اصدر وزير الحكم الاتحادي في السودان، في اليوم الخامس من نوفمبر 2019 قرارا وزاريا بتكوين (لجان التغيير و الخدمات) بالاحياء و الاسواق و المناطق الصناعية لتحل محل (اللجان الشعبية) التي كان قد كونها النظام السابق كمستويات قاعدية للادارة على المستوى الشعبي و للمساعدة في تقديم الخدمات للجمهور. في هذه الورقة نحاول ان نضع تحليل للدور الذي من الممكن ان تلعبه تلك اللجان على صعيد المشاركة في رسم سياسات التنمية على المستوى الشعبي القاعدي في المحليات، و كذلك تشرح علاقة تلك اللجان مع مؤسسات الحكم، و العلاقات الديمقراطية الناشئة في مستوى المحليات.
تكتسب المؤسسات المجتمعية القاعدية أهمية كبيرة في الممارسة الديمقراطية خلال الفترة الانتقالية و في هذه المرحلة من تاريخ السودان. و في ذلك، كان من الضروري النظر في دور “لجان التغيير و الخدمات” في الممارسة الديمقراطية و ان ترسيخ الديمقراطية على مستوى الممارسة داخل المجتمعات الانتقالية تحتاج الى الكثير من التخطيط الفعال، و إعادة التحليل للواقع السياسي و الاجتماعي في السودان، و تأكيد أهمية الشباب و المؤسسات المجتمعية القاعدية في تأسيس التنمية و الاستقرار، من خلال توسيع المفاهيم الديمقراطية، و إخراجها من الاطر المعرفية المحضة الى التطبيق الحياتي.
و قد كانت “اللجان الشعبية” التي تم تكوينها في ظل النظام السابق، قد تم حلها ضمن قرارات حل الهيئآت التشريعية الاتحادية و الولائية، مباشرة بعد سقوط النظام الدكتاتوري. و كان قد تم عمل معالجات و تدابير متباينة لسد الفراغ الذي خلفه حل تلك اللجان في الاحياء، و جاء إنشاء لجان التغيير و الخدمات كضرورة عاجلة لسد ذلك الفرغ.
عَرف القرار لجان التغيير و الخدمات بانها: “تنظيمات ادارية شعبية يتم تكوينها في مواقع انتشار المواطنين في الاحياء و الاسواق و المناطق الصناعية”.
يتم تكوين تلك اللجان بصورة توافقية بين سكان الحي، من عدد يترواح ما بين 10 –12 عضو و لا يقل عمر المرشح عن 18 عام و ان يتم تمثيل النساء بنسبة 40% كحد ادني، و ان لا يكون المرشح او المرشحة قد شارك في النظام البائد، و ان يكون مؤمنا بمبادئ الوثيقة الدستورية.
هدفها كما جاء في التمهيد بالقرار:
– سد الفراغ الاداري و الخدمي على المستوى القاعدي
– نشر الوعي بين المواطنين و التعرف على حقوقهم وواجباتهم
– تقديم الخدمات الضرورية و الاساسية و التنمية و بسط الامن و الاستقرار
من الواضح بأن لجان التغيير و الخدمات قد إتخذت الصبغة الانتقالية، فهي لا يتم تكوينها بإنتخابات مباشرة، و إنما يتم فيها الاختيار بتمثيل الشباب و النساء من الذين لم يسبق لهم ان كانوا ضمن لجان النظام السابق، و هي ذات الآلية التي تم إعتمادها في تكوين الكثير من اللجان في فترة ما بعد الثورة.
علاقة اللجان بأجهزة الحكم المحلي:
في علاقتها باجهزة الحكم المحلي، تكون لتلك اللجان آلية للمتابعة و التنسيق مع المحليات، و جاء القرار متضمنا توجيهات للولاة للشروع في تنظيم العلاقة بين اللجان و المحليات. و من المهم الاشارة الى ان وزارة الحكم المحلي لا تملك السلطة في تعديل النظام الاتحادي الساري، فقد نصت الوثيقة الدستورية في باب مستويات الحكم على الابقاء على النظام الاتحادي و قوانينه دون اي تغيير، و بالتالي ليس من المتوقع ان يتم تغيير النظام الفيدرالي، و اذا تم ذلك فسيكون ضمن آليات تشريعية و ليس بقرارات وزاراية. لذلك كان من المهم أن تنسجم لجان التغيير و الخدمات مع المؤسسات المحلية و الاتحادية وفق ما هو كائن بموجب القوانين المنظمة، لكونها تُتعتبر المستوى القاعدي للحكم، و بهذه الصفة تكتسب تلك اللجان أهميتها في إطار بناء الديمقراطية في المجتمع الانتقالي في السودان.
لجان التغيير و الخدمات و الموازنة التشاركية:
الموازنة التشاركية هي تلك التي يكون فيها للشعب على المستويات القاعدية دور فعال في القرارات الخاصة بصايغة و إجازة الموازنة، و لآحقاً الرصد و المراقبة و رفع التقارير بخصوص تنفيذ الموازنة بواسطة الحكومة. و بالتالي يرتبط مفهوم الموازنة التشاركية ببناء الديمقراطية و ممارستها بواسطة الشعب، و هي تكتسب أهمية خاصة لدى الشعوب و المجتمعات التي كانت ترزح تحت الحرب و الدكتاتورية و الفساد. اقر قرار الوزير (اليوم الخامس من نوفمبر 2019) لتلك اللجان بان تكون جزء من مستويات الادارة في الدولة خلال الفترة الانتقالية فبالتالي فانها تخضع للمعايير و الموجهات التي تضعها الدولة لضمان حسن تنفيذ الساياسات العامة بما في ذلك ضمان معايير الحكم الرشيد. و تأتي مسألة رصد تنفيذ و مراقبة الموازنة العامة كواحدة من الادوار التي من المفترض أن تقوم بها لجان التغيير و الخدمات، بوصفها جزء من الاليات الادارية على المستوى المحلي. كذلك تظهر تلك العلاقة، من خلال السلطات و الاختصاصات التي حددها القرار الوزاري لتلك اللجان.
السلطات (وردت تحت سادسا): حدد القرار للجان التغيير سلطة المراقبة على الخدمات، التنسيق و المشاركة، المشاركة في وضع الخطط (بالاطلاع على السلطات في القرار نجد ان هناك خلط بين السلطات و المهام و الاختصاصات).
و بالتالي تكون للجان في بعض الموضوعات المتصلة بالخدمات على المستوى المحلي، المشاركة في بناء الخطط المتصلة بالتنمية المحلية، و هذا بالتالي يؤهلها بحسب نص القرار القيام بدور الرقابة على التنفيذ و تطبيق المعايير.
المهام و الاختصاصات (وردت تحت خامسا):
بالنظر للمهام و الاختصاصات الواردة في خامسا (الاختصاصات) نلاحظ بانه من المهم ان نرصد من خلال تلك الاختصاصات الدور الذي يمكن ان تلعبه تلك اللجان في عملية صناعة و مراقبة الموازنة العامة في السودان. نبين فيما يلي الاختصاصات ذات الصلة المباشرة بموضوع مراقبة الموازنة، و كذلك نقدم ملاحظات تساعد في فهم علاقة ذلك الاختصاص بالموازنة العامة:
– تفعيل منهج البناء و تنمية المجتمع كاداة للتنمية المحلية: من المهم بناء مفهوم موحد و مشترك عن التنمية في المرحلة الانتقالية، كما تتبناه الحكومة الانتقالية، و مشاركة ذلك الفهم مع لجان التغيير و الخدمات، حتى يكون هناك اتساق تام في العمل في هذا الجانب.
– المساهمة في نشر الوعي لتطوير الاطر القانونية و الاقتصادية للجمعيات التعاونية التي تخدم و تمكن المواطن من مواجهة ارتفاع الاسعار: ان المنهج الشعبي في تحقيق التنمية هو أحد الحلول التي تبنتها الحكومة الانتقالية، و كان قرار وزير الحكم الاتحادي، ضمن هذا الاتجاه
– متابعة الخدمات الاساسية و الضرورية المقدمة و ضمان سلامتها، و العمل على ايجاد الحلول الادارية و القانونية: ان امر متابعة تخصيص الخدمات و الوفاء بها، هو احد اهم واجبات لجان التغيير و الخدمات، و بالتالي من المهم لتلك اللجان ان تكون جزء من عملية صناعة القرارات الخاصة بالموازنة العامة، و كذلك مراقبة أداء السلطات الادارية في تنفيذ تلك التخصيصات
– تعميق الاصول الدستورية و الديمقراطية التي تعتبر عضو اللجنة مراقبا بالاساس و مساهما في معالجة الاوضاع المعيشية للمواطنين، على قاعدة التنمية المتوازنة: اهم ما نصت عليه الوثيقة الدستورية في الفقرة 1 من المادة 8 (مستويات الحكم) انه نص علي الحكم المحلي بصيغة تعبر عن شعبيته اذ نصت على: المستوى المحلي و يعزز المشاركة الشعبية الواسعة و يعبر عن الاحتياجات الاساسية للمواطنين.
كان من المهم توضيح الفرق بين تلك بدون الحوجة الى تكرار المصطلحات، فالسطات هي دائما مرتبطة بالممارسة القانونية للوظيفة، مثل اصدار و إلغاء القرارات و إنشاء اللجان و التوقيع على الوثائق و فتح الحسابات و فرض الرسوم. بينما الاختصاصات هي تحديد نطاق الوظيفة بما يميزها عن غيرها، فنجد أن إختصاصات لجان تقف عند حدود معينة، ليبدأ إختصاص الجهة الأعلى منها، فمن الناحية المالية قد يكون للجنة التغيير و الخدمات أن تصادق او تنفذ خدمات في حدود مبلغ محدد، فلنقل 100 الف جنية، و ما يفوق ذلك يكون من إختصاص المستوى الاعلى، و هكذا على مستوى كافة القرارات. تكتسب تلك المسؤوليات و الاختصاصات أهميتها في أن كل مستوى من المستويات يراقب و يرصد سلوكيات المستوى الاداري الادنى منها، بحيث لا تتركز كل السطات في مستوى واحد فينجم عن ذلك الفساد و الدكتاتورية الادارية.
موجهات للجان التغيير و الخدمات العاملة في مراقبة الموازنة و المحاسبية:
– إلتزامات: حتى تحقق لجان التغيير و الخدمات النجاح، يستلزم ان يتوفر لديها القيادة القوية الملتزمة المستندة على أهداف و إسترتيجيات واضحة حول انخراطهم في عملية الموازنة
– الحقوق: في مقدور لجان التغيير و الخدمات ان تؤدي عملاً جيداً لو تمتعت بالحق في الوصول للمعلومات، و حق تقدم الملاحظات و أن تشارك بحرية و فعالية في رسم سياسات الموازنة العامة و أن يكون ذلك الحق محدد بصورة واضحة في القوانين و السياسات. و كذلك يجب ان يكون واضحاً إلتزام الحكومة بالتعاون مع تلك اللجان حين يمارسون ادوارهم المجتمعية بصورة فاعلة.
– الوضوح: على لجان التغيير و الخدمات ان تكون قادرة على تحديد هدفها في المشاركة في عملية الموازنة العامة. و مسئولية المواطنين في تقديم مقترحاتهم الخاصة بمسئولية الحكومة في صناعة القرارات و خضوعها للمحاسبة عن تلك القرارات المتخذة، هذه الادوار والمسئوليات يجب ان تكون واضحة للكافة.
– الزمن: على لجان التغيير و الخدمات في السودان أن تكون واعية بدورة و اجراءات الموازنة العامة حتى تتمكن في المشاركة بصورة فاعلة في كل مراحل الموازنة. و على لجان التغيير و الخدمات ان تنخرط منذ وقت مبكر، قدر الامكان في تلك الاجراءات، حتى يتمكنوا في ادخال حلول بما في ذلك ما هو مختص بتخصيص الموارد و حتى تتيح بذلك فرصة أكبر لنجاح الموازنة العامة. و حتى تكون المشاركة فعالة يجب ان يتوفر زمن كافي لهم حتى تتوفر لهم المعلومات المطلوبة عن كل مراحل دورة الموازنة.
– الموضوعية: المعلومات المقدمة بواسطة الحكومة خلال عملية الموازنة يجب أن تكون محددة و مكتملة و سهل الحصول عليها. يجب ان يتمتع كافة المواطنين و بقدر متساوي بالحق في الحصول على المعلومات المتصلة بالموازنة و المشاركة في عملية الموازنة.
– الموارد: على لجان التغيير و الخدمات أن تتمتع بقدر كافي من الموارد المالية و البشرية و الفنية حتى تكون مشاركتهم في عملية الموازنة ناجحة و فعالة. و على لجان التغيير و الخدمات أن تتحصل التدريب الممنهج و تبادل الخبرات مع لجان التغيير و الخدمات في الاحياء الأخرى.
– التنسيق: على لجان التغيير و الخدمات في الاحياء ان تنسق بشكل فاعل مع منظمات المجتمع المدني من أجل تحسين المعرفة الادارية و تنسيق السياسات، و تجنب التكرار ،و تقليل مخاطر التطبيقات الغير صحيحة.
– المحاسبية: يقع على عاتق الحكومة الانتقالية إلتزام بان تخضع للمحاسبة عن إستخدامها لمقترحات المواطنين التي تقدموا بها من خلال ملاحظاتهم على الموازنة العامة و من خلال المشورة الشعبية و المشاركة الفاعلة للجان التغيير و الخدمات في الموازنة العامة. و على الحكومة القيام باجراء التدابير اللآزمة لضمان ان عملية الموازنة منفتحة و شفافة و مستجيبة للمراجعة الخارجية و التدقيق و ذلك من أجل ضمان زيادة درجة محاسبية الحكومة و زيادة فعالية مشاركة لجان التغيير و الخدمات.
– التقييم: تحتاج لجان التغيير و الخدمات للوسائل و المعلومات و القدرة حتى تستطيع تقييم اداء الموازنة ، و أهمية هذا تكمن في القدورة على جعل انخراط لجان التغيير و الخدمات في عملية الموازنة عامة فعال.
ختاما: موجهات عامة لضمان حسن الادارة:
ان فكرة ادراج المستويات القاعدية في الحكم في الفترة الانتقالية، فكرة تتضمن العديد من المحاذير، فمازالت الدولة في حالة انتقال، و لم تظهر الصورة بشكل كافي، الا انها عبرت بشكل جلي الافق عن الافق الديمقراطي للحكومة الانتقالية، ووضعت القواعد الشعبية امام مسئولياتهم في حماية الثورة في بناء و تنمية الوطن. فيما يلي نذكر موجهات غير تفصيلية من الضرورة مراعاتها لضمان كفاءة و فعالية تلك اللجان بجانب ضمان شعبيتها:
– يجب إن تتخذ طريقة أختيار قيادة الأدارة على المستوى القاعدي أو تعيينها الصفة الديمقراطية، الشفافة، و أن يتم من خلالها تمثيل المجموعات الضعيفة و المهمشة.
– تتم محاصرة الفساد والتخفيف من القبضة المركزية للحكم، هي أعطاء دور للمواطنين في رصد و متابعة الأداء الاداري و بشكل شفاف، و تدعيم الأدارات القاعدية بالخبرات و التأهيل في جوانب محاربة الفساد و نشر ثقافة الحكم الراشد و سيادة حكم القانون.
– إن جعل الحكم المحلي موسوماً بصفته الشعبية، يضمن فاعليته و يؤسس لمبدأ الرقابة الشعبية ضد الانحراف بالسلطة، و بالتالي يضمن جودة الأداء، و يتأتى ذلك بقيام مؤسسات حكم محلي تتفاعل معها جماهير المواطنين في السودان وتتولى الدفاع عنها منظمات شعبية تطوعية مدعومة من المركز وتحت مظلته ورعايته وحمايته.
– ضمان مشاركة المرأة في الادارة بصورة منصفة مع ضمان الكفاءة المطلوبة.
advosami@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم