دوّامة التُوهان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (13) .. بقلم: محمد فقيري

 

من بين الجماعات الإسلامية الكثيرة نشأت جماعات الإسلام السياسي ، وهي جماعات كارثية شوّهت الدين ودمرت الدنيا ، فعاشت الأمة الإسلامية في هلامية لا كيان لها ، عاشت ، وما زالت تعيش ، في لا إنتماء ، لا إلي الدين منتمية ولا إلي الدنيا ، فهي أمة لا هي دينية ولا هي دنيوية ، أمة جاهلة تُضحِك عليها الأمم بممارساتها البلهاء التي لا تنتمي إلي أي نهج معقول ، ولا إلي أي وضع إنساني كريم ، أمة غارقة في مستنقع من العبث المظلم، حفرت لنفسها هذا المستنقع بيدها ، تريد أن تبني بمعاول الهدم ، وتريد أن تتقدم بشروط التأخر ، وتريد أن تتحرر بأدوات العبودية . طيب ، ما المخرج إذن؟ ، المخرج هو أن نعلم أولاً ونعترف بأننا متخلفون ، وأن نعلم ثانياً أسباب هذا التخلف ، وأن نبدأ ثالثاً في علاج هذه الأسباب . الخروج من الظلام ليس صعباً إذا اشعلنا ضوءاً صغيراً، فالأضواء في أمتنا بدأ إطفاؤها منذ قرون ، منذ بدأت الصراعات الدينية والسياسة ، وبدلاً من أن نعيد إشعال ما إنطفأت من مصابيحنا ، نتصارع أكثر ، كالثور في مستودع الخزف ، فنطفئ مصابيح أخرى ، ثم أخرى ، حتى إنطفأت كل المصابيح ، وصرنا (في حندس نتصادم) كما قال شيخُنا المعرّي، وعلى ذكر شيخِنا المعرّي فإن أول ما يجب أن نتحسسه في هذا الظلام الدامس هو عقولنا ، أما زالت لنا عقول؟ ، ما لنا لا نسأل ، ما لنا لا نفقه شيئاً ، ما لنا لا نتعلم شيئاً ، ما لنا لا نخطط؟. إن أول شروط الخروج من هذا العصر المظلم هو قبول التحدي ، ولن ندرك هذا الشرط إلاّ بإصلاح الأفكار ، وإصلاح الأفكار يحتاج إلي صحوة ، تتحول إلي يقظة ، فنهضة ، فحضارة . إن اي تشخيص لتخلف أي أمة ، ينتهي إلي أن هناك خلل في أفراد هذه الأمة ، لا بد إذن من تغيير الإنسان الفرد في مفاهيمه ، وما دام الفرد كما هو فسوف يبقى الحال على ما هو عليه ، ويجب أن نعلم أن نهضات الأمم لا تتحقق بالمال ، فلدى كثير من الدول الإسلامية كثير من المال ، وبدلاً من أن تصرف هذه الدول أموالها في تغيير الإنسان ، وتسليحه بمفاهيم جديدة ، وتدريبه على الإنتاج ، إشترت بأموالها تمدن ، فشيدت المدن ، ورصفت الشوارع ، وعبّدت الطرق ، وبنت الكباري ، وركبت المصانع ، وأستوردت كل منتجات العصر من حضارات أخرى ، ولكنها لم تنهض ، وظل الإنسان فيها متخلفاً ، مزيف الوعي. بينما نرى أن هناك دول لم تكن تملك من المال شيئاً يذكر ، ولكنها صنعت إنسان منتج ، وحققت تنمية ، وأقامت حضارة ، فتوفرت عندها المال ، حتى جادت به على دولنا الفقيرة.

النهضة في معناها الأصل هي الميلاد الجديد ، أو القيام من حالة موات ، حدثت هذد الولادة الجديدة في أوروبا ، ولكن لم تتم هذه الولادة في أوروبا إلاّ بعد تغيير شروط (الزواج) بين الإنسان وأفكاره، إلاّ بعد طرح الأسئلة ، وتشريح المفاهيم ، وفرز أكوام الدنيا والدين. ولكننا مازلنا في عالمنا الإسلامي نعتبر أن الإستفادة من تجربة أوروبا في النهضة ضد الدين ، وأن نتعّلم الفلسفات التي قامت عليها تلك النهضة ضد الدين ، وأن تجربتهم في الخلاص من قبضة رجال الدين ، ضد الدين ، وأن فصل الدين عن الدولة أو تحويل الدولة إلي دولة مدنية ضد الدين ، وأن كل ما يأتينا من أوروبا ضد الدين ، وأن أوروبا لا شاغل لديها غير التآمر علينا وعلى ديننا. مثل حملات تطعيم شلل الأطفال قديماً ، التي رأى البعض أنها تستهدف فحولة رجال المسلمين وخصوبة نسائهم. ونحن ، في الوقت الذي نعتمد فيه كلية على منجزات النهضة الأوربية ، نعتبر أن إستنساخ التجربة الأوربية لا يجوز ، فنحن مسلمون وهم كفار ، لنا ديننا ولهم دين.
إن هذا الخلط المفاهيمي بينما هو ديني وبين ما هو دنيوي لهو أول ما يجب أن نصححه ، فلنا في تاريخنا الإسلامي ، مواقف فقهية عطّلت إمكانية النهضة بتدخل الفقهاء في ما لا يخص الدين من طرف ، فكلما جد جديد يقفز الفقهاء إلي التحفظ عليه ، وربما تحريمه ومنعه ، كمثال ، وأنا أورد هذا المثال لأنه متعلق مباشرة بأسباب النهضة الأوربية من ناحية ، وأسباب تخلفنا من ناحية أخرى ، وهو إختراع المطبعة ، فعندما أُختُرعت المطبعة في ألمانيا عام 1448 م ، أصدر الفقهاء راياً بعدم إستجلاب المطبعة ، وحرموا دخولها في الدول الإسلامية ، بل وصل الأمر إلي تكفير من يستخدمها وجوزوا إعدامه ، خوفاً من أن تكون هناك مؤامرة خبيثة وراء المطبعة التي سوف تأتينا ، فقد تكون مصممة لتحريف المصاحف عند طباعتها ، وربما تتيح المطبعة فرصة للناس لطباعة كتب غير شرعية ، وخوفاً على الذين سوف يعملون على هذه المطابع من مس الجن المصاحب لها ، وهكذا تأخرت المطبعة من الوصول إلينا 350 عاماً ، وتخيلوا كم من الكتب كان يمكن طباعتها ونشرها ، وكم من المعرفة حُجبت عن الناس ، وكم تأخرنا من اللحاق بركب التقدم ، وأمثلة أخري كثيرة ، من تحريم الوضوء بماء الماسورة أو الحنفية ، إلي الدراجة الهوائية وجهاز إرسال البرقيات، ثم الراديو، فالتلفزيون، مرورا بأجهزة الفيديو، وصحون الاستقبال الفضائية، والهواتف المزودة بكاميرا، كلها حرمت في بداياتها في بعض الدول الإسلامية ، بحجة أنها مفسدة وتساعد على نشر الرذيلة والمنكرات . وقس على هذا كل التدخلات والفتاوى الفقهية التي تصاحب كل شئ جديد ، في كل المجالات ، آخرها ما خرج به علينا بعض الفقهاء من أن فيروس الكرونا لا يصيب المسلمين ، وقد وقع في يدي ما سُمي بـ (توصيات ندوة “فيروس كورونا المستجد وما يتعلق به من معالجات طبية وأحكام شرعية”) ، وهي توصيات صادرة عن (مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي) بتاريخ: 20/04/2020 ، جاءت التوصيات في 24 فقرة ، ضمت 20 فتوى وتوجيهاً فقهياً خاصاً بجائحة كرونا ، الفتاوى والتوجيهات موجودة أون لاين لمن أراد الإطلاع عليها ، ولمن لديه وقت وبال ، فهي طويلة جداً ومملة جداً ، وفي مجملها (ضحك على الدقون) ، ومحاولة لإبقاء سلطة الفقيه ، تتحدث هذه الفتاوى أنه (يجوز) للحاكم إتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذا الوباء ، وكأن هذه مسألة تحتاج إلي فتوى تجوز وتحرم ، ثم إرشادات طبية من منظور فقي للعامة ، وهذه دلالة بائنة على أن الفقهاء يعتقدون أن العامة من الناس ما زالوا عامة كما كانوا في الماضي ، أميين يحتاجون لمن يفقهم في الدين والدنيا ، وأن الفقهاء يمكنهم الإستمرار في دور المعلم والموجه والأستاذ. كل المعلومات التي جاءت في التوصيات يعلمها رجل الشارع وصبيانه من مصادر لا علاقة لها بالفقه والفتاوى ، لم تعد هذه المسائل في حوجة إلي إفتاءات ، والضجة الفقهية التي صاحبت الجائحة ، إنما هي محاولة من الفقهاء للإبقاء على مكانتهم الإجتماعية.
نواصل

fageer05@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً