“عوارض” الحراك الديمقراطي: النظرية تطرح شرحا لأصول “لعبة الإنتقال” نحو الديمقراطية, وأسبابا أكثر منطقية للفشل مما يبدو من حال الحراك الأيديولوجي
ديمقراطيات إنفجارية (5): إستعراض لورقة بحثية مضى عليها أكثر من ربع قرن: عرض وتحرير مازن سخاروف
قبل أن أمضي قدما في سابع مقالاتنا (ترتيب عادي من 1 لـ 5, تخلله حلقتان صفر ألف وباء), ألخص ما ذكرته في المقالة السابقة عن ورقة بحثية نـُـشرت في السنوات الأولى من تسعينات القرن العشرين لبروف آدم بـْشي-فورسكي, والتي كانت بعنوان, لعبة (ألعاب في العنوان الأصل) فترة الإنتقال (1) أو
The Games of Transition
والتي كما ذكرنا يتحدث كاتبها عن أشياء في غاية الأهمية فيما يتعلق بحراك الديموقراطية في زمان الدكتاتورية حين تحصل خلخلة في البناء الفوقي للسلطة.
المحور الأساسي للورقة يناقش جوهر “المسار” في عملية الإنتقال – الجوهر الذي يطرح فرضية أساسية تقترح أن “الطريق إلى الديمقراطية ملغـّم”, وأن “النتيجة النهائية تعتمد على المسار المتبع.” وذلك بمقتضى أهم مشكلة في لعبة الإنتقال, أي كيفية الوصول إلى الديمقراطية في وجود محتكري السلاح القاتل والمتحكمين في موارد الإنتاج. ما لم يقله الكاتب وسنفصله لاحقا, أن الإنتقالات نحو الدمقراطية ليست كلها واحدة, لأن محابل الإنتقال تخلقها ثالوث من توازنات بمقادير متفاوتة بمكان. أما تلكم التوازنات فقد ذكرها الكاتب مجملا كـ: مزيج اتفاقات وتناقضات المشاركين في لعبة الإنتقال, ركام (أو تركة) أحداث سابقة, كما ظروف خارجية.
أخطر ما في الأمر, إذن الموازين الخارجية للعبة الإنتقال, والتي تستطيع عمل تغييرات للأوضاع إصطناعيا كما تطويع التغيرات الطبيعية الميدانية لخلق آلية لغربلة, تلاعب بـ, إستبدال, ابعاد (وحتى تصفية) لاعبين شتى رغم إرادة اللاعبين. ومن هنا تلغيم أرضية الإتزان المطلوب لتحقيق الأهداف المرجوة وحرف المسار للمخاضات التي تكبدت تضحيات جسيمة, من محابل دمقراطيات مستقرة (جذّابات) مطموح إليها إلى دمقراطيات إنفجارية غير قابلة للبقاء.
إلى أيّ مدى يمكن عقلنة “موازنات” الإنتقال في “النظرية”؟ “لازمة بْشيفورسكي”
وفقا للكاتب, فإن الباحث الساعي لتحليل مآلات الإنتقال لن يتعثر سعيه وحسب إن ركض في إثر اللاعبين كما يظهرون (ويتبدلون) بين منعطفات الإنتقال, بل هناك فرضية قوية أن باحثا كهذا سيُمنى بـ “الإنتكاص” (أو رجوع إلى مرحلة بدائية) من بعد خيبة أمله ورجوعه إلى مبتدأ أوراقه غضبان أسفا. لماذا؟ لأن بْشيفورْسكي كما اقترحنا لسان حاله يقول, دعك “من شايب الشيريا” وسلط الكشاف على “الآس”: غرِبل موازين اللعبة وامضِ مباشرة إلى ثالثتهن التي أقوى, أي الظروف الخارجية التي تـُبدَل مجريات الأمور رغما عن إرادة اللاعبين. ما يبدو بجلاء هنا هو تحيز نظري
theoretical bias
عند بْشيفورْسكي في لعبة الإنتقال. فهو يضع اللاعبين المشاركين في اللعبة ظاهريا على الأقل كأسباب ظرفية وحسب تشكـّلها مسببات أمضى وأقوى مما يود أو يبغض المشاركون عمله أو الإمتناع عنه. بكلمات أخرى وبشيئ من التعمييم, “الأوضاع الإستراتيجية” أو الحالات المتباينة لمآلات الإنتقال ليس جوهرهن مجرد توصيف لثالوث من الأشياء: واحد,”قوى سياسية (أو لاعبون مشاركون\متبدلون بين منعطفات الإنتقال)؛ إثنان, ظروف خلقتها أحداث سابقة؛ وثالثا ظروف خارجية .. بل إن ذلك التوصيف (بالضرورة) يُعبّر عن خضوع اللاعبين في النهاية للظروف الخارجية المهيمنة على فترة الإنتقال! هذا الإخضاع ليس نظرية جديدة في الحراك الإجتماعي, لكنه في الحراك الإجتماعي مشابه في تقديري لـ”لازمات” موازية له, مثلا في الإقتصاد السياسي عند مُنـظـّري الإعتمادية
Dependency theorists
على سبيل المثال. إخضاع اللاعبين للظروف الخارجية (الأيادي غير الظاهرة في لعبة الإنتقال) عند بْشيفورْسكي هو شرطية بنائية
Structural condition
“قاهرة وموجودة في منطق أعلى لنظام الإنتقال نفسه”. وهذا مواز بتطابق يلفت النظر لتعريف الإعتمادية (أو تبعية الهامش للمركز – بشكل أو بآخر). ذلكم الطرح أدلى به فرانك (2) وفالـَشْتاين (3), وسمير أمين (4), ضمن آخرين. لن أدخل هنا في تخريجات الإعتمادية والسجالات النظرية في تطورها. سأدع حوارات الـ
polemics
حول الإعتمادية داخل بيت الإشتراكية, كما المقارعات مع نقادها جانبا. فهذا كله موثق ومتصل. روح الإعتمادية هي ما أقِرُّه هنا – أي تبعية أو إتباع الهامش للمركز– بصورة أدق إختلال العلاقة في كل تخريجات النظرية بين الإثنين لصالح الذي له تسع وتسعون نعجة فقال أكفلنيها وعَـَزّني (هو) في الخطاب. إذا كان كل ذلك سليما ومنطقيا, فللقارئ أن يسأل: أين تلتقي الإعتماديات في إلحاق الهامش بالمركز في الإقتصاد السياسي عند سمير أمين وإيمانويل فالـَشتانين وفرانك وسويزي ضمن آخرين؛ وفي إتْباع لاعبي الإنتقال (بصرف النظر عن إراداتهم الطوعية) بـ”الآلية الخارجية الخفية” في حراك الإنتقال عند بْشيفورْسكي الذي نحن بصدده؟ للإجابة على السؤال خضَضْت “بُخسة” البحث فـ”نزّت” أحد أعمال لينين القديم الجديد بكل ما به من جدلية: “الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية”. يبدو لي أن حلا لذلك البرج البابلي عن “البجمعهم شنو والبفرقهم منو” يكمن في “كمكون” إمبرياليات في كل المدارس الفكرية: سياسيا في إتـْباع المستعمَر للمستعمِر؛ برلمانيا في إتباع برلمانات المستعمرات الطامحة للـ”الإستقلال” بالبرلمان الإمبريالي (5)
the Imperial Parliament
؛ إقتصاديا في إتباع هامش بمركز؛ وحتى منطقيا في إتباع منحى تفكير “زول ساااااي في الدنيا” لـجذوة فكرية متقدة (زعما) عند اليهودي تتلبس “عقلانية إمبريالية مشتعلة حماسا” (6):
d’impérialisme passionné de la raison
الوصف الأخير إستعرْته من سارتر (إنظر الهامش أسفله).
الذي نحن بصدده هو “منطق” قادر على تفسير المتناقضات: فتعثر الهامش في أخذ حقوقه تفسيرُه في (إختلال علاقته بـ) إمبريالية المركز؛ والتشوه في نظرية علم الإجتماع بأكملها مردُّه إلى بارادايم اليوروسنترية (حيث يتحدى البارادايم النظرية) (7)؛ والتأمل في وجودية وكينونة المسائل العامة للإنسانية يُخلخلُه خصوصية الوجودية اليهودية وإسقاط وصايتها (سمات كما إرث الشخصية) على الفكر فتُكْسبه (حسب هذا المنطق) عالميته (دون ذلك هو مجرد فكر محلي لا يرقى للعالمية)؛ وتبدل اللاعبين بين منعطفات الإنتقال عند بْشيفورْسكي إجابته في طابق علوي للإنتقال لديه آلية مهيمنة لتغيير اللاعبين (مثل تغيير قنوات التلفاز عن طريق الريموت), وليس اللاعبين وحسب بل وجهة مسار الإنتقال ذاته. وما نحن بصدده أيضا لديه تأويل من وحي ذات المنطق حتى للتناقضات الداخلية للمهيمَن عليه. فالبيئة التي “قد, وقد لا تؤثر”
L’environnement sera ou sera pas
تؤثر فعلا عند الخصم العالمثالثي الذي يُعتبر مجرد ضحية لبيئته القاهرة. فهو حتى حين تأتيه الفرصة واعدة, غراءَ فرعاءَ مصقولا عوارضُها, فهو سيضيعها لا محالة إما بسبب “تعاسته” المنبِئ عنها لعنةُ حام في العهد القديم (فكرة عبقرية من إختراع الحاخامات)؛ أو بسبب عجزه أن يكون إداريا ينجح في ترويض البيئة, بما يشمل عمل نظام ديمقراطي “مستقر” في دورات الديمقراطية, أو في سعي الوصول للديمقراطية خلال فترة الإنتقال.
وذات البيئة القاهرة لإنسانها يمكن في لحظة تنحيتها جانبا وإفراغها من محتواها إزاء إرادة عليا خارجية يمثلها (حسب الحاجة) رسل الأنقلوساكسون للسلام, أو ألية تدخل الأمم المتحدة, أو حتى غزو عسكري من النيتو.
الخلاصة أن طرح بْشيفورْسكي الذي يصنف مآلات الديمقراطية في الإنتقال ليس في نظرنا سوى إعادة اختراع للعجلة – إسقاط من “إعتمادية الإقتصاد السياسي” على إعتمادية في مضمار حراكٍ لفترة الإنتقال مفتاح التحكم فيه خارج بيئة اللعبة المحلية. ومالم يقله الرجل بصريح العبارة وتركه في بطن راويه كما تقدّم إن الخيارات المطروحة الثلاث: مآلات لديمقراطيات ركونية (مستقرة نسبيا), أو جذّابات لديمقراطيات مستقرة فعلا\آيلة للإستقرار “آنما أدركهن المسار”, أو أختهن “الأخرى” (الشاذ دون القاعدة), أي الديمقراطيات الإنفجارية, مثل التي في السودان لا تعني أن كل ثلاثتهن بالضرورة مفتوح إحتمال تحققهن بذات النسبة عند كل بيئة إنتقال. فكل ما هندسهُ بْشيفورْسكي هو عمل ترتيب لـ”حظوظ الديمقراطيات”. بكلمات من عندي:
A ‘viability index’ for (reaching) ‘democracy’ in a given transition.
Failure (or success) is in, theory a function of the trajectory, where ALL outcomes have chances. In practice, however determination of outcomes is external to the local coordinates of the games ‘in transition’ being played. In other words, open to manipulation by external actors.
كيف يمكن مقارعة إمبريالية كهذه محفورة حفرا في أخاديد الخطاب؟ هذا أشبه بقعدات الذين لا شغل لهم ولا “مشغلة” سوى مراقبة الشارع ترقبا لعثرات المارة: “العربية دي حتوحل … ما قلت ليكم حتوحل”. الفرق بين من هو جزء من الحل وبين من هو جزء لا يتجزء من المشكلة, أن الأول لا يألو جهدا في تنبيه صاحب العربة من كبوات الطريق. أما الآخر فهو من “يُفوّل” على العربة وسائقها بالسقوط في معاثر الطريق, ليقول له من بعد السقوط, “إنت ما كان تخلي بالك” الشارع ده أصلا جنس عربيتك دي ما بتمشي فيه. إنت الجابك الِحلة دي شنو ذاتو كان ما شلاقة منك. 🙂
النهاية: إن هناك فعلا “عقلانية إمبريالية مشتعلة حماسا” وتدرك (من سابق خبرة) عثرات معابر الإنتقال. بل يمكن أن تكون صاحبة العقلانية شركة حفريات لتخريب الطريق ليلا, ورصفه للناس نهارا. هل هناك حل سوى إنتزاع امتياز رصف الطريق قبل السقوط في حفرة ومستحقات التأمين من بعد السقوط من شركات الحفر؟ دون ذلك فهي “لازمة بْشيفورْسكي”, أو ديمقراطيات إنفجارية في بلادنا.
————
(1) كما في الهامش (1) في المقالة السابقة (السادسة في ترتيب المقالات), ومشباكها بالأسفل
(6) سأذكر الهامش السادس فقط لاعتبارات الوقت:
جان بول سارتر, تأملات في المسألة اليهودية (بالفرنسية):
Réflexions sur la question juive , Paris, 1956, p.146
*********
رابطة الحلقة السابقة والسادسة في ترتيب المقالات, ديمقراطيات إنفجارية (4): الخوازيق, الأنقلوساكسون, الإنقلابات ولعبة فترة الإنتقال:
https://sudanile8247.live-website.com/%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%86%d9%81%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9-4-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%88%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%86%d9%82/
إفتتاحية المقالات هنا, ديمقراطيات إنفجارية (1): الخوازيق, الأنقلوساكسون, الإنقلابات ولعبة فترة الإنتقال .. بقلم: مازن سخاروف:
https://sudanile8247.live-website.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-1-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D9%82/
رابط ثاني المقالات, ديمقراطيات انفجارية (0.أ) : دخاخينك. “دقسة” سودانايل, وإقحام إسرائيل في إنقلاب البرهان هنا:
https://sudanile8247.live-website.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-0-%D8%A3-%D8%AF%D8%AE%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D9%86%D9%83-%D8%AF%D9%82%D8%B3%D8%A9/
رابط ثالثة المقالات, ديمقراطيات انفجارية (0.ب): السياسة في السودان و”المشكلة الأنقلوساكسونية” هنا:
https://sudanile8247.live-website.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-0-%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3/
رابط المقالة الرابعة في ترتيب المقالات, بعنوان, ديمقراطيات انفجارية (2) خبايا الانقلاب الأمريكي: جفري لـَبَدْ والبرهان يبصم بس هنا:
https://sudanile8247.live-website.com/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9-2-%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7/
رابط المقالة الخامسة في الترتيب بعنوان, ” بعد إنقلاب الانقلوساكسون يأتي الإبتزاز وشق الشارع”:
https://sudanile8247.live-website.com/%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a5%d9%86%d9%81%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%a9-3-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%a5%d9%86%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86/
==
مازن سخاروف, 31 أكتوبر 2021
jsmtaz2014@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم