاكوس أنهم قد أعطوه ست سنواتٍ أخرى من الحكم، كما ذكرنا سابقاً.
بالنسبة للتجمع فقد انتهت سنوات التحالف مع الحركة الشعبية، وأصبح الصديقُ القديم شريكاً لمن كان عدواً مشتركاً. ربما يكون ما قاله الدكتور جون قرنق للرئيس عمر البشير أنهم قد أعطوه ستة أعوام أخرى لرئاسة السودان محاولةً للإيحاء بأن بروتوكول مشاكوس قد جاء لصالح الرئيس البشير والحركة الإسلامية الحاكمة.
ولكن بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي فقد كانت تلك المقولة تذكاراً موجعاً بنهاية تحالف الحركة الشعبية مع أحزاب التجمّع، وبداية شراكتها مع حزب المؤتمر الوطني لستة أعوامٍ قادمة، كان من الواضح أنها ستنتهي بانفصال جنوب السودان.
16
كما أن تلك الحقيقة المريرة الخاصة بحتمية انشطار السودان لا بدّ أن تكون قد تراءت لحكومة الإنقاذ والحزب الحاكم والمفاوضين الكثر من الإسلاميين بعد قراءة متأنيّة لبروتوكول مشاكوس وتفسيرات الحركة له، رغم محاولاتهم رؤية البروتوكول من خلال منظار الوحدة الجاذبة.
فقد تجادلوا في حسرةٍ وأسى كيف تدحرجت كرة إعلان حق تقرير المصير من فرانكفورت، لتقود بعد عشرة أعوام إلى بروتوكول مشاكوس، ثم إلى حتميّة الانفصال؟ ومن المسئول داخل حلبة الإنقاذ ومفاوضيها عن ذلك؟
17
كما أن قادة الأحزاب الشمالية لا بد أن يكونوا قد أحسوا أيضاً بالأسى وهم يراجعون مواقفهم وأوراقهم القديمة عندما رفضوا بعنادٍ وغطرسةٍ واستخفافٍ نظام الحكم الفيدرالي الذي كان الجنوبيون يُطالبون به.
وقد كان الحكم الفيدرالي غاية ما تطلّع إليه شعب الجنوب منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ومؤتمر الحزب الليبرالي عام 1954. وقد نجح قادة الجنوب في تضمينه في قرار البرلمان عن الاستقلال عام 1955، ثم عادوا وأكّدوا مطالبتهم به في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965.
وها هم قادة هذه الأحزاب الشمالية أنفسهم الذين رفضوا ذلك المطلب المتواضع عام 1965، ثم عادوا ووافقوا بوضوحٍ على حق تقرير المصير عام 1995، يشاهدون بأعينهم كيف خرجت الكرة من ملعبهم، وأصبحوا متفرجين لا أكثر في عملية التفاوض على اتفاقيةٍ كان واضحاً أنها ستقود بعد ستة أعوامٍ إلى انشطار السودان.
18
لقد أصبح الحديث عن الوحدة الجاذبة والسودان الجديد واستعادة الديمقراطية بعد التوقيع على بروتوكول مشاكوس نكراناً بلا معنى، وذرَّ رمادٍ على العيون.
لقد قرّرت الحركة الشعبية في سبتمبر عام 1991، خلال اجتماع مكتبها السياسي في توريت، أن حق تقرير المصير هو غايتها، وأكّدت ذلك في مؤتمرها العام في شقدوم عام 1994. وتبعت ذلك في كل اتفاقياتها مع كل الأحزاب والتنظيمات الشمالية المعارضة، وفي كل جولات التفاوض التي رعتها الحكومة النيجيرية ومنظمة الإيقاد، ودول الإيقاد فرادى.
وكان يجب على أهل الإنقاذ التفكير بتأنٍّ وعقلانية: لماذا قرّرت الحركة الشعبية المطالبة في عام 1991 بحق تقرير المصير، بعد ثمانية أعوام من الحديث عن السودان الجديد الموحّد؟.
فحركات التحرير لا تطالب بحقِّ تقرير المصير من أجل إرضاء طموحاتٍ نظرية، أو لغرضٍ أكاديمي. إنها تطالب بحقِّ تقرير المصير من أجل أن يقودها إلى غايتها النهائية وهي الانفصال.
19
وقد أعطت حكومةُ الإنقاذ الحركةَ الشعبية ما تحتاجه من مبرراتٍ للتراجع عن مبدأ السودان الموحّد، والمضي قدماً في المطالبة بحق تقرير المصير، ثم الانفصال، بإصرارها المتغطرس والمتواصل على قوانين سبتمبر.
لقد كان لكل طرفٍ خيار، وقام كل طرفٍ باتخاذ قراره، وكانت النتيجة هي بروتوكول مشاكوس الذي مثّل بداية النهاية للسودان الموحد.
وقد أصبح خيار نظام الإنقاذ لقوانين سبتمبر والدولة الإسلامية العربية في شمال السودان هو مبرّرها الرسمي لفصل جنوب السودان.
20
في هذا المضمار فقد ذكر السيد علي عثمان محمد طه رئيس وفد التفاوض الحكومي لاتفاقية السلام الشامل، والنائب الأول لرئيس الجمهورية، في مقابلةٍ مع جريدة الرأي العام السودانية، (الخميس 6 نوفمبر عام 2014، العدد 6107، الصفحة الثالثة):
“شيءٌ واحد كان مطلوباً منّا وتأخّرنا عنه، وسنظل نتأخّر عنه، لأنه فوق قناعتنا بالدولة القطرية، وهو هويتنا. والشيء الوحيد الذي ربما يُقنِع الجنوبيين بالاستمرار في الوحدة هو أن يتخلّى الشمال عن هويته الثقافية الإسلامية والعربية ويقبل بالدولة المدنية العلمانية الأفريقية التي ليست لها جذور. وهذه من القضايا التي كان يثيرها اخواننا الجنوبيون. وغير هذا أنا لا أرى أنه كان هناك ما يمكن أن يبرّر أو يعضّد الاتهام بأن الحكومة تأخّرت أو قصّرت في تقديم ما يقنع الجنوبيين بالبقاء تحت سقف بلدٍ واحد.”
21
لا بُد من التصحيح الفوري والواضح هنا أن الحركات الجنوبية جميعها، بما في ذلك الحركة الشعبية، لم تطالب على الإطلاق بالدولة السودانية الأفريقية، وتخلّي الشمال عن هويته الإسلامية العربية كما زعم السيد علي عثمان.
فعلى سبيل المثال، فقد طالبت الرسالة التي أرسلها رئيس حزب سانو السيد ويليام دينق إلى رئيس الوزراء السيد سر الختم الخليفة في 8 نوفمبر عام 1965، تقترح عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة قضية الجنوب، الآتي:
“التسليم بأن السودان دولة أفريقية عربية، لها شخصيتان متمايزتان وثقافتان ومزاجان، احداهما زنجية والأخرى عربية، وذلك أمرٌ لا يرتبط بأي شكلٍ بموضوع الدين واللغة. فلن يستطيع الإسلام أو المسيحية أن يوحّد السودان، ولن تستطيع ذلك اللغة العربية، وهي أمور حدثت مبالغة في أهميتها في السنوات الأخيرة. فالوحدة في نطاق التعدّدية هي الحل لمشكلة الجنوب. وهو الحل الذي يمكن أن يتجسد في دستورٍ فيدرالي.”
22
كما أن قيادات الحركة الشعبية ظلّت تكرّر بانتظام ما ذكره الدكتور جون قرنق مراراً، والمقتبس من مانيفستو الحركة الشعبية:
 “فلنقبل أنفسنا كسودانيين أولاً وقبل كل شيء. العروبة لا تستطيع توحيدنا. الأفريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا. الإسلام لا يستطيع توحيدنا. المسيحية لا تستطيع توحيدنا. لكن السودانوية تستطيع توحيدنا.”
أما عن العلمانية التي ذكر الأستاذ علي عثمان أنه ليس لها جذور، فلا بُدّ من التذكير أن حكومة الإنقاذ كانت قد قبلت في عام 1997 مبادئ الإيقاد، والتي انبنت على حق تقرير المصير لجنوب السودان، وعلمانية الدولة السودانية، ثم عادت وتراجعت عن ذلك القبول.
23
لقد كانت كل الأطراف (خصوصاً الوسطاء والمراقبين) تعتقد وتتوقّع أن يكون التوقيع على بروتوكول مشاكوس في 20 يوليو عام 2002 قد حسم أكبر وأهم العقبات في طريق التفاوض (قضية تقرير المصير)، وأن لا تأخذ القضايا المتبقّية غير أسابيع قليلة للوصول لاتفاقٍ نهائٍيٍّ حولها. فالجدل حول ذلك المطلب هو الذي استهلك كل عقد التسعينيات، وأرهق كل الأطراف، خاصةً الوسطاء.
24
لكنّ ذلك لم يحدث لأن كلاً من الطرفين، كما ذكرنا من قبل، كان ينظر إلى بروتوكول مشاكوس من منظوره الخاص. فالحكومة كانت تودُّ التركيز، وبناء بقية الاتفاقيات المتبقّية، على الوحدة الجاذبة، كما اقترح ذلك الدكتور غازي العتباني عندما وافق على بروتوكول مشاكوس قبل ساعاتٍ من التوقيع عليه في 20 يوليو عام 2002.
من الجانب الآخر، بدأت الحركة الشعبية بذاك الوقت في تدبير وتنظيم نفسها حول خيار حق تقرير المصير وحتمية الانفصال. بل يمكن القول أن أعضاء الحركة بدأوا في حزم حقائبهم استعداداً للعودة إلى جوبا!.
25
عليه فقد تعقّد وتشعّب التفاوض في القضايا الأخرى، وأوشك أن يعصف ببروتوكول مشاكوس نفسه. لكن بفضل جهود الوسطاء والأسرة الدولية تم التوصل إلى عدة اتفاقياتٍ في تلك القضايا الخلافية، قادت إلى توقيع اتفاقية السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا) في 9 يناير عام 2005، كما سنناقش بقدرٍ من التفصيل في المقالات القادمة.

Salmanmasalman@gmail.com

الكاتب
د. سلمان محمد أحمد سلمان

د. سلمان محمد أحمد سلمان

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الطابور الخامس؟ تاريخ فكري لمجتمعات الجنوبيين السودانيين في الخرطوم بين عامي 1969 – 2005
الأخبار
لجنة أطباء السودان المركزية: تحديــث بشهداء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر
الحرب الحالية وأزمة اليسار السودانى
منبر الرأي
تفاصيل الصفقة الشاملة التي قدمها مكتوبة نظام الانقاذ للسناتور الامريكي كيري؟ .. بقلم: ثروت قاسم
منشورات غير مصنفة
ما لم أقله لوالي الخرطوم .. بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كيف تشوه الأوطان؟ .. بقلم: أمل أحمد تبيدي

طارق الجزولي
منبر الرأي

عبد الخالق محجوب (1927-2020): بين حي العرب وحي السيد المكي: طريق وعر .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

مصر التي في خاطرك .. بقلم: د. أحمد الخميسي

د. أحمد الخميسي
منبر الرأي

جنوب السودان: مراحل انهيار الثقة بينه وبين الشمال 3/3 .. عرض وتحليل: د.أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss