دَوَّامة التّوْهـــان بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين .. الإلتصاق الصفيق والبُعد السحيق .. السودان نموذجاً (2) .. بقلم: محمد فقيري
كان النموذج السوداني صارخاً في قُبحه ، دميماً في منظره ومخبره ، سيئاً في نتيجته ، وكان التناقض بين الشعارات والأفعال لا مثيل له في التاريخ ، ولا أجدني مضطراً إلي ضرب أمثلة أو ذكر تفاصيل ، إذ يعلم الداني والقاصي من السودانيين وغيرهم تباين الفعل مع القول ، وتناقض الشعارات مع الممارسات ، ولكن ، ما يدعو إلي العجب ، أنهم ، بعد الثورة عليهم وإزاحتهم من السلطة ، يريدون العودة بنفس الشعارات ، فهم ، غير قادرين على النوم الهنئ الذي نعموا به أيام السطو والنهب والسرقة وتعذيب البشر ، إذ كانوا يخلدون إلي فرشهم الوثيرة بعد الإطمئنان من أنهم أدوا (فرائض) و(سُنن) و(نوافل) الكوزنة البغيضة ، وما زالوا يملؤون الشوارع والأسافير بصراخ هستيري سببه (جرثومة) الإجرام الكيزاني المزمن الذي يسيطر على أخلاقهم الدنيئة وصفاتهم الرزيلة ، ولكننا نعذرهم ، فهذا رد فعل لمن فقد (هملة) واردات الدولة و(بيت مالها) السائب ، الذي أكلوا منه سحتاً ، ونهيوا منه حراماً ، دون أن يرمش لهم جفن ، ودون أي إحساس أو وازع ديني أو أخلاقي أو إنساني ، المال الذي سال له لعابهم المُقرف وما زال ، لم يخطر ببالهم أنهم إنما كانوا يأكلون أموال اليتامى والأرامل والرُضع والمرضى والفقراء والمساكين ، وكل هؤلاء فئات لا يضيع الله حقوقهم ، إذ ينتقم لهم في الدنيا والآخرة ، ولكن الإسلاميين في سكرتهم ، تناسوا أن حرمة المال العام من أمهات الكبائر ، ومن الصفاقة أن يلبس أحدهم أغلى الملابس ، ويتعطر بأغلى العطور ، ويمطي الفارهة من السيارات ، ويشيد أفخر القصور ، ويثني ويثلث ويربّع الزوجات ، ويبعث زوجاته وأبنائه إلي (دول الكفر) للتعليم والعلاج على حساب الدولة ، كلها من المال العام ، ثم يخرج مكبراً مهللاً ، ويصم آذان الناس بصياح الله أكبر ، ولا إله إلاّ الله ، وهي لله ، وما لدنيا قد عملنا ، مُدعماً كل ذلك النفاق بإعفاء اللحية ،ورفع أصبع السبابة ، يخرج ليتحدث عن حرمة الزنا ، أو حرمة الشروع في الزنا ، أو حرمة شرب الخمر أو يقيم الدنيا ولا يقعدها لأن إحداهن خرجت بملابس يعتبرها هو غير محتشمة ، أو يتحدث عن القلوب الطاهرة ، والايادي المتوضئة ، ويدخل في هستيرية الله أكبر ولا إله إلاّ الله ، ويتحدث عن إسلامية مشروعه وحركته التي ينتمي إليها ، وهو نفسه ، هذا المنافق ، يشارك ويخطط وينفذ ما يفوق خطط الشيطان في الفساد ، من تعدي حتى على أموال الحج والعُمرة والأوقاف ، دعك من التعدي على خزينة الدولة وأموال البنك المركزي والشركات والمؤسسات العامة ، وما وصلوه من تدني أخلاقي وعدم عفة يد ولسان تنوء عنه الجبال ، كل هذا الإجرام يختبئ تحت شعار الله أكبر وهي لله ، كل هذا الفساد تمكنوا منه بإسم الدين ، تناقض صارخ وعجيب. ومهما كان ، ومهما ظن الناس ، إذا لم يُبعد الدين عن السياسة ، فالدين هو الخاسر.
لا توجد تعليقات
