دفع الله الحاج يوسف.. ذاكرةُ مدينةٍ وضميرُ وطنٍ .. بقلم: إمام محمد إمام

أحسبُ أن بنك فيصل الإسلامي برعاية الأخ الصديق علي عمر إبراهيم فرح المدير العام للبنك، سبّاقٌ دائماً إلى مبادرات، فيها كثيرُ وفاءٍ، وعظيمُ إخلاصٍ، ولم يكن غريباً احتفاؤه الممتد بأستاذنا الجليل دفع الله الحاج يوسف وزير التربية والتعليم والتعليم العالي الأسبق، ورئيس القضاء الأسبق، تحت شعار اختير بعناية فائقة ليعكس مضامين مهمة، تؤكد أن الألفاظ أوعيةٌ للمعاني، كما يقول اللغويون، حيث يجيءُ التكريم تحت شعار “الرُّوادُ عطاءٌ ووفاءٌ”. وقد آلمني كثيراً أن فاتني تكريمه مساء أول من أمس (الاثنين)، في قاعةِ سبارك بالخرطوم، على الرّغم من حرصي على حضور ذاكم التكريم، إلا أن بعض المشغوليات أنستني هذا الموعد المُهم، وأحسبُ أنّه سيعذرني إذا علم أنّ المشغوليات لم تشغلني عن الحضور، ولكن النسيان كان سبباً في الغياب، ولولا تذكرت قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فتاه في القرآن، لازددت حزناً وحسرةً وألماً، لكن اصطبرت على هذا النسيان عندما تذكرتُ قولَ الله تعالى: ” قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا”. وهدأت روعي، وأزالت بعضاً من حزني تلكم الآية الكريمة، وجعلتني أنسى أو أتناسى قولَ الأديب والشاعر العربي الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي:
وَعاجِزُ الرَأيِ مِضياعٌ لِفُرصَتِهِ     حَتّى إِذا فاتَ أَمرٌ عاتَبَ القَدَرا
وإلا كنتُ في عتابٍ شديدٍ لهذا الغياب النّسياني، مُقارباً حالي كحال عاجز الرأي الذي عناه الفراهيدي.
مما لا ريب فيه، أنّ تكريم الأستاذ دفع الله الحاج يوسف، هو تكريم لشخصية فذّة، محل إجماعٍ، لدى السودانيين، قدمت لهذا الوطن عُصارة جُهدها، وفكرها في سبيل نهضته ورفعته، تكاملاً مع ما قدمه لهذا الوطن في سني صباه من تضحية وطنية دفع ثمنها الفصل التعسفي من مدرسة خور طقت الثانوية، ولذلك شرب حبَّ هذا الوطن منذ أمدٍ بعيدٍ. ولقد عَرفتُ الأستاذ دفع الله الحاج يوسف في بواكير عملي بالصحافة السودانية، حيثُ كنتُ مُكلفاً بتغطية بعضِ محاكم العدالة الناجزة، وهو رئيس القضاء آنئذٍ. ولن أنسى موقفاً طريفاً مرَّ بي، وأنا أتلمسُ خُطايَ في عالم الصحافة، وما زلتُ وقتها طالباً في جامعة الخرطوم، أن حضرتُ اجتماعاً برئاسة الرئيس الراحل جعفر محمد نميري، والأستاذ دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء، والدكتور حسن عبد الله الترابي النائب العام، والأستاذ أحمد عبد الرحمن محمد وزير الشؤون الداخلية، والفريق أحمد وادي مدير عام السجون، وعددٍ من المسؤولين في مكتب مدير سجن كوبر قُبيل إعدام المدان الواثق صباح الخير، الذي نُفذ فيه أول حكم إعدام من محاكم العدالة الناجزة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وفاجأ الرئيس الراحل نميري الحضور بالإشارة إليّ سائلاً، فاضطربتُ أيّما اضطراب، خاصةً ونحن في سجن كوبر، وفي أجواء تنفيذ حكم الإعدام، فكان السؤال عن علاقتي بالأستاذ الموسيقار الشهير الماحي إسماعيل، بحُجية الشبه الذي بيني وبينه، ولما اعتراني قدرٌ من الاضطراب، سارع كلٌّ من الأستاذين الجليلين دفع الله الحاج يوسف وأحمد عبد الرحمن محمد للإجابة عن سؤال الرئيس الراحل، بأنه لا علاقة لي به، فسكّنا روعي وهدآ بالي، فواصلتُ في تغطية فعاليات الاجتماع، وتفاصيل إجراءات الإعدام. فمنذ ذلك الوقت توثقت علاقتي بالأستاذ دفع الله الحاج يوسف، وبدأت أتعرف عليه عن كثبٍ، حيث تبين لي أنه قانوني، ومثقف موسوعي، ليس في القانون فحسب، بل في ضروب الثقافة المختلفة، وفيه شاعرية أحسبُ أنها مجهولة لدى كثيرٍ من عارفي فضله، وغزارة علمه. والتقيته أكثر من مرة في لندن إبّان إقامتي في بريطانيا، لسنين عدداً، لا سيما مع الأخ الصديق التاج علاّم، الذي كان يحرص على مجالسته إبان زياراته إلى العاصمة البريطاينة، وكنتُ استمتع بجميل مؤانسته.
وفي رأيي الخاص، أن الأستاذ دفع الله الحاج يوسف له ذاكرة قوية عن مدينة أم درمان، تجلت في برنامج “مراجعات” التلفزيوني، وهو في ذلك تتمثل فيه شرائط ينبغي أن تكون في الفقيه، ألا وهي الذاكرة الحافظة، والقلبٌ الواعي، واللسان الذاكر، ولكنه يزيد عليها بأنه ضميرُ وطن بأثره، ومن ملاحيظي عليه من بعض تردادي على مجلس مؤانسته بمنزله في أم درمان، والذي ينعقد كل صباح جمعة، ويحضره رموز من الشخصيات العامة – ماضياً وحاضراً – فتجده مستمعاً أكثر من كونه متحدثاً، فلذلك تخرج من ذاك المجلس الذي لا ينفض سامرُه، إلا بسماع آذان صلاة الجمعة. ولما كان أم درماني الهوى والعشيرة والطّباع، فتجده يولم إفطاراً لهؤلاء المجالسين كل جمعة، ولا يغلق باب مجلس مؤانسته إلا في حالتين فقط، هما: عندما يكون مسافراً، أو أن يحل على الناس شهر رمضان المبارك.
أخلصُ إلى أن لأستاذي دفع الله الحاج يوسف طقوساً محددةً في القراءة، لأنّه كثيرُ إطلاعٍ، وعظيمُ مطالعةٍ. وفي ذلك يحكي عن اهتمامه بالقراءة والاطلاع قائلاً: “إن جيلنا كان له اهتمام بالقراءة منذ المراحل الابتدائية، وكان النشاط الفكري والأدبي يحتل مكانة ممميزة في المنهج الدراسي كله، وكانت تتوفر المكتبات وحصص المكتبات..الخ”. من هنا يتضح لنا جلياً ولعه بالقراءة، وباقتنائه الكتب التي جمعها منذ عهد الدراسة الثانوية والجامعية إلى يومنا هذا. وأحسبُ أن تكريم بنك فيصل الإسلامي لأستاذنا دفع الله الحاج يوسف هو حقٌ له ومستحقٌ، ووقع موقعاً طيباً لدى الكثير من عارفي فضله وغزير علمه. وأنّ هذا التكريم يجيء، تصديقاً لقول علي بن أبي طالب – كرم الله وجه – “يُعرَف الرجالُ بالحقِّ ولا يُعرَف الحقُّ بالرجال”، فهو إقرار لمقولة إنه ذاكرة مدينة أم درمان، وضمير حي لوطنه السودان. فلذلك اتصلت بالأخ الصديق الطاهر حسن التوم مقدم برنامج “مراجعات” التلفزيوني في فضائية النيل الأزرق، للموافقة على نشر هذه المراجعات في صحيفة “التغيير”، تثقيفاً وتنويراً لقرائنا وقارئاتنا، وقد وافق مشكوراً على هذا الالتماس.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”.
وقول الشاعر أبي مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك، المشهور بـ”الحطيئة”:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ    لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً