خوجلي .. بقلم: تاج السر الملك

في ذلك اليوم

كان ميناء (جونيه)، على غير عادة أمواجه في الصخب، مستسلماً في دعة لخدر القطر الشتائي المتساقط، صاغر عن يد لأقدار الجاذبية، والمتوسط رحب اخضر ازرق كلما تماديت فيه بتسريح النظر، وللماء رغو مثل رغو السحاب، الذي عبر خاطر (السياب)، في لحظة ملهمة، وكل ما يحيط بك، من جلال وجمال وشاعريه، تحسه وكأنه، مقطع مجتزأ من أغنية لفيروز. يقف نقيض كل ذلك، على اليابسة، الحرب التي تدور رحاها ليل نهار، القناصة، وسيارات الإسعاف، ودور السينما التي لا تكف عن عرض أفلام الجنس، وباعة (المربورو بليرتين)، والسباب، وفجور الرعب، وتسأل نفسك، وأنت تقف فعلياً، على مبعدة دقائق (بالسرفيس)، من (تل الزعتر)، و(صبرا وشاتيلا)، تتنفس هواء الصنوبر الذي يسور السماء، التي تحت صفاء ضياءها الصامت الأزرق، أنجب (حسين مروة)، نزعاته المادية، وعلى مرمى قذيفة، من (الرملة البيضا)، حيث اغتيل.
أي قدر قذف بي، في خن الكتائبيين؟
والحرب الأهلية اللبنانية في مطلع صباها؟، أشد عزماً على المضي، فذا سؤال يطول سرد إجابته، ولكن للنوارس ألحان، بعضها حزين، وبعضها ساخر، وبعضها بلا وازع من ضمير الطير، ولا عاطفته، وكذا القماري، والسنونو، والسمان في خريفه. والمذياع، أعلن لتوه عن مقتل جون لينون، فأتى الكون الى سكون، وأتى كتاب
The Catcher in the Rye
الى نهايته على يد مارك تشابمان.
ورجع البوم (دبل فانتاسي)، إلى الصدارة مرة أخرى.
ولكن من قتل خوجلي عثمان؟
في ذلك العام، أتصور خوجلي بسيارة بيضاء، لعلها (مازدا)، إن لم تخني ذاكرتي، واقفاً أمام، بيت (ناس عبد الله السحلي)، في الحلفايا الحلة الجديدة، لم يكن طويلا في قامته، ولكن شيئاً في محياه، يجعله في موازاتك، مهما بلغت من الطول. كان بشوشا، ووجهه رحب طيب، وعيونه واسعة، وشعره (أفرو) ستايل، موجة ذلك العهد، وواحد من أهل عهده ومعاصرته، من النجوم، يعتمرون (القجة)
المبارك، أونسة، زيدان، ربشة!
كان نجماً، ولكن نجوميته لم تحجب عنه، بساطة عيش أهل الحلفايا. فكان وفياً لتراث أهله والبنيات يأسين، حين يعلمن، أنه وبرغم صغر سنه، متزوج، وله أطفال، ولكن عشمهن، يظل أبقي وأقوي، من غريزة البقاء عند صرصار. قريبه (صلاح)، صديقه ورفيقه في العمل، لا توجد كلمة أصدق في وصفه، سوى الكلمة السودانية، (زول طيّب).
كانا يسعيان سوياً، مطلع كل شمس، إلى مباني كلية البيطرة بشمبات، حيث يعملان، في المعامل البيطرية، والطريق ترابي، يمر عبر المزارع، تتوسطها، مزرعة (سرور رملي)، مغلفة بأسرار وتاريخ ممعن في القدم، يزورها في (فولغا) صفراء، كل نهاية أسبوع، تحيط به هالة من هيبة نظار الإدارة الاهلية، وبداخل غرف رطبة، سيوف معلقة، وهدايا بريطانية، واوسمة من الملك جورج، وإليزابيث، و قصص حري بها أن تسرد، لم يقدر لها أن تصل كتب التاريخ السوداني، فاندثرت، تحت لكمات، الخطط الإسكانية، كان (النور) يعيش في تلك المزرعة، وحيداً، إلا من اخاه، وكيل العريف بالمدرعات، يأتيه كل شهر، ومزارع (صعيدي)، يقوم بشأن الزراعة، يقيم في كرنك، هو وزوجته، لا ينفك الشجار بينهما، ليل نهار، لا يهدأ، إلا لينشب، وكان العامل ينظرها، في ولع.
في طريق العودة، كانا يمران بمحرقة (الكمائن)، ورجال (التاما) في وحشة عزلتهم، وسط حرائق الطين الأخضر، يلوذون، بعزم اللغة التي تخصهم وحدهم، والعشر ينبت مساكن للجن، و(أب لمبة) يأخذك إلى (بحر سماحة)، بالليل وأنت تبحث عن (العرقي)، في الكمبو، فتغرق وتموت. في ليالٍ ممعنة في سهدها، وغبارها العالق، مثل عتاة مردة
كنت تسمع الراديو، يفض عنك مغاليق السأم، ويقول
أسمعنا مرة، والدنيا تبقى ما فيها مرة!
ولكننا لم نعد نسمعه.
كان خوجلي ثورة، وكان شهيداً، بيد أننا لم ندرك أبعاد ذلك بعد.
تاج السر الملك
2022

tajmultimedia@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً