بسم الله الرحمن الرحيم
من وحى الرقابة الضبطية على العلوم والتقانه:
دراسة مهداه إلى كل من يهمه رفاه هذا البلد ورفاه أهليه
قراءات خاتمة ومن أطراف متعددة
في البعدين المغيبين
في جدلية خصخصه الإمداد الكهربائي
5 من 5
بروفيسور د.د. محمد الرشيد قريش
مركز تطوير أنظمة الخبرة الذكية
لهندسة المياه والنقل والطاقة والتصنيع
دعوة لأعادة الدمج الرأسي التكاملي للأمداد الكهربائي
بعيدا عن الخصخصة
ولأعاده تعريف وتوسيع نطاق “رسالة” الأمداد الكهربائي
في ظل جهاز رقابه ضبطي قوي ومستقل
ومع توصيات محددة للأرتقاء بمرفق الكهرباء ،
استهلال:
بعد الفراغ من إعداد هذه الدراسة أفصحت الحكومة عن خطتها لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء ، وأوصت اللجان الخاصة المنبثقه عن مجلس الوزراء ووزارة الطاقة :
1) بإعادة هيكله الهيئة القومية للكهرباء وتحويلها إلى شركه قابضه وشركات تابعه تتمثل في:
أ- شركة للتوليد الحراري
ب- شركة للتوليد المائي.
ج- شركة لنقل الكهرباء.
د- شركة لتوزيع الكهرباء.
2) أن تكون شركة نقل الكهرباء مستقلة عن الشركة القابضة مستقبلاً لتمارس دورها السيادي في شراء وبيع الكهرباء.
3) أن تكون هذه الشركات المقترحة مملوكه لوزارة المالية.
4) أن بكون قطاع الكهرباء مفتوحاً للاستثمار المحلى والأجنبي ( أي للخصخصة
5) تعديل قانون الكهرباء لعام 2001 لتمكين الجهاز الفني من مراقبه هذه الشركات وحماية المستهلك وحصر دور الجهاز في وضع مواصفة الإمداد الكهربائي.
6) أن تحكم اتفاقيات شراء الطاقة العلاقة بين شركة النقل وشركتي التوليد والتوزيع.
إنشاء قطاع كهرباء بوزارة الطاقة ليضطلع بالدور السيادي ويقوم برسم السياسات العامة ووضع الخطط وإجراء الدراسات لإنشاء المحطات المائيه وتوفير الطاقة ومتابعه أداء شركات القطاع العام والخاص العاملة في الإمداد الكهربائي ( الرأي العام 31 ∕ 1 ∕ 2010 ).
فهـــــــــــرس
فهرس الدراسة الأصلية
الإهــــداء
مقدمـــــه
التخطيط المعرفي المطلوب لتناول قضيه هيكله الإمداد الكهربائي
التخطيط الإستراتيجي للمنشأت الإقتصاديه وحاكميه القيم المرجعية ( المذهبية ) فيها
التخطيط الإستراتيجي في محراب صناعه الكهرباء
.تصنيف المؤسسات وفق القيم المرجعية لها
نموذج السوق
◊ الخواص الإقتصاديه والإجتماعيه لصناعه الإمداد الكهربائي
◊ .البعد الإقتصادى للخصخصة
نموذج المصلحة العامة:
◊ الكهرباء كسلعه اجتماعيه
◊ ظاهرة فشل السوق
◊ التحديات المرتبطة بأهداف التخطيط الإستراتيجي للإمداد الكهربائي.
◊ الخصخصة ومقايضة الأصول بالدخول
تجارب الدول مع خصخصة الإمداد الكهربائي
تصنيف المؤسسات وفق التقنية التي تتبناها.
◊ الخواص التقنية لصناعة الكهرباء – الدور الغائب في جدلية خصخصتها.
◊ خصخصة الإمداد الكهربائي بين رحى ضبابية بيئة التخطيط والتشغيل والتعقيد التقني.
◊ التعقيد التقني كعائق أمام شركات التوزيع المخصصة.
تعقيدات التصنيع المحلى للمهمات الكهربائيه والمائية ومكونات محطات التوليد والشبكات
قراءه فاحصه لمقترحات الحكومة لإعادة هيكله الهيئة القومية للكهرباء.
نظره فاحصه للتجربة الغربية في تفكيك السيطرة المركزية وإنهاء التخطيط المركزي للإمداد الكهربائي
◊ القضايا الشائكة الناشئة عن كسر الدمج الرأسي للإمداد الكهربائي:
تفكيك السيطرة المركزية.
الحاجة لاستخدام الطرق الاحتمالية.
قضية وثوقية ( إعتمادية ) النظام.
الشكوك المرتبطة بحريه الوصول لمرفق النقل.
بيئة المنافسة الجديدة.
موجز : SYNOPSES
“إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ” (الملك 26)
بعد التراجع عن خصخصة سودانير ، كما كنا قد دعونا الي ذلك ،
“ملتقي الكهرباء”يريد خصخصة الكهرباء !
والحكومة تبدئ استعدادها للخروج من قطاع الكهرباء لصالح شركات القطاع الخاص بشرط” (صحيفة أخر لحظة)
لكن “الأصول السيادية ” لشركات الأمداد الكهربائي
لاينبغى أن تدفع في مقابل” الدخل”
و”من الأشياء مالا يوهب “( المتنبي):
لذا هم هنا مدعون لتأمل ما عرف “بغرم الأيلولة” :
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ “( الاعراف 176)
“وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
َكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ” “فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا”(الأنبياء 78-79)
لقد حكم النبي داوود ( عليه السلام ) بدفع الغنم لصاحب الحرث ( الزرع ) عوضاً له عما فقده من حرثه الذي أكتله غنم غريمه،
لكن سليمان الحكيم – وبإلهام من الله سبحانه وتعالى رأي – وهو ابن أحد عشر عاماً حكم بأن:
“الأصول ” Assets) — وهى هنا الغنم ) لاينبغى أن تدفع في مقابل” الدخل” ( Income وهو هنا الزرع ):
أ- وإنما الذي ينبغي أن يدفع لصاحب الحرث هو لبن تلك الأغنام ( لأنه – كما الزرع– هو أيضاً “دخل” ) ! أي أن تدفع “الغنم” مؤقتاً لمدة عام لصاحب الحرث لينتفع بألبانها.
ب- وأن تدفع “الأرض” مؤقتاً لصاحب الغنم، ليقوم عليها طوال ذلك العام، حتى تعود لحالها الأول من الاخضرار.
وهم مدعون أيضا لتدبرأيتي الأنفال والفيء :
“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاْءَنْفَالِ قُلِ الاْءَنْفَالُ للّه وَالرَّسُولِ”(الأنفال 1)
“مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ “ (الحشر7)
والأنفال هي ما زاد عن الأصل ، لأنها هبة من اللّه تعالى على “أصل” ما يتملكه الإنسان بكدّه وسعيه، وتشمل الموارد الطبيعية
و”الفيء” ، وهو “ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب “، أي ما لم يبذل في تحصيله أي جهد ليعود لبيت المال لينفق منه علي مصالح المسلمين ،
اذن ، فالأيتان ترسيان تشريعا اقتصاديا واجتماعيا وعدليا يضع الموارد “من الفيء أي -الأنفال—أو ما يطلق عليه اليوم ب ” وسائل الأنتاج”، في يد الحاكم (أي الدولة) ليصرف منه “لإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال”،”كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ “ (الحشر7)
تجارب الدول المتقدمة صناعيا مع خصخصة الإمداد الكهربائي:
“لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب” (يوسف 111)
1. فرضت الحكومة الفرنسية عام 2006 شروطاً صارمة على أحد عشر من الصناعات المفصلية وذلك لتقييد تملك الشركات الأجنبية لها.:
◊ كانت الدولة متمثلة في (Electricite de France–EDF) تسيطر على % 85 من التوليد و % 100 من النقل للكهرباء و%96 من توزيعها ، وانتهت الدولة الفرنسية إلى إبقاء الأصول Assets) ) في يد الحكومة مع السماح بخصخصة التشغيل فقط (Operation ).
◊ وعندما قامت شركة الكهرباء الإيطالية ( ENEL ) بمحاولة تملك شركة الطاقة الفرنسية الكبرى ( SUEZ ) ، قطعت الحكومة الفرنسية الطريق على تمرير الصفقة بدمج شركة الطاقة مع شركة الغاز.
2. منعت حكومة أسبانيا تملك شركة الطاقة الألمانية (ENDESA F.One) لشركة الكهرباء الأسبانية
3. شهدت المملكة المتحدة حمله ضخمه مشهورة حمل لواءها المؤتمر النقابي الإنجليزي لمقاومة بيع شركة ليلاند ( BLMC Leyland ) وإبقاءها بريطانية. وقد تراجعت بريطانيا عن الكثير من مشاريع االخصخصه فيها، لكن بعد إهدار الكثير من الموارد النادرة، وفي بلد — ليس كبريطانيا – لن يتمكن اقتصاده من أن يمتص مثل هذا الهدر للموارد الشحيحة !.
قامت بريطانيا بخصخصة السكة الحديد عام 1993—وهي مثل صناعة الكهرباء–مؤسسة “ممتدة الترابط التقني المخصخصه لكنها بعد الخصخصة أسوا حالاً من المؤسسات العامة حينما اصطدمت بظاهرة فشل السوق ( Market Failure ) مما دفع الحكومة البرطانيه لاستعاده ملكيه خطوط السكك الحديدية
، وكما حدث في حاله خصخصة الاتصالات في المكسيك ، وكلا المرفقين يتمتعان بخاصية الاحتكارية الطبيعية، كما حال مرفق الإمداد الكهربائي.
4. ظلت الولايات المتحدة لعشرات السنين لا تسمح للشركات الأجنبية بتملك أسهم في شركات طيرانها أكثر من % 25 ، ينما ظلت الدول الأوربية طوال هذا الزمن لا تسمح بتملك أكثر من % 49 من رأس المال في شركات الطيران الخاصة بها
في ولاية كاليفورنيا ، قادت الخصخصة لأزمة طاقه حادة بسبب قيام تلك الشركات بأبشع استغلال لقوانين وأجواء تحرير الطاقة وذلك من خلال ما سمى “بالتلاعب بالأسواق ( Gaming the Market ) والذي اتخذ شكلين من الممارسات غير المشروعة هما:
§ “موازنة الأسعار” و ” غسيل الميقاواطس (بإخفاء مصدر الطاقة التي يبيعونها، وادعاء أنها كلها مستوردة، وذلك لجنى فروقات الأسعار بين المولد منها محلياً والمستورد.و بإيقاف محطات توليد الطاقة في أوقات الذروة بدعوى الصيانة وهم في حقيقة الأمر ينشدون التلاعب بالعرض والطلب في أسواق الطاقة الكهربائيه)
§ الجدولة المفرطة والمفتعلة لخطوط النقل لخلق “قصور مفتعل” في طاقات النقل يمكنهما من جنى رسوم احتقان ( Congestion Fees ) من الحكومة)
§ كانت نتيجة ” لعبة السوق” هذه هي انقطاع التيار و ارتفاع مفرط في أسعار الطاقة وتقلب أسعار الجملة بصوره واسعة وتقويض وثتوقيه ( إعتماديه Reliability ) إمدادات الكهرباء وسط المستهلكين (– وبالمقابل – أعلنت شركة ” انرون إفلاسها، ” فكما تزرع تحصد
5. الأقتصادى الأمريكي الأشهر ( والحائز على جائزة نوبل ) ميلتون فريدمان (Friedman) – وليس هناك من يستطيع أن يزايد على من هو أحد غلاة المحافظين ودعاة إقصاء الدولة عن كل نشاط إقتصادى حين يقول: ” إذا كانت السلعة ضرورية ( كما في حال الكهرباء والمياه )، والقوى الأحتكاريه (الطبيعيه ) ذات حجم كبير، فأن بسط الملكية العامة أو الرقابة الضبطية (Regulation) من قبل الدولة، قد يكون أقل الشرور، وهو ما يطلق علية في الأسلام”فقه الموازنات” أي أن يرتكب أخف الضررين ،أو تحمل الضررالأخف لدفع الضرر الأشد ، وفق القاعدة الفقهية : الضرورت تبيح ىالمحظورات
بينما دعا اخرون الي دمج شركات الكهرباء
أما نحن فنجدد الدعوة لأعادة دمجها الرأسي التكاملي:
“أتبع الدلو الرشاء”
و قد جاء في رسالة عمر(رض)لأبي موسي الأشعري حين ولاه أمر الكوفة:
“لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع عنه إلى الحق، فأن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل “.
كما ندعو لأعاده تعريف وتوسيع نطاق “رسالة” الأمداد الكهربائي
في ظل جهاز رقابه ضبطي قوي ومستقل
ومع توصيات محددة للأرتقاء بمرفق الكهرباء ،
تجارب الدول الصناعية مع تفكيك الدمج الرأسي للإمداد الكهربائي:
” إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد“
(ق 37)
1. نأت الدول الأسكندنافية (السويد والنرويج وفنلندا) بنفسها عن سعار كسر الدمج الرأسي التكاملي للطاقة الذي طال بعضا من الدول الغربية : لماذا؟ لأنها أدركت أن الأمداد الكهربائي يعتبر –في تصنيف المؤسسات وفق التقنية التي تتبناها—من المؤسسات “ممتدة الترابط التقني ( Long-Linked Technology ، أي أنها تنطوي على “حلقات متصلة” من الاعتماد المتبادل ( Serial Interdependence ) والمتكامل مع بعضه البعض، (كما في حاله النظام الصناعي لتجميع العربات — والمسمى بنظام ديترويت –، وكما فى مرفق السكة حديد، والطيران وصناعه الكهرباء ).، ويحكمها ما يسمى ” كلفة (ثمار) شوارتز لفك الارتباط” ( Schwartz De–Coupling Effect )، بحيث لايمكن اختيار تقنيه الأقطاب المرتبطة ببعضها البعض ، مثل “التوأم السيامى” ، ( “كالسيارة وخط التجميع”(Assembly Line)، “والطائرة والمطار”، و”القاطرة والسكه الحديد” التي تجري عليها، و”التوليد الكهربائي وخطوط النقل” التي تنقله الخ …) بمنأى عن بعضها البعض إلا بكلفه باهظة، كما انك لا تستطيع فصم عري هذه الرابطة “السيامية” العضوية في إطار التنظيم الصناعي إلا ولاحقتك لعنة هذه التجزئة ! فمثلا مؤسسات الإمداد الكهربائي لا تسمح بجني كلفة ( ثمار) شوارتز لفك الارتباط فيها بفصل “الرابطة السيامية” بين منظومة التوليد ومنظومة النقل، وذلك لأن منظومة نقل الإمدادات الكهربائية الكفئة يجب أن تصمم وتشاد بصورة دقيقة وفق الطاقة المولدة، ولهذا يطلق على قطبي التوليد والنقل ” منظومة التوليد والنقل المركبة”(The Composite Generation-Transmission System).
2. ورغم أن بريطانيا أنهت التخطيط المركزي لقطاع الكهرباء ، الا أنها فرضت عليه رقابة ضبطية صارمة من خلال ” مكتب أسواق الغاز والكهرباء” (OFGEM)، لحماية المستهلك وللتأكد من أن الشركات تعمل بكفاءة وفاعليه،
ولكن”ألا ما أكثر العِبر وأقل الاعتبار” ، كما قال علي بن أبي طالب (رض)
“فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ” (غافر44)
*************************************
قراءة خاتمة وتوصيات من الكاتب ،
مشفوعة بقراءات وافية من خبراء أخرين
مما تعلماه ونحن في أول سلم الكتابة العلمية — كمنهاج مفيد ،نهديه هنا لمن يمرون بهذه المرحلة الأن –أن تقول في مقدمة مقالك ما انت بصدد أن تقوله وان تقول في متن المقالة ما تريد أن تقوله وأسانيده ، وفي الخاتمة تقول أنك قلت ما قلت انك ستقوله ! والنصح افصح بلغة أهله (Say what you intend to say,
say it, and say you said it!) :
اذن هدفنا هنا في خاتمة هذه الدراسة “أن نقول أننا قلنا ما قلنا أننا سنقوله” ، من خلال تسليط الضوء علي أهم القضايا التي تناولتها الدراسة الأصلية (ذات الأربعة حلقات والمنشورة قبل خمس سنين بعنوان ” (قراءة في) البعدين التقني والسيادي المغيبين في جدلية خصخصه الإمداد الكهربائي”) ، وذلك علي شكل نقاط قد تساعد من لم يطلع علي تلك الدراسة بالرجوع اليها ، أو يكتفي بملخصها هنا، وقد تناولت تلك الدراسة أربع قضايا اساسية:
خصخصة الأمداد الكهربائي (وبالمقابل خصخة سودانيير بجامع تشابه الحالتين)
مخاطر كسر الدمج الرأسئ التكاملي للأمداد الكهربائي
اعاده تعريف وتوسيع نطاق “رسالة” مؤسسات الأمداد الكهربائي
خلق جهاز رقابه ضبطي قوي ومستقل
في كلا الأحوال تمثل هذه الدراسة –حسب علم الكاتب— المعالجة العلمية الوحيدة ا المتوفرة حاليا التي تناولت بالتحليل العلمي أيا من تلك القضايا ، مثلها في ذلك مثل دراسة هذا الكاتب حول “جدلية الهوية النيلية للسودان وأبعادها السياسية والفنية والقانونية” ، والتي كانت أول دراسة علمية تحدد اسهام السودان في مياه النيل المقدر ب 25 مليار م3 ، حتي بعد فصل الجنوب، والتي هدمت الكثير من المفاهيم الرائجة والمغلوطة عن ذلك الأسهام المفترض غيابه! ، وقد تزامن نشرها اسفيريا مع دراسة “جدلية خصخصة الأمداد الكهربائي” ، بحيث تصدق عليهما معا اشارة عبد الرحمن بن خلدون عن دراسته الرائدة لظواهر الأجتماع البشري حين قال :” اعلم ان الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة ، أعثر عليه البحث وأدي اليه الغوص”!
وهذه الدراسة هي جزء من بناء فكري عريض للكاتب ىتصدي لقضايا هذا البلد العصية منها والملحة والمستجدة بهدف تقديم الحلول للمشاكل التنموية المختلفة
وفي ظل الاستقطاب الأيدلوجي الحاد حول جدلية الخصخصة تمثل هذه الدراسة حوارا هادئا يهدف للوصول بالقارئ إلى حكم موضوعي، خال من الانجراف وراء العواطف الإيدلوجيه، و مقاربة علميه للأمر، نستدعى فيها للشهادة غير المجروحة، حقائق البعد التقني والسيادي، مما لا نحسب أن “ينتطح فيها عنزان” !
أما قضية إعادة هيكلة الإمداد الكهربائي (او هيكلة وزارة الموارد المائية أو هيئة الطيران المدني الخ.) فتندرج في التناول الأكاديمي تحت المجال المعرفي الذي يطلق عليه ” التنظيم الصناعي ( Industrial Organization “: وهو علم مؤسس وراسخ يوظف ماله من رصيد وافر من التنظير والخبرات في البحث عن أمثل الهياكل التنظيمية للمؤسسات، وينقب في مسائل السياسات الإقتصاديه والتقنية المتصلة بالصناعات وأسواقها، ليقدم أجوبه علميه مثلي لتلك القضايا ، فينبغي اذا الرجوع فيها الي ذلك التخصيص المعرفي ، اقتداءا بالحديث الشريف ” استعينوا في الصناعة بأهلها” ، “و الخيل أعلم بفرسانها” كما يقول المثل العربي المشهور
وهناك هرما منطقيا للتخطيط الإستراتيجي للمنشئات الإقتصاديه ينطوي على عملية منهجيه و نهايات إقتصاديه مبتغاة للإمداد الكهربائي(كخفض تقليل السعر الإجمالي الكلى مع تحقيق توازن متزامن بين ثلالثة عناصر :كفاءة الأداء و درجة المخاطر وتحقيق العدالة الإجتماعيه ) وهي مقاصد قد لا يختلف حولها دعاة الخصخصة (دعاة “نموذج السوق”) وخصومها (دعاة “نموذج المصلحة العامة )، لكن الخلاف ينطلق من حاكمية القيم المرجعية ( المذهبية ) في أعلى هرم التخطيط، التي يتبناها الطرفان، إذ أنها هي التي تحكم ما يليها من غايات وأهداف، وهى التي تحدد الأوزان التي يسبغها كل طرف على أيا من تلك العناصر الثلاث،
وهناك تناظر وظيفي في الخواص الإقتصاديه والإجتماعيه لصناعه الإمداد الكهربائي – مقارنة بصناعه الطيران( والتي تشمل مثلا طبيعة المنتج ،الطلب المشتق ، حجم الاستثمارالمطلوب ، العوامل المؤثرة على المنتج ، اقتصاديات الحجم الكبير، معايير الأداء و خاصية الاحتكار الطبيعي) ، وهذا يجعل أغلب دواعي ابقاء الناقل الوطني بعيدا عن الخصخصة تصدق علي الأمداد الكهربائي والعكس صحيح
دفوعات دعاة الخصخصة ” يحركها أساساً”نموذج السوق” المغلق والمعزول عن التأثير السياسي وهو فكر إقتصادى أيدلوجي لا يرضى بأقل من خروج الدولة التام من النشاط الإقتصادى دون أن يفسح منتسبوه مكانا في فؤادهم لمسوغات إدارة الدولة للمؤسسات،
النموذج الأخر ، “نموذج المصلحة العامة”—في المقابل– يمثل منظومة مفتوحة” ، وذات أهداف أوسع ( تطال مثلاً حتى العمالة )، لكن هذه الأهداف غير دقيقه التحديد كما أن موارد تمويلها تتشابك عادة مع ميزانية الدولة، وهى مثلها في ذلك مثل الدولة – تقبل بالخسارة المالية لأسباب اجتماعيه
وتشكل بنيويه صناعه الكهرباء في حد ذاتها أكبر المسوغات الإقتصاديه والإجتماعيه لتدخل الدولة في هذه الصناعة ويتمثل ذلك في خمس أمور:
الكهرباء كسلعه اجتماعيه ،
ظاهرة فشل السوق،
التحديات المرتبطة بأهداف التخطيط الإستراتيجي للإمداد الكهربائي ،
خطل مقايضة “الأصول السيادية” “بالدخول” (وهي قضية أفتي فيها سيدنا سليمان الحكيم في قضية غرم الأيلولة المذكورة في القران الكريم والمشار اليها عاليه )
“كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ” (البقرة 167)
تجارب غالب الدول المتفدمة صناعيا (فرنسا، المملكة المتحدة والولا يات المتحدة مثلا) مع خصخصة الإمداد الكهربائي توضح أنها تحرص على فرض “سقف مساهمه أعلى” للأجانب في ملكيه مرافقها وصناعاتها ألإستراتيجيه – هذا أن سمحت أصلاً بمثل هذا التملك كما أن بعضها (فرنسا واسبانيا مثلا ) تقيد خصخصة الإمداد الكهربائي
في الدول والولايات التي سمحت بخصخصة الإمداد الكهربائي (ولاية كاليفورنيا مثلا ) قادت الخصخصة فيها لازمة طاقه حادة بسبب قيام تلك الشركات بأبشع استغلال لقوانين وأجواء تحرير الطاقة وذلك من خلال ما سمى “بالتلاعب بالأسواق” والذي اتخذ شكلين من الممارسات غير المشروعة هما:”موازنة الأسعار” و ” غسيل الميقاواطس ” و”الجدولة المفرطة والمفتعلة لخطوط النقل ” و كانت نتيجة ” لعبة السوق” هذه هي انقطاع التيار عن أجزاء كبيرة من ولاية كاليفورنيا ولفترات طويلة، وصاحب ذلك الانقطاع ارتفاع مفرط في أسعار الطاقة وتقلب أسعار الجملة بصوره واسعة وتقويض وثتوقيه إمدادات الكهرباء وسط المستهلكين – وبالمقابل – أعلنت شركة ” انرون إفلاسها، ” فكما تزرع تحصد ” !
العبرة المستقاة من هذه التجارب هي أن الإمداد الكهربائي – كسلعه غير مرئية ولايمكن تخزينها، فرص التلاعب فيه غير محدودة في ظل الخصخصة، و”مالا يصلح، تركة أصلح ” وفق الحكمة العربية الخالدة.
” أمن الشر خياراً ” ؟
هو تساؤل عربي قديم لم ينظر طويلاً قبل أن تأتى إجابته من شاعر إنجلتري المشهور “تشو سر” (Chaucer ): أجل: “أختر أهون الشرين”،
“وكذلك بعض الشر أهون من بعض”، وهذا بالتحديد ما أقدم عليه الأقتصادى الأمريكي الأشهر ( والحائز على جائزة نوبل ) ميلتون فريدمان ( Milton Friedman ) وليس هناك من يستطيع أن يزايد على من هو أحد غلاة المحافظين ودعاة إقصاء الدولة عن كل نشاط إقتصادى حين يقول: ” إذا كانت السلعة ضرورية ( كما في حال الكهرباء والمياه )، والقوى الأحتكاريه (الطبيعيه ) ذات حجم كبير، فأن بسط الملكية العامة أو الرقابة الضبطية ( Regulation ) من قبل الدولة، قد يكون أقل الشرور”! ، أو كما قال الكميت بن زيد الأسدى” إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً: فما حيله المضطر إلا ركوبها “!
تصنيف المؤسسات وفق “التقنية” التي تتبناها:
مثل هذا التصنيف يمكننا من كشف الخواص التقنية للإمداد الكهربائي وبالتالي استدعاء “البعد التقني الغائب” في جدلية خصخصته والتعقيدات التقنية التي ينطوي عليها تخطيط وتشغيل مرفق الكهرباء
وهنا يمكن تميز ثلاثة أنواع من المؤسسات:
المؤسسات التي تعتمد اصطفاف مجموعه متمايزة من التقنيات عالية الكثافة التكنولوجية
و المؤسسات التي تتسم بتقنيه وسائطيه
و المؤسسات “ممتدة الترابط التقني”—وهذه الأخيرة تنطوي على “حلقات متصلة” من الاعتماد المتبادل ( Serial Interdependence ) والمتكامل مع بعضه البعض، (كما في حاله النظام الصناعي لتجميع العربات — والمسمى ب “نظام ديترويت” — واليه ينتمي مرفق السكة حديد، والطيران وصناعه الكهرباء.
المؤسسات “ممتدة الترابط التقني – كمؤسسات الكهرباء–يحكمها ما يسمى ” كلفة (ثمار) شوارتز لفك الارتباط” ( Schwartz De–Coupling Effect )، بحيث لايمكن اختيار تقنيه الأقطاب المرتبطة ببعضها البعض ،مثل “التوأم السيامى” ، ( “كالسيارة وخط التجميع”(Assembly Line)، “والطائرة والمطار”، و”القاطرة والسكه الحديد” التي تجري عليها، و”التوليد الكهربائي وخطوط النقل” التي تنقله الخ …) لايمكن اختيار تقنيتها بمنأى عن بعضها البعض إلا بكلفه باهظة، كما انك لا تستطيع فصم عري هذه الرابطة “السيامية” العضوية في إطار التنظيم الصناعي إلا ولاحقتك لعنة هذه التجزئة ! –بمعني أن مؤسسات الإمداد الكهربائي لا تسمح بجني كلفة ( ثمار) شوارتز لفك الارتباط فيها, (Schwartz’s Decoupling Effects) بفصل “الرابطة السيامية” بين منظومة التوليد ومنظومة النقل، وذلك لأن منظومة نقل الإمدادات الكهربائية الكفئة يجب أن تصمم وتشاد بصورة دقيقة وفق الطاقة المولدة، ولهذا يطلق على قطبي التوليد والنقل ” منظومة التوليد والنقل المركبة”(The Composite Generation-Transmission System
منظومة الإمداد الكهربائي—كما هو معروف– تتكون من ثلاث عناصر لكن يبدو أن منطق” الزوجيه الوظيفية”، كسنة للكون يسود هنا ، فهذه المنظومة — من منطلق تقنى و في إطار التنظيم الصناعي وفق ما تقدم — تنقسم إلى قطبين اثنين : قطب تخليق ( توليد ) الطاقة ( Power Generation وقطب توزيع الطاقة ( Distribution و ( Power
“الزوحيه الوظيفية” سنة سماوية وأرضية:
الزوحيه الوظيفية” هنا تتمثل في أن أحد القطبين أعلاه (وهو التوليد ) ينطوي على مهام عالية الجهد ( مثلاً درجه عالية من الميكنة واحتياجات لقوى عامله عالية التأهيل ومتجانسة لكنها محدودة العدد ) لكن هذا الجهد موقوت ومحدود زمنياً (One-shot – كما في حالة الجهد المبذول في الإقلاع والهبوط الجوى )، مما يوفر” استراحة محارب” بين مهمة وأخرى، بينما ينطوي القطب الأخر ( التوزيع ) على مهام متدنية الجهد ( مثلاً درجه منخفضة من الميكنة واحتياجات لقوى عامله أقل تأهيلاً لكنها أكثر عدداً )، لكن هذا الجهد متواصل لازمان أطول ( كما في الجهد المبذول في التطواف Cruise عند الطيران ): اذا — ووفق هذا المنظور — يمكن القول بأن أداء مؤسسات الكهرباء وبالتالي قضية الخصخصة – تعتمد لحد بعيد على عنصرين:
تقنية التوليد – حرارية أم مائية ،
و التنظيم الصناعي – أي انضواء التوليد ( و توامه السيامي : “النقل” ) من جانب ، والتوزيع –من الجانب الأخر–في منظومة واحدة (أو أكثر) لتكاملهما(أي تكامل النقيضين)
فقطب “التوليد” يتسم بكثافة ومحورية منشط البناء والتشييد (Construction-Intensive), وهو قطب لا يسمح بإعادة جدولة أيا من مهام الصيانة والتشغيل (O & M ) بإحلالهما مكان البناء والتشييد ، كما هو محكوم بنافذة زمنية ومكانية ضيقة، لذلك فإن هذا القطب “غير قابل للقسمة” تقنيا، مثله في ذلك مثل بقية السلع العامة (Public Goods )
وفي مقابل ذلك ، يتسم قطب “التوزيع” بكثافة العمليات والإدارة والتشغيل ((Operation-Intensive ، حيث تطغى فيه عمليات البيع ، مع عمليات هندسية أدنى. وبما أن مهام التشييد هنا قصيرة المدى الزمني ، فإنها أكثر قابلية للقسمة (More Divisible )، مما يسمح بنشرها على مساحات زمنية ومكانية أوسع، كما أنه يمكن إعادة جدولة كلا من الصيانة والتشغيل (O & M) و إحلالهما محل التشييد، لسعة المساحة الزمنية والمكانية المتاحة، مما يجعل قطب التوزيع أكثر مدعاة للقسمة التقنية مثله في ذلك مثل السلع الخاصة (Private Goods ) .
ورغم أن قطب التوزيع يشكل عادة %50-35 من استثمارات الإمداد الكهربائي إلا أن ما يحدد أسعار الكهرباء للمستهلك– لحد بعيد — ليس هو “حجم الاستثمارات”في شبكة التوزيع بل “كلفة” ذلك التوزيع، فان ارتفعت كلفة التوزيع، مثلا بسبب عدم كفاءة شركات التوزيع المخصخصه، فان ثمن عدم هذه الكفاءة سيدفعها المستهلك- كما هو الحال في السودان الأن!
من جانب آخر فان استثمارات الدولة في “منظومة التوليد والنقل المركبة”، وتحقيق الاستقرار الأدائي للتيار الكهربائي ولمنشط الكهرباء بمجمله وتحقيق السلامة ورضا الجمهور كل ذلك يعتمد على حسن أداء شركات التوزيع وعلى دقة المعلومات التي توفرها هذه الشركات
دمج الهيئة القومية للكهرباء أو الإبقاء على شركات” الكهرباء”(وزير الموارد المائية والكهرباء في حديث تلفزيوني)
أحد الخيارات البديلة لمقترحات الحكومة، هي تولى الدولة “لمنظومة التوليد والنقل المركبة”، مع دفع مسئولية “التوزيع” للقطاع الخاص، لكن مثل هذا الترتيب يحمل في طياته مخاطر الاختلال Imbalance)) بين برامج “التوسع” و”لنمو” في منشئات التوليد والنقل،من جانب الدولة ، وبرامج القطاع الخاص للتوسع في شبكة التوزيع من جانب أخر، فقد يحدث — مثلاً – إفراط الدولة في “التوليد”الكهربائي بالتزامن مع ضمور في شبكات التوزيع المخصصة على المستوى المحلى
ورغم أن قرار الخصخصة وأداء شركات الكهرباء يعتمد لحد بعيد — بجانب “التنظيم الصناعي” المتبع — مدمج رأسياً أم غير مدمج — يعتمد على “تقنية التوليد المختارة” (حرارية منها أم مائية) : لكن اثر تقنيتي التوليد على فرص خصخصة الإمداد الكهربائي يتفاوت بصورة كبيرة ، فمثلا:
لا يسمح التوليد الحراري (Thermal Power Generation) بفصل “منظومة التوليد والنقل المركبة” عن منشط “التوزيع”، إلا بكلفه عالية كما رأينا، وذلك بسبب ” التجعد الكتلى” المؤسسي للتوليد Institutional Lumpiness) )، فالتوليد الحراري – إذن– يدفع في اتجاه “التكامل الرأسي” Vertical Integration) ) لمؤسسة الكهرباء.
◊ ورغم أن التوليد الحراري ليس له قابلية “للتجزئة الوظيفية” ( (Functional Divisibility ، إلا انه قابل “للتجزئة المالية” ( Financial Divisibility ) وهو أمر مرحب به في الدول النامية ذات الموارد المحدودة.
◊ غير أن التوليد الحراري لا يوفر “منطقه عازله” بين ” التوليد” و “التوزيع”، بسبب قصر خطوط نقل الطاقة فيه، وبالتالي ليس هناك حدود صارمة بين التوليد والتوزيع.
التوليد المائي (Hydroelectric Power Generation) –بالمقابل — يعود جل نفعه للمجتمع عامه، بدلاً عن الشركات المخصخصه.
◊ وله قابليه أكبر “للتجزئة الجغرافية” ( Geographic Divisibility ).عن غريمه التوليد الحراري
◊ و قابلية أكبر “للتجزئة الوظيفية” ( Functional Divisibility )
◊ هذا يعنى أن التوليد المائي يسمح بفصل “التوليد” ( أو “منظومة التوليد النقل المركبة”) عن “التوزيع” ، بحيث يمكن التفريق بين القطاع العام والقطاع الخاص، أي أن التوليد المائي قابل “للخصخصة”، ليس فقط في” التوزيع”، بل – وعلى عكس التوليد الحراري – أيضاً في”التوليد”، وذلك من خلال سماحه بإقامة منطقة عازله ( !”No-Fly–Zone” ) تتمثل في خطوط النقل الطويلة التي تفصل بين “التوليد” و” التوزيع”، وهذا –بدوره– يسمح بتعايش مؤسسات متنافرة ( عامه أو خاصة ) تعمل معاً على توفير الإمداد الكهربائي، بل – وأهم من هذا- رغم أن وجود مؤسسه عامه واحده هو أكثر كفاءة وأقل كلفه، إلا أن “التعايش السلمي” بين الشركات العامة والخاصة في ظل التوليد الكهربائي المائي ، يسمح لهم بتطوير مشاريع هايدروكهربائيه متعددة وعلى نهج تدريجي (“Staged” or “Piecemeal” Development )، مما ييسر لهم الحصول على رأس المال والقوى المؤهلة أكثر مما تقدر عليه البرامج المدمجة رأسياً في ظل التوليد المائي الاحتكاري للقطاع العام.
لكن، –في المقابل – يتسم أفق التخطيط و بيئة التشغيل — في جانبي العرض والطلب علي الإمداد الكهربائي– بالضبابية وغياب اليقين (Uncertainties) اللذان يسمان جّل جوانبهما ، وتقف الضبابية في بيئة التوليد والتوزيع في مغايرة صارخة مع بيئة النقل (Power Transmission) الساكنة نسبياً، رغم أن الأخيرة عادة هي الأكثر مسئوليه عن قطوعات التيار الشاملة في الدول النامية. الإ إن هذه الضبابية في بيئة التوليد والتوزيع يغفل أمرها عاده الكثيرون من دعاة خصخصة الإمداد الكهربائي وهي ظاهره تتمثل أساساً في خمس عناصر هي:-
السمة العشوائية في نظام التوليد الكهربائي (Stochastic Supply
السمة العشوائية في نظام التوزيع (Stochastic Demand )
المخاطر التقنية في “نظام التوليد
المخاطر التقنية في “نظام التوزيع”
مهددات استقرار التيار (Power System Vulnerabilities) والتي تتمثل في عنصرين:
◊ نقاط الضعف ومخاطر الإعطاب لمكونات نظام الطاقة الكهربائية كقابلية التوليد والنقل والتوزيع للإعطاب (مثل:قابلية عناصر الضبط والاتصال للإعطاب والأخطاء البشرية):.
◊ نقاط الضعف ومهددات الإعطاب الدينامكية الداخلية لنظام الكهرباء بمجمله
في ظل عدم نجاعة فصل “التوليد” عن “النقل”، إلا في حالة التوليد المائي، وأن المنشط الوحيد المفتوح أمام الخصخصة الراشدة للإمداد الكهربائي في التوليد الحراري هو خصخصة التوزيع وحتى هنا إن ضبابية بيئة التخطيط والتشغيل تمثل احدي طرفي الرحى التي تعيق تخطيط مرفق التوزيع. ستجد شركات التوزيع المخصصة نفسها بين سندان هذه الضبابية ومطرقة التعقيد التقني
ضراوة “مطرقة التعقيد التقني” هذه علي شركات الإمداد الكهربائي المخصصة عامه، وعلي شركات التوزيع منها خاصة يتمثل في أن إدارات الإمداد الكهربائي الخاصة سيكون عليها دوماً وبصوره مستمرة – تقصي ورصد — ومن ثم الاستجابة– لأهداف متعددة ودوماً متحركة، وهو تحدي يمكن إجماله في ست “حزم تقنية” من الصعاب التي ستكون علي القطاع الخاص مواجهتها:
متابعة الطلب علي الكهرباء مع مضاهاة تناغم العرض ( التوليد ) مع الطلب ومع أحمال الذروة،
توفير الضبط الدائم لنظام تشغيل ديناميكي
تعقيدات رحله العودة بالأوضاع إلي سابق حالها
ضبط الجودة
تصميم وتطور استراتجيات دقيقة وفعاله لمقابله تحديات هذا التعقيد التقني في التخطيط والتشغيل
تعقيدات التصنع المحلي للمهمات الكهربائية والمائية ومكونات محطات التوليد والشبكات — وهل يستطيع القطاع الخاص التعامل معها ؟
تصنيع المهمات الكهربائية والمائية ومكونات محطات التوليد والشبكات هو هدف في صلب أوليات صناعة الكهرباء في أي مكان
المشكلة هنا هي: إن القطاع العام نفسه – ناهيك عن الشركات المخصصة – لا يبدو أن لأي منهم إستراتيجية فعاله ( تبدأ بتبني سياسة إحلال الواردات وصولاً لسياسة الترويج للتصدير )، وذلك لتحقيق قدرات التصنع المحلي لتلك المهمات، وإن بناء قدرات تصنيع المهمات الكهربائيه ( والمائية )، ومكونات محطات التوليد والشبكات تتطلب “التكامل” مع القطاع الصناعي (والزراعي- المائي) وهو أمر غير موجود حالياً ، ولهذا الكاتب دراسة كاملة عن “إنشاء شراكة ذكية بين الهيئة القومية للكهرباء وبين مرافق الصناعة والزراعة والمياه” ، تتمثل في إنشاء المجمعات الزراعية الصناعية ((Agro-Industrial Complexes، وفي التعاون المتأذر في تحديد مواقع المرافق (Synergistic co-siting of Industrial Facilities)، وفي تصنيع المهمات الكهربائية والمائية، وفي إنشاء المحطات الكهربائية ذات الأغراض المزدوجة (Dual Purpose Plants) ومحطات الوليد المشترك (Co-Generation Plants) الخ
كل هذا يجعل إمكانية نجاح أي “تخصيص” لمرافق الإمداد الكهربائي، بل وحتى مرفق التوزيع وحده. سيكون في أحسن حالاته غاية في الصعوبة، إن لم يكن محكوماً عليه بالإخفاق التام ومن ثم التراجع عنه كما فعلت بريطانيا في الكثير من مشاريع االخصخصه فيها، لكن بعد إهدار الكثير من الموارد النادرة، وفي بلد — ليس كبريطانيا – لن يتمكن اقتصاده من أن يمتص مثل هذا الهدر للموارد الشحيحة !.
والمتمعن في المقترح الأصلي المقدم من قبل الحكومة لأعاده هيكله الإمداد الكهربائي، يلحظ أن المقترح نحا نحو مزج” نموذج السوق” مع “نموذج المصلحة العامة”، فمثلاً ينطوي مقترح الحكومة علي:
تجزئه نطاق عمل الهيئة للكهرباء بفصل خدمات الإمداد الكهربائي للأقاليم عن تلك الخاصة بالمركز
تجزئه مهام الاداره في الهيئة بفصل الدور السيادي (Function Sovereignty)، ورسم السياسات العامة (Policy-Making) عن عمليه الإمداد (Service Provisioning)،
تجزئيه السياسات:.
تجزئيه الدور السيادي مستقبلاً بين قطاع الكهرباء المقترح إنشاءه في وزارة الطاقة، وبين شركه النقل المستقلة
تجزئة عمليه الإمداد (Service Provisioning)، بكسر الاحتكار الطبيعي والتكامل الراسي ( الدمجي ) لمرفق الكهرباء (Vertical Integration )، من خلال إنشاء أربعة شركات منفصلة ( اثنين للتوليد وواحدة للنقل وواحدة للتوزيع )
تجزئيه التوليد بإنشاء شركتين واحده للتوليد الحراري وأخري للتوليد المائي: مما قد يغيب فرص الاستفادة من تكامل الموردين، وهذا– بدوره–يدفع للسطح التناقضات المتوقعة بين مصالح شركات التوليد المائي والحراري و التي يشعل أوارها التنافس بين شركتين مختلفتين يعملان في مجال واحد. فمثلا:ً
لا يستطيع أي نظام مائي وحراري “مشترك” للإمداد الكهربائي، إلا استخدام (امتصاص) قدر محدود من مخرجات التوليد المائي (الميقاواطس) ليبقي أي مزيد من “الكيلوواطس” (KWs) المنتجة من قبل شركة التوليد المائي عاطلة دون استخدام، وهذا لن يوفر الأمن الكافي لشركات التوليد المائي “المخصصة” لبناء قدرات توليد كافيه وفي الوقت المناسب وفق احتياجات البلد لتضارب مصالح شركتي التوليد الحراري والمائي.
“القانون الذهبي”(Golden Rule) لأي” نظام مائي وحراري مشترك”، هو أن تقوم الشركة المدمجة راسيا باستخلاص كل كيلو واط من التوليد المائي لتقليل المطلوب من التوليد الحراري وان تكون كل تلك الطاقة المائية مما يمكن الاعتماد عليه في كل الأوقات ( Firm Capacity )، لكن لكي يتحقق ذلك علي كل “كيلو واط مائي”مولد (Hydro KW )، ينبغي أن تكون مرتبطاً بحد ادني من الطاقة المخرجة ( كيلوواط- ساعةKWH )، وهذا بدوره يعتمد علي أمرين:
• شكل منحني الأحمال اليومي وقت الذروة ( Daily Load Curve ).
• نسبة قدرة الإنتاج المائي للطاقة (Hydro Capacity) ، إلي الحمولة القصوي للنظام (Maximum System Load)
هذه “الاعتماديه المتبادلة” (Mutual Interdependence) بين النظاميين المائي والحراري، وهذا التعقيد في العلاقة بينهما يوضح كم هو مهم أن يكونا تحت “ادارة واحدة”، كما يوضح الصعوبة البالغة في نجاح أي محاوله للتعويض عن ذلك من خلال التنسيق (Coordination) بين شركتين لهما قرارتهما المستقلة ومصالحها التنافسية المتضاربة حني علي مستوي طموحات المديرين الشخصية فيهما.
مقترح الحكومة الأصلي انطوي اضافة علي:
تجزئيه الدور الرقابي الضبطي، بإسناد “مهام مراقبه شركات الإمداد وحماية المستهلك ووضع مواصفات الإمداد الكهربائي” ، للجهاز الفني ( للشركات الأربعة ) مع إسناد مهام “مراقبة الشركات العامة والخاصة” لقطاع الكهرباء المقترح إنشاؤه في وزارة الطاقة
أن يكون مجلس إدارة الشركة القابضة هو الجمعية العمومية لشركات الإمداد الاربعهمما قد يفتح الباب أمام عدد منه المخاطر المحتملة، منها:كاستغلال الشركة القابضة للصيغة الهيكلية المقترحة للتهرب من القانون وعرقلة جهود الرقابة الضبطية التي تستهدفها.
تحرير الأسواق ، بفتح الباب أمام الاستثمار المحلي مما يعني التحول من الاحتكار ( Monopoly) إلي” احتكار القلة” (Oligopoly )، . غير أن تحرير الأسواق بصورة كاملة – هو في حقيقته – فكرة وهميه فيها الكثير من التناقض الذاتي ( Self-Contradictory)، لان الأسواق نفسها لايمكن أن توجد بدون قيام الدولة بأنفاذ العقود وحقوق الملكية الفكريه !
نظره فاحصه للتجربة الغربية “في تفكيك السيطرة المركزية
وإنهاء التخطيط المركزي” ، فيها الكثير من العبر:
و” السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ”(حديث مرفوع)
The Jury Is Still Out !””
في الولايات المتحدة وأوربا ذواتا الانظمه الكهربائيه المتطورة، تجري منذ سنين تغيرات كثيرة في هيكلة الإمداد الكهربائي وفي تشغيله وفي الرؤية الضبطية عليه وصولاً إلي إنهاء التخطيط المركزي له وتفكيك الدمج الرأسي فيه، وقد شمل هذا في كثير من الأحايين – خصخصة المرفق وتفكيك الرقابة الضبطية عليه (De-Regulation )، فمثلاً :
تم خصخصة صناعة الكهرباء في انجلترا عام 1990 وإنهاء التخطيط المركزي للقطاع مع رقابة ضبطية عليها من قبل” مكتب أسواق الغاز والكهرباء” (OFGEM)، لحماية المستهلك وللتأكد من أن الشركات تعمل بكفاءة وفاعليه، بينما
أبقت السويد والنرويج وفنلندا علي سوق مدمج راسياً للطاقة.
النظام الغربي الذي تسعي الحكومة إلي استنساخه في السودان هو “نظام تجريبي ( Experimental ) حتى في الغرب، حيث دفع تبني هذا النظام هناك العديد من القضايا الحرجة إلي السطح وأطلق عقال الكثير من القوي الجديدة التي تشكل الآن البيئة الحالية للإمداد الكهرباء هناك ومنها أن تفكيك السيطرة المركزية وانهاء التخطيط المركزي في الغرب أدي الي أن:
أصبحت المسئولية الشاملة لخدمة احتياجات المستهلك من الطاقة الكهربائيه، لا تتركز في مؤسسه واحدة، وبالتالي أصبح من الصعب تحديد أين تقع المسئولية حالياً لأمن الإمداد الكهربائي (Security of Supply)، فمثلاً بدلاً من إن كان اختيار مواقع محطات الطاقة، أو التوسع في القدرات والسعات ( (Capacity Expansion Planning، يخضع للمتطلبات الفنية لنظام الإمداد الكهربائي، أصبح الآن يخضع لقوي السوق (’Market Forces)، وهذا يعني انه لاضمان الآن بأن التوليد سيكون دائماً كاف، في ظل انعدام معادله سعريه مرضيه لشركات التوليد.
أدي التفكيك الي الحاجة لاستخدام الطرق الاحتمالية ، لعدم جدوى “المقاربة الحتمية” ( القطعية—Deterministic Approach)، خاصة في مجال “التشغيل” حيث يصعب تطبيق معايير الوثوقيه (Reliability Criteria) و المبنية علي أسس قطعيه، في حالة تجزئه الإمداد الكهربائي بالفصل بين التوليد والنقل والتوزيع،
و أصبح واضحاً ضرورة تطوير معايير جديدة لمقابله المخاطر الجديدة التي دفع بها إلي السطح تفكيك الدمج الراسي للإمداد الكهربائي، أي تطوير نظم قائمه علي حساب المخاطر (Risk-Based Security Assessment)، إن كان للنظام الجديد أن يتمكن من المحافظة علي وثوقيه الخدمة في ظل الطلب المتزايد علي الطاقة (مثلا يعكف مهندسو الطاقة الآن إلي تحقيق مواصفة وضعوها لجودة التيار “الصديقة للمايكروبروسسر” ( Friendly Microprocessor-)، وهي “عشرة تسعات” (“10 Nines”) أي 90.999 999 99 أو ما يعادل 32 ثانيه من الإطفاء في السنة! )
“عدم اليقين” (Uncertainties) المرتبط بحريه الوصول لمرفق النقل (كما حدث في الاستغلال البشع للشركات المخصخصه لقوانين وأجواء تحرير الطاقة، وكيف قامت شركه إنرون وشركه ” الطاقة المعّول عليها” (فتأمل أيها القاريء المفارقة في الأسم!) (Reliant Energy) بالتلاعب بالأسواق وبالقدرات المتاحة لنقل الإمداد الكهربائي من خلال جدوله ( حجز) خطوط النقل بأكثر مما تحتاج إليه هاتين الشركتين (Over Scheduling )
بيئة المنافسة الجديدة — علي عكس بيئة “التكامل الدمجي الراسي” السابقة ( للتوليد والنقل والتوزيع) ، والمحمية من المنافسة ، توفر البيئة الجديدة حوافز عديدة “للمخاطرة التشغيلية” ، مما يستدعي اللجوء إلي نظم حساب المخاطر باستخدام” التخطيط الاحتمالي” Probabilistic Planning Techniques)) والمؤسسة علي الطرق الرياضية ونظريات الوثوقيهReliability Theory) ): المشكلة هنا أن أن نظم “التخطيط الاحتمالي” هذه “غير ناضجة” وتحتاج إلي أبحاث لتطويرها ولا يتوقع أن يستفيد منها القطاع الخاص في السودان، بل واغلب الظن ولا حتي القطاع العام. ، و رغم استخدام هذه الأساليب في “تخطيط” الإمداد الكهربائي في الغرب، لكنها قد لا تصلح لمنشط “التشغيل”
لقد نجحت بعض الدول الغربية المتقدمة صناعياً مؤقتاً في “لجّم” بعض مشاكل البيئه الجديدة التي أوضحناها هنا، وكان ذلك راجعاً أساسا إلي توفر ثلاث عوامل أمان ( Safety Factors) لديها وهي:
توفر”هامش احتياط” (Reserve Margin) كبير في أنظمة تلك الدول،
توفر مسارات بديلة لتدفق الطاقة (Alternative Power Flow Paths)، في حالة انهيار التواصل النقلي للطاقة، (أي توفر “احتياطي نقلي”– “Transmission Reserve )
توفر تكرار للأجهزة والمهام ( Redundancy or Backup Systems، أي “احتياطي توزيعي”– “
لكن لازالت تجربة الدول الغربية في تفكيك الدمج الراسي للإمداد الكهربائي في بدايتها وفي مرحلة “المحاولة والخطأ” Trial & Error)) ، وليس هناك ضمان أنها ستجدي في ظل حالة التعقيد المتزايد في الشبكات الذي يحدثه هذا التفكيك والتوسع في ضبط النظام، من التركيز علي “الحالة العادية”Normal, Secure-Level State) ، كما هو الحال الآن، وبسطه علي :
حالات””التنبيه غير المحصنة” ( Alert Status )،
وحالات الطوارئ ( (Emergency Status، وصولا إلي
“الحالة الطرفية المتفسخة” ( In-Extremis ) ثم
تعقيدات رحله العودة بالأوضاع إلي سابق حالها ( Restorative Status ).
وبالطبع هناك الرصيد الكبير من الخبرات والقوي العاملة المدربة في تلك الدول،
والسؤال الذي نختم به هنا هو: “هل يستطيع السودان توفير ما تقدم وهو يستنسخ تجربة الغرب المتقدم صناعياً، وقبل أن يعرف العالم نتيجة تلك التجربة بصوره كاملة؟،– أو كما يقال: The Jury Is Still Out !”
اذا من الواضح مما تقدم في هذه الدراسة أن خصخصة الإمداد الكهربائي ليست خياراً إلا في حدود ضيقه، كما في حاله التوليد المائي لكن حتى هنا، فأن الشركات الخاصة ستجد نفسها محشورة بين:
§ سندان “بيئة التخطيط والتشغيل الضبابية” وبين
§ مطرقة “التعقيد التقني”، كما أوضحنا فيما سبق.
السؤال الملح هنا إذن – هو :
كيف يمكن إصلاح الهيئة القومية للكهرباء وتحقيق أهداف هيكلتها خارج إطار الخصخصة والشركات القابضة ؟
كان العرب إذا رعوا إبلهم جعلوا حبالهم علي “غواربها”: :لقد أقدمت الحكومة في وقت من الأوقات علي “المعادل الإداري” لهذا التقليد العربي القديم مع الهيئة القومية للكهرباء، وذلك حين “ألقت حبلها علي غاربها” ، وتم سلخ الهيئة من بيروقراطية الدولة، ووفرت لها الدولة الاستقلال المالي وأجزلت “العطاء الفخيم” لأداريها، – “فما يوم حليمة بسر”، كما يقول المثل العربي– لكن من الواضح أن أداء ألإدارة الذي تلي ذلك لم يرق للدولة، بدليل اقدام الحكومة علي تفكيك الهيئة وإعادة هيكلتها ، واحسب ان ذلك الأداء لم يرق للمواطنين أيضا. هذا لا يعني أن قرار الإصلاح المؤسسي كان خاطئا في حد ذاته ، بل احسب انه “كان ضرورياً لكنه لم يكن كافيا” لوحده (أو كما يقول الاقتصاديون Necessary But Not Sufficient): ما فات علي الحكومة إدراكه هو أن نجاح مثل هذا الإصلاح المؤسسي مرهون:
أولا بوجود رقابه ضبطية صارمة، تراقب وتصحح مسار هذا الإصلاح المؤسسي،
وثانياً وجود إدارة كفئه علي راس الهيئة تجند من داخل الهيئة أو من خلال إغراء إداريين موهوبين من خارج الهيئة لإدارتها (أو ما يسمي ب Head Hunting ).
اذن ، ما هوالخيار الامثل لقضية الارتقاء بمرفق الكهرباء؟
نخلص من كل ما تقدم إلي أن الخيار الامثل لقضية الارتقاء بمرفق الكهرباء، يتمثل في :
◊ الرجوع الي “السمة الاحتكارية الطبيعية” لمرفق الكهرباء ، المدمجة راسياً ، مع الإصلاح من خلال الرقابة الضبطية
◊ أي أن تستعيد صناعه الكهرباء دورها كمؤسسة “مدمجة رأسيا” Vertically Integrated) ) من حيث منشط التوليد والنقل والتوزيع ، كما كان حالها في الماضي ، والعمل علي إصلاح نقائصها من خلال جهاز “رقابه ضبطي قوي. ” دعنا إذن ننظر كيف يمكن أن يتحقق ذلك:
أولا:– اعاده تعريف وتوسيع نطاق “رسالة” الهيئة القومية للكهرباء:
وعدم حصر رسالة الهيئة ودورها في ” إنتاج القدرة “، إذ إن هذا “دورموقوت ” – مثله في ذلك مثل ” النمو ” في عمليات التنمية – وبالتالي هو دور ثانوي، بينما دور الهيئة الأساسي يتمحور حول وظيفتها الأولي، “كمورد للطاقة” (Power Supplier )، وهذا يعني تغيراً في الأهداف (المقاصد ) أي النهايات المطلوبة لتتجه:
في المقام الأول نحو خفض الطلب علي القدرة ( مثلاً من خلال رفع كفاءة التوليد والنقل، وتغير نمط الطلب، وتبني سياسات ترفع من كفاءة الاستخدامات النهائية لهذه القدرة ) كما في استخدام التوليد المشترك ( Co-Generation) ورفع كفاءة المعدات الخ…
و تتجه في المقام الثاني إلي إبدال بعض استهلاك الطاقة ببدائل أخري، متي ما تيسر ذلك ، فهناك مبدأ جوهري في الطاقة وهو مطابقة “جودة الطاقة” مع “استخداماتها”، وهذا يعني:
◊ ألا تستخدم الكهرباء – وهي طاقة عالية الجودة- لمهام يمكن أن تدار بطاقة أقل جودة. أي أن تستخدم موارد الطاقة ذات القيمة الاجتماعية المحدودة كالتوليد المائي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بينما يوفر البترول والغاز للاستخدامات النهائية عالية الدرجة High Grade End Uses))، مثل الصناعات البتروكيميائية ووسائط النقل الخ..
◊ حرق الوقود الحيوي مباشرة لإنتاج الحرارة (أو البخار)، ثم استخدام بخار الماء (المغلي ) في الوحدات المنتجة ، كناقل للحرارة ، أو في التوربينات بحيث يقتصر استخدام الكهرباء علي العمليات الصناعية ذات الحرارة العالية ( أكثر من C ° 2500 ) وفي الموتورات والإضاءة الخ، بينما يستخدم الغاز ( Gasoline) لاحتياجات الصناعة الأدنى (1000 C–2500° C) ، وهذه قضية كبرى نأمل أن نعود إليها في مقالة قادمة إن شاء الله.
ثانياً: إنشاء جهاز رقابه ضبطي قوي ومستقل (Regulatory Agency ) ، والا فسيكون مّال (Fate) الشركات المخصخصه أسوا حالاً من المؤسسات العامة حينما تصطدم بظاهرة فشل السوق ( Market Failure ) ، تماما كما حدث في حاله خصخصة السكة الحديد البيرطانيه عام 1993، (مما دفع الحكومة البرطانيه لاستعاده ملكيه خطوط السكك الحديدية) ، وكما حدث في حاله خصخصة الاتصالات في المكسيك ، وكلا المرفقين يتمتعان بخاصية “الاحتكارية الطبيعية (Natural Monopoly)، كما هو حال مرفق الإمداد الكهربائي.
وبالنسبة للإمداد الكهربائي، فهناك مستويان من الرقابة الضبطية:
الرقابة الداخلية الذاتية:
هناك الرقابة الداخلية الذاتية والتي تطال الجوانب ألاقتصاديه والاداريه والفنية ( مثل :
وثوقيه النظام
وإدارة التفريغ الحراري من المولدات ( Heat Discharges)،
وسياسات إعادة التأهيل Rehabilitation) )،
وسياسات التشغيل والإرسال (Dispatching) .
هذا المستوي من الرقابة الذاتية ينطوي علي التوافق مع المستهلكين علي “عقد اجتماعي” Social Contract) ) يتضمن خمس موجهات محدده ( Guidelines ):
تحديد حد ادني من المعايير الخدمية الادائيه) (Minimum Standards of Service
وتحديد أهداف اجتماعيه للهيئة القومية للكهرباء ( مثلاً سياسات قطاعيه تنحي نحو دعم وتطور التنمية الصناعية بخفض أسعار الكهرباء لهم والدخول معهم في شراكه الخ. بحيث تصبح الهيئة ألقوميه للكهرباء”نقطه تقاطع” للسياسات ألقطاعيه والوطنية والاقليميه.
تحديد سياسات تسعيريه مناسبة، مثلاً تبني أسعار السوق في بعض العمليات وتبني “التسعير الحدي للكلفة” (Marginal Cost Pricing ) في مجالات أخري.
تبني أهداف محدده لكفاءة الأداء ( (Performance Efficiency Targets مثلاً خفض الكلفة للوحدة الانتاجيه (Unit Cost) وللنفقات العامه Overhead Costs) )
تبني أهداف مالية ناجعة، مثلاً أهداف للعائد علي رأس المال ( Return on Capital)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم