دوامة الخلافات والمكايدات السياسية السودانية: بقلم نوح حسن أبكر: مترجم/صحفي (زامبيا)
4 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
86 زيارة
شاهدت بانتباه وتركيز الندوة التي أقامها التلفزيوني القومي السوداني مشكوراً يوم 1 يناير 2019م والتي جمعت بعض أطياف الأحزاب السياسية والرموز الإعلامية . ومع أن مبادرة التلفزيون جيدة وأدار مقدم البرنامج السيد/ بابكر حنين الندوة بصورة تنم عن أُفق إعلامي واسع وثقافة سياسية موسوعية فقد جاء تشخيص المشاكل السياسية والاقتصاديةوحتى الاجتماعية كبداية لنقاش يتطلب من جميع المثقفين تناول القضية بمهنية علمية بعيداً عن النزوات الشخصية .
مع أن معظم المشاركين أكدوا وجود مشكلة سياسية تعود إلى الاستعمار أو سوء إدارة أو أن الكل يريد أن يحكم السودان وهناك من نصح بعدم إلقاء اللوم على المستعمر لأن ذلك العهد قد ولي منذ ثلاثة وستين عاماً فقد نأى إلى ذهني ضرورة تشريح مشكلة السودان لمعرفة الدواء المناسب كما يقول المثل ” إذا عُرف السبب بطل العجب”. المعروف تاريخياً أن الخلاف بين البشر سائد منذ عهد سيدنا آدم عليه السلام وهناك صراع محمود يولد التحدي من أجل معالجة أي وضع بصورة أفضل، فعلى سبيل المثال عندما يواجه المرء مشكلة وبصورة مفاجئة فإنه يفكر سريعاُ في إيجاد حل أو بدائل وكذلك الحال لقائد الطائرة فإنه يغير مسار الرحلة لأقرب مطار إذا تعرضت الطائرة لعطب فني ويتخذ إجراءات الهبوط الاضطراري بعد التوكل على الله.
ظللنا تاريخياً أُمة غير متفقة سياسياً ربما لفترة أبعد من حكم الإمام المهدي مع نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر الميلادي. إذ بالرغم من أن الهدف كان واحداً وهو تحرير السودان إلا أن الإمام المهدي واجه معارضة قوية حتى من بعض مشايخه كما واجه الخليفة عبد الله التعايشي مشاكسات سياسية منها نعرات جهوية أراها السبب الرئيسي في هزيمته إذ لو كانت الجبهة الوطنية متماسكة لما تمكن الانجليز من هزيمته.
اتفقنا فقط على نيل الاستقلال مع وجود ثغرات سياسية قاتلة أدت إلى تمرد توريت واندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان عام 1955م إلى أن فقدنا جنوب السودان بنفس روح المكايدات السياسية الشريرة في العام 2011م. كان هناك صراح واضح بين الأحزاب السياسية عطل عجلة التنمية بعد الاستقلال لأن كل حزب سياسي يود تمكين أتباعه في السلطة إلى أن آلت السلطة إلى عبد الله خليل وجاء انقلاب عبود في العام 1958م وقد أدخل ذلك الانقلاب الفرح في قلوب الذين لم يحظوا بالسلطة. وجاءت ثورة أُكتوبر 1964م عندما تمكن الشعب من إزالة نظام عسكري متماسك من السلطة دون إراقة دماء تذكر. واستبشر الشعب خيراً ولكن سرعانما اختفى التفاؤل وسط دخان كثيف وخانق من الأطماع السياسية الحزبية بينما ازدادت حرب الجنوب شدة. ولم تتمكن الأحزاب السياسية من إدارة شؤون الدولة بسبب المكايدات السياسية بين الأحزاب السياسية الرئيسية والورقية وقد تزامن ذلك مع بعض الأجندة والأيدولوجيات الخارجية التي لم تكن لتجد طريقها إلى مجتمعنا لولا ضعف الإرادة السياسية.
وكان الجيش يراقب تدهور الأوضاع السياسية عن كثب وبدأت كل مجموعة سياسية أو أيدلوجية تستقطب القوات المسلحة وتنسق مع خلاياها العسكرية للقيام بانقلاب لتخليص البلاد من التدهور السياسي وبالفعل استبق المشير جعفر النميري الجميع واستولي على السلطة في 25 مايو 1969م بحجة وقف حد للفساد الحكومي وإصلاح الدولة وإنهاء حرب الجنوب وكانت شعارات وهتافات الشعب كما وصفها أحد الشعراء ” هتف الشعب من أعماقه…. التطهير واجب وطني” وهكذا تمت تصفية الخدمة المدنية من أهم كوادرها وسلمها الوظيفي بزج عناصر لا علاقة لهم بالخدمة المدنية سوى الولاء الحزبي .وفي هذا الصدد أعلنت حكومة نميري حل جميع الأحزاب وتكوين الحزب الاشتراكي السوداني الذي انضم إليه عدد مقدر من أعضاء الأحزاب السياسية وساد نوع من الرخاء الاقتصادي والنشر الثقافي في السبعينات من القرن العشرين وتخلل حكم نميري عدد من المحاولات الانقلابية والنزاعات المسلحة والحزبية منها حادثة الجزيرة أبا التي أودت بحياة الإمام الهادي المهدي عام 1970م وانقلاب هاشم العطا 1971م وانقلاب حسن حسين منتصف السبعينات وغيرها من المحاولات التي قد لا تنشر تفاصيلها. وكان القاسم المشترك لكل تلك المحاولات هو إزاحة حكم نميري من السلطة لأسباب منها سوء الإدارة السياسية والاقتصادية وكتم أنفاس الحرية السياسية الحزبية ولم تكن المحاولات محلية فقط بل وجدت دعماً من ليبيا القذافي.
واجه المشير نميري كل تلك التحديات السياسية التي كادت أن تودي بحياته إلى أن وصل الشعب إلى مرحلة قرروا فيها تنحيته من السلطة وجاءت انتفاضة أبريل 1985م واختطفت نفس الأحزاب السياسية انتصار الشعب وعاد الوضع السياسي السائد خلال فترة ما بعد ثورة أُكتوبر 1964م إلى حاله من مشاكسات سياسية ودسائس أشبه بما قاله أحد الشعراء
كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سناناً
تولى المشير سوار الذهب الحكم لمدة عام في أواسط الثمانينات من القرن العشرين مع علمه الكامل بأنه ليس من السهل الاستمرار في السلطة لأنه محاط بأحزاب سياسية معظم همها الوصول إلى السلطة لا غير. وتولت حكومة مدنية السلطة برئاسة الزعيم الصادق المهدي الذي كان قد حكم البلاد بعد ثورة أُكتوبر 1964م بصفته رئيساً للوزراء ولكن الزعيم الصادق المهدي وجد نفسه في نفق مظلم تنعدم فيه الرؤية السياسية بسبب المشاكسات الحزبية ولم يتمكن من تنفيذ برنامج حكومته بينما تدهور الوضع الأمني في جنوب السودان وأصبحت الخرطوم غير آمنة. وفي تلك الأثناء شعرت مجموعات أيدلوجية وحزبية عديدة في الجيش أنه لا بد من تغيير النظام الديمقراطي حتى لا تنزلق البلاد في هاوية الاضطرابات السياسية والتدهور الاقتصادي وقد كرر التاريخ نفسه في عام 1989م إذ كانت عدة خلايا أيدلوجية وحزبية في الجيش تخطط لانقلاب عسكري مع جهات مدنية وكان السباق في أشده إلى أن تمكن المشير البشير من الاستيلاء على السلطة بعد انقلاب عسكري بمؤازرة خفية من حزب سياسي وكانت الشعارات المرفوعة أيضاً محاربة الفساد ووضع حد لمشكلة جنوب السودان .وتم حل الأحزاب السياسية ثم السماح لها بالعمل جهاراً نهاراً في وقت لاحق وعادت المكايدات الحزبية من جديد وفقدنا جنوب السودان واشتعلت الحروب في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور وهاجر الملايين من الريف إلى المدن لأسباب أمنية أو بحثاً عن العمل لأن معظم الوظائف تتركز في الخرطوم. وفي ديسمبر 2018م بلغت أزمة الخبز والوقود والنقود ذروتها حيث خرجت الجماهير إلى الشوارع احتجاجاً على ذلك واعترف القادة بوجود مشاكل ولكن الشعب يطالب بحلول عاجلة.
هذا هو حالنا السياسي الذي لم يتغير منذ عهد الإمام المهدي وظللنا في دوامة سياسية تنعدم فيها الرؤية أحياناً ومع انعدام الرؤية في الطريق تقع الحوادث أو يتوقف المرء عن السير الى أن تتضح الرؤية وفي كلا الحالين ضرر.
هذه هي مشاكلنا التي لم نستطع إيجاد حل لها. وبالمقارنة مع عهد الاستعمار كان هناك انضباط إداري في الخدمة المدنية وفائض في الميزانية ولكن يبدو أننا لم نستفد وللأسف من ذلك.
السؤال المطروح هو كيف نتغلب على مشاكلنا السياسية؟ في نظري وربما قد لا يحلو للبعض ما أقول ولكن جهد المقل أن علينا إعادة الاستفادة من تجاربنا السياسية السابقة التي امتدت لأكثر من قرن من الزمان وفي رأيي علينا اتباع الآتي:
1.تحكيم شرع الله لأنه الله اختار لنا هذا الدين الذي فيه صلاح دنيانا وآخرتنا حتى ولتبدأ الحكومة بتشكيل برلمان مصغر للعلماء ليضعوا سياسة ملزمة تنفذها الحكومة لأنه من الصعب أن نقول نحن مسلمون ونصلي ونصوم ولا نعدل أو نحكم شرع الله فينا. فالآية القرآنية واضحة وهى ” ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون—سورة الأعراف الأية96 ) و ( ظهر الفساد في البر والبحربما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون: الآية 14 سورة الروم) إذ أن نقص الثمار من كثرة المعاصي، فكيف نرفع شعار الإسلام وجامعاتنا مختلطة والطلاب والطالبات في سن المراهقة وكيف ننادي بتمكين المرأة وهى أصلاً مكرمة في الإسلام من خلال حقوق الأمومة والزوجية وغيرها فالموظفة تسافر بدون محرم للمشاركة في ندوات خارجية وزوجها ولا يأبه محرمها لذلك وكيف تحل البركة ونحن في مثل هذا الوضع؟ .إن تحكيم شرع الله يعنى العدالة والتكافل والأمن والاستقرار ونيل الجميع حقوقهم.
2.حل جميع الأحزاب السياسية لأنها أدخلتنا في نفق مظلم منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا وسوف تتكرر نفس التجربة حتى ولو سلم البشير السلطة طواعية أو فاز أي حزب سياسي معارض في انتخابات 2020م فسوف يواجه نفس المكايد السياسية وسيكرر العسكر نفس التجارب السابقة .
3.امتناع الجيش عن القيام بأي انقلاب عسكري مستقبلاً بل عليه حماية مكتسبات الشعب.
4. أن يتم تعيين جميع الوزراء من طبقة الخبراء كل في مجاله ويمنح الوزير عقداً وظيفياً لمدة ستة أشهر مع قابلية التجديد لكي ينفذ خطة محدودة الأجل تكون نتائجها ملموسة ويحاسب على ما أنجز.
5.تقليص عدد الولايات على ثمانية فقط وإلغاء البرلمانات الولائية واستبدالها بمجلس الإدارة الأهلية وكذلك إلغاء مناصب الوزراء وتقوية مهام الضباط الإداريين لأنهم الأكثر التصاقاً بالشعب.
5.الاستعانة بخمسمائة خبير بريطاني كل خمسة أعوام – بصفة دائمة والى أن تقوم الساعة – في جميع مجالات الحياة من زراعة وتعدين وخدمة مدنية وصناعة ليضعوا وينفذوا خطة إنمائية شاملة قرنية دون أي تدخل سياسي وبصورة مستمرة وذلك لإعادة الوضع الى طبيعته عند الاستقلال في العام 1956م ولنورث الأجيال القادمة السودان الأبي المتقدم. ومن شأن هذا القضاء على المحسوبية والفساد وسوء الإدارة وهى أمور لم تكن سائدة في عهد الاستعمار وانا متأكد من أن السودان سوف ينهض بسرعة ليلحق بركب ماليزيا وتركيا واليابان لأن مواردنا أكثر من موارد تلك الدول مجتمعة
6. تفريغ العاصمة من الكثافة السكانية بتفكيك المصانع وتوزيعها بالتساوي على جميع الولايات وكذلك يشترط أن يعمل أي خريج فترات متساوية في جميع الولايات وأن تكون آخر محطة عمل له هى الخرطوم .
8.تفعيل دور علماء الدين بحيث يتم توظيف العلماء في جميع الوزارات والمصالح الحكومية للإرشاد والوعظ الديني لمدة لا تقل عن نصف ساعة يومياً قبل بدء العمل وتذكير الموظفين بمخافة الله ومحاسبة الرب لهم ( من أخذ الأجر حاسبه الله على العمل) قبل أن تحاسبهم ضمائرهم أو مرؤوسيهم.
9.مشاركة طلاب جميع مراحل التعليم في العمل الزراعي بحيث يتم تنظيم ذلك أثناء البدء في الزراعة والحصاد ويتقاضوا مقابل ذلك أجراً لتكون لديهم فكرة الاهتمام بالزراعة التي تشكل عماد الحياة الى قيام الساعة.
الحقيقة مرة ولكن علينا التفكير بنظرة ثاقبة في التعاقد مع البريطانيين وليس هناك عيب في ذلك فقد نهضت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية بفضل الاستعانة بالأجانب في قطاعات حساسة مثل الالكترونيات وعلوم الفضاء والتصنيع النووي وحتى في المجال الرياضي مثلما استعان الهلال والمريخ بمدربين أو لاعبين أجانب فهل أمر كرة القدم أهم من الاقتصاد ولماذا نصر على إدارة بلادنا وسط مكايدات سياسية لا تنتهي؟ قد يظن البعض بأن الحل يكمن في إزالة حكومة الإنقاذ من السلطة وتولي حكومة مدنية زمام الحكم ولكن بالنظر الى وضع أكثر من تسعين حزب سياسي وحركات مسلحة والتجارب السياسية التاريخية المتكررة المذكورة أعلاه يستنتج المرء بأنه ليس من السهل حكم البلاد حتى مع زوال حكم الانقاذ لأن كل حزب سياسي يتطلع إلى السلطة بدلاً من الانخراط في مجال التنمية وسوف تثبت الأيام ما أقول عاجلاً أم آجلاً.
muazin2@yahoo.com