نزار عثمان السمندل
لم يحتج «دقريس» إلى استعارة اسمه من سجون العالم سيئة السمعة. فقد تكفلت الحرب، ومن يديرونها، ببناء سمعته الخاصة حجراً فوق حجر، وجثة فوق أخرى، حتى صار اسماً يثير الرعب بمجرد تداوله بين السودانيين.
فمنذ أن أحكمت مليشيا الدعم السريع سيطرتها على جنوب دارفور، ما عاد اسم “دقريس” مجرد إشارة جغرافية إلى بلدة تقع غرب نيالا. تحول الاسم إلى مرادف للخوف، وإلى عنوان لسجن تتردد قصصه في المدن والقرى كما تتردد حكايات الأماكن التي تبتلع البشر ثم تغلق أبوابها خلفهم.
في الأصل شُيّد المكان عام 2016 تحت اسم «مدينة الخير الإصلاحية» ليكون بديلاً لسجن نيالا القديم. كان المقصود به أن يكون مؤسسة إصلاحية حديثة، لكن الحرب أعادت تعريفه بالكامل. فخلف الأسوار الخرسانية العالية التي ترتفع نحو ستة أمتار، نشأ عالم آخر؛ عالم معزول عن القانون والرقابة، تحرسه الدوريات المسلحة على مدار الساعة، وتحيط به فيالق من الحراسة تجعل الاقتراب منه أقرب إلى الاقتراب من منطقة عسكرية مغلقة.
ومع اتساع رقعة الحرب، تحوّل «دقريس» إلى محطة نهائية لآلاف المعتقلين الذين جرى نقلهم من الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور. لم يعد سجناً بالمعنى التقليدي، بل مستودعاً بشرياً ضخماً تتكدس داخله أعداد هائلة من المحتجزين، في ظروف تقول منظمات حقوقية وشهادات مفرج عنهم، إنها تجاوزت كل الحدود الإنسانية.
داخل هذا المكان تضيق المساحات إلى حد الاختناق. زنازين صُممت لشخص واحد أصبحت تضم عدة أشخاص دفعة واحدة. أجساد متلاصقة، هواء شحيح، ومشهد يومي يختلط فيه الجوع بالمرض والخوف.
وتقول تقارير حقوقية إن أعداد المحتجزين تجاوزت مرات عديدة الطاقة الاستيعابية التي أُنشئ السجن من أجلها، حتى تحولت بعض المباني والمرافق المجاورة إلى امتدادات قسرية لمحيطه المكتظ.
وتصف شهادات متطابقة، تنقلها وكالات الأنباء بشكل متواتر، واقعاً قاسياً يتجاوز الحرمان من الحرية إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فالمعتقل، وفق تلك الروايات، لا يواجه فقط العزلة والاحتجاز، وإنما يواجه أيضاً نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، في بيئة ساعد الاكتظاظ وسوء الأوضاع المعيشية على انتشار الأمراض والهزال وسوء التغذية. ويتحدث مفرج عنهم عن وجوه فقدت ملامحها تحت وطأة الجوع، وعن أجساد تحولت إلى هياكل منهكة قبل أن تغادر أسوار السجن أو تفارق الحياة داخلها.
وتتهم منظمات حقوقية دولية وإقليمية إدارة السجن بممارسة أنماط متعددة من الانتهاكات، تشمل التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي. وتورد تقاريرها روايات عن الضرب المبرح والإهانات والإذلال والعقوبات التي تُفرض على من يجرؤ على الاحتجاج أو المطالبة بأبسط الحقوق. كما تتحدث عن وفيات متكررة داخل المعتقل نتيجة المرض أو سوء التغذية أو غياب الرعاية الطبية الكافية.
ولم تعد المخاوف مرتبطة بالمحتجزين وحدهم، فقد امتدت إلى عائلاتهم التي تعيش خارج الأسوار في انتظار أخبار قد لا تصل. فكثير من المعتقلين ظلوا لأشهر طويلة بعيدين عن أي إجراءات قانونية واضحة أو رقابة قضائية مستقلة، بينما تصف تقارير أممية ومنظمات حقوقية هذا النمط من الاحتجاز بأنه جزء من أزمة حماية واسعة يعيشها المدنيون في السودان منذ اندلاع الحرب.
تطاولت خطورة الاتهامات إلى حدٍ دفع حكومة بورتسودان نفسها، إلى مخاطبة مجلس الأمن الدولي مطالبة بتحقيق دولي عاجل في أوضاع السجن، وسط مزاعم بوقوع انتهاكات جسيمة ووفاة أعداد من المحتجزين.
في المقابل، نفت مليشيا الدعم السريع تلك الاتهامات بصورة قاطعة، ووصفتها بأنها ادعاءات سياسية لا تستند إلى وقائع، مؤكدة أن لجاناً شكلتها لم ترصد أي تجاوزات داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.
وبين روايات الضحايا ونفي الجهة المسيطرة، يبقى «دقريس» واحداً من أكثر المواقع غموضاً وإثارة للقلق في جغرافيا الحرب السودانية.
مكانٌ خرج من فكرة الإصلاح إلى فضاء الاتهام، ومن مؤسسة عقابية إلى رمز فادح لكل ما أنتجته الحرب من خوف وانتهاك وضياع للمصائر البشرية خلف الأسوار المغلقة.
onizar@hotmail.com
