دوّامة التُوهان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجا (17) .. بقلم: محمد فقيري – تورنتو
يضع الكثير من الناس حاكمية الله ، أي أن الحكم لله ، مقابل أي حكم وضعي ، من ضمنه العلمانية ، ولأنهم يضعون الحاكمية الإلهية مقابل الحاكمية البشرية ، فهم يُكفّرون من يَحْكم بِحُكم وضعي بشري ، ولكن ، أولاً ، أشير بهذه المناسبة إلي مسألة جدلية في مسائل الحُكم ، فهذا (الحُكم) التكفيري لمن يَحْكم بغير ما أنزل الله يلغي حُكم تحريم الخروج على الحاكم الجائر ، حتى لو لم يظهر منه ما يكفره ، فمجرد حكمه بغير ما أنزل الله يدخله في دائرة الكفر المستنبط من الآيات 44 و45 و47 من سورة المائدة ، كما يفهمها البعض ، فالحاكم الجائر بالضرورة كافر وظالم وفاسق ، ولا أدري كيف لا يجوز الخروج عليه؟، هذا تعليق عارض ، ذكرته لأنه مرتبط بقضية الحاكمية ، إذ يستشهد خصوم العلمانية بهذه الآيات الكريمة من سورة المائدة في رفضهم للعلمانية ، بإعتبار أن العلمانية تخالف آيات الحاكمية ، وأن آيات الحاكمية تفرض على الناس الحكم بما أنزل الله ، أي أن الحكم بما أنزل الله فريضة ، يَكْفُر من يتركها ويحْكُم بغيرها ، ولكن ، لا سياق الآيات ولا تفاسيرها ، تدل على أن الحاكمية هنا هو الحُكم السياسي التشريعي ، أي سلطة الدولة وشئون الحُكم فيها وسياساتها الداخلية والخارجية ، فليس في نصوص الإسلام من قرآن وسُنة نص يوضح كيفية إختيار الحاكم ، وليس هناك نص يأسس طريقة سلمية لتبادل السلطة ، وأما إحالة أنصار الحاكمية لنا إلي ما إتّبعه الصحابة بعد الرسول فخير لهم أن يسكتوا عنه ، وخير لنا أن ألاّ نتحدث به ، وخير للجميع ألاّ نتّبعه ، إذ ليس فينا من يريد الإقتتال وإراقة الدماء ، وليس فينا من يريد أن يشهد فتنة أخرى ، وليس فينا من يريد موقعة جمل أخرى ، ، ولا أن يشهد صفين ولا نهروان ، حيث بدأت قضية الحاكمية ، وليس فينا من يريد لأحد مصير الخلفاء من بعد ذلك.
لا توجد تعليقات
