(1)
لعلَّ عنوان المقال قد يريب البعض ، فأنا لاأكتب موعظة عن الخير والشر، وإنّما أحدّث هنا عن الدبلوماسية، وعمّا لحق بها من تحوّل، لا يخفى على الناظر لما آلت إليه أحوال العــالم من حولنا. لقد ارتأى العالم بعد الحرب العالمية الثانية أن يكون للمجتمع الدولي صوت للســلم يعلو على صوت الحرب، وأن تودع البشرية الصراعات الدموية، فترفرف حمامات السلام في أنحاء العالم . توافق كبار العالم مع صغاره على أن تسود مباديء التعايش والمشاركة ونأسست على المباديء والقيم ، كيانات ومؤسسات وهياكل لتحفظ السلم والأمن الدوليين. رأس الحــربة الفاعلة لكلّ ذلك هي أساليب وآليات الدبلوماسية، التي تعتمد التفاوض والحوار سبيلين لتجنب الصراعات والحروبات في الساحة الدولية.
(2)
لكن الحروب التي تجري بتقنيات التواصل الرّقـمي غير مباشرة، تركت المُـدن والقـرى أشبه بما جاء من وصفٍ في الكتاب الكريم- عن رمي الطير حجارة من سجِّيل، لتترك البشر والحجر كعَصفٍ مأكول. أوليـس ذلك ما فعله أبالسة الكيان الإسرائيلي في غـزة، على من حسبوهم أصحاب الفيل ، أو هو ذلك الذي شـهدناه من أبالسـة السُّـودان وهم يدمّرون بلادهـم..؟
صارت تلك الحروب ومثيلاتها ، تستعر في الأنحاء لتشكِّل تحدٍ تقـف معـه الأمم المتحدة عاجزة كلَّ العجز عن ملاحقة آثارها والتصدي لتبعاتها، ثمّ إحلال السِّـلم والأمـن الدوليين آخر الأمر .
إن التطوّرات المُتسارعة في التسلّح الرقمي، والذي بدتْ جليةً في الحروب الناشبة هنا وهناك، تركـتْ آليـات حفـظ السِّــلم والأمن الدوليين تسير بأبطأ من مشي السَّـلاحف. ذلك ما أفضى إلى ما نرى من تراجع في فعالية المنظمة الأممية، واستغراقها فيما تتبع من أساليب تجاوزتها ثورة التطور الرَّقمي في التواصل ، وكان الأحـرى أن تلتفت المنظمة لســدِّ ثغرات نقصان فعاليتها ، وأن تعيد النظر ليس فقط في أساليب عملها، بل في مواثيقها واتفاقياتها ولوائحها.
(3)
لإنْ تجرّأتْ الإدارة أمريكية تحت قيادة الحزب الجمهوري، مثلما نشهد أداءها حالياً تحت قيادة دونالد ترامب، الذي انسحب من العديد من الاتفاقيات والهياكل الدولية، فإنَّ على الأمم المتحدة ألا تلومن إلا نفسها، لو تجاوز الرئيس الأمريكي صلاحياتها واستولى على أدوارها . بات واضحاً أنَّ الرجل يستخفَّ استخفافاً بائناً بالمنظمة الأممية وبهياكلها وآلياتها ، واتخذ لنفسه أســلوبا يتولى عبره حلحلة المشاكل الدولية ، بما في ذلك تسوية الصراعات والحروب الناشبة في أنحاء العالم، عبر مبادراته الشخصية . إنَّ طبيعة شخصية رجلِ مثل دونالد ترامب يجيد الصفقات التجارية الناجحة، يجد في خبـراته الشخصية ما يعينه بتلك الذهنية على تحقيق صفقات سـياسـية على المستوى الدولي فيعـقـد المصـالحات ويوقـف الحروب. غير أن أساليب الدبلوماسية الناعمة التي لا تتوافق مع “ذهنية الصفقات” تلك، تحيل الرجل للاعتماد على رسله ومبعوثيه الشخصيين، دون أن يعبأ كثيراً بتقارير وزارة خارجيته ودبلوماسييها التقليديين، أو حتى الاهتمام بما يخرج من دراسات من مراكز العصف الذهني السياسية الأمريكية.
تراجعت إلى ذلك اهتمامات الإدارة الأمريكية الحالية بالدبلوماسية الناعمة. لعلَّ من أقدار مبتكر سياسة الدبلوماسية الناعمة “جـوزف ناي” ، أن يودّع الحياة هذا العام في عهد رئيس أمريكي يُعد المعارض الأول للدبلوماسية الناعمة.
(4)
لقد أوردت العديد من المواقع الإعلامية كيفَ تزامن رحيل منظر الدبلوماسية الناعمة البروفسور “جوزِف ناي”، مع علو أسهم الرئيس الأمريكي الذي يؤمن بالقدرة على اجراء التسويات واستعمال القوة الخشنة المؤثرة. أما الدبلوماسية الناعمة مثل التي روّج لها ذلك المنظر الأمريكي الذي توفي في مايو 2025، فهي إهدار محض للجهد والوقت. تقلد الكاتب المفكر “جوزف ناي”(1933-2025 عددا من المواقع النافذة والمؤثرة خلال حقب حكم الديمقراطيين للإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولقد اعتمدت الخارجية الأمريكية خلال العقود الأخيرة ، الدبلوماسية العامة سبيلا فعالا في مجال علاقاتها الدولية ، كبديلٍ مرادفٍ للدبلوماسية الخشنة. ظلت الدبلوماسية العامّـة واحدة من أهم الدوائر في وزارة الخارجية الأمريكية. ويبدو لارتباط الديمقراطيين بذلك النوع من الدبلوماسية فمن طبيعة الرئيس الأمريكي الحالي الغلو في معارضة تلك الدبلوماسية .
(5)
غير أن دولا كثيرة اتبعت شيئاً من هذه الدبلوماسية ، ، ولم تكن ممارسة أمريكية محضة. لعلَّ من أساليب تلك السياسة المتبعة في بريطانيا على سبيل المثال ، تلك الأدوار التي يقوم بها المجلس البريطاني في توطيد أواصر التواصل الثقافي لتحسين العلاقات في مجال السياسة الدولية. كما أن أوضح مثل لفعالية الدبلوماسية الناعمة ، هو نجاحها في إزالة جدار برلين في المانيا، دون اللجوؤ لاستعمال استعمال أيّة قوة خشنة.
إن اندلاع الحروب في مختلف أنحاء العالم لا يفسره جزئياً ، إلا الغلوّ في استعمال القوة الخشنة مقابل تجاهل القوة الناعمة. وحتى ينتصح من يتحرّى النصحَ، فإنّ مداخل الخيـر قد تتمثل في الدبلوماسية الناعمة ، وتبقى مخارج الشّـرِّ، هي النتيجـة الحتمية للدبلوماسـية الخشــنة.
القاهرة – 29/7/2025
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم