دَوَّامة التّوْهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الالتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (10) .. بقلم: محمد فقيري
وعند اليهود سيطر الخاخامات على الحياة بإعتبار أنهم هم فقط الذين يفهمون التوراة ، وأفهموا الناس أن مخالفتهم هي مخالفة لله ، وان الخروج عليهم كفر. أما عند المسيحيين فحدث ولا حرج ، كانت الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي تسيطر على مناطق واسعة من العالم ، وكانت روما هي حاضرة العالم حينها ، فيها أول برلمان في العالم ، وتملك جيشاً ضخماً ، كان الرومانيون قد إستفادوا من الإنتاج الفلسفي اليوناني ، والأسئلة الفكرية الكبري التي طرحها اليونانيون إرتكازاً على أفكار من سبقوهم من الحضارات الآشورية والبابلية والكلدانية وحضارة وادي النيل ، وكانت الأسئلة الكبري نظرية عند اليونانيين ، فأخذالرومان في تطبيقها عملياً وكونوا بها واقعاً معاشاً فظهرت روما ، كحاضرة لإوروبا كلها ، وجاء قانون روما ، وكونوا أول مجلس شيوخ في العالم ، وكونوا جيشاً عظيماً إحتلوا به مناطق واسعة ، وإنتشر التعليم ، وإنتشرت الفلسفة بأفكارها وأسئلتها بصورة واسعة ، ولكن ، وفي منتصف القرن الرابع حدثت نكسة كبيرة لهذه الحضارة ، دخل الجرمان وإحتلوا روما وهدموا الحضارة الرومانية، والجرمان شعوب بدوية محاربة ، كانوا أميين لا يقرؤون ولا يكتبون ، فمنعوا القراءة والكتابة والفلسفة ، وإعتنقوا الدين المسيحي ، في تلك اللحظة ، وجدت الكنيسة فرصة ذهبية ، لأن الفلاسفة والمفكريين كانوا ينتقدون الدين ويسألون عن كل شئ ، ويودون فلسفة كل الأمور ، وأصبح لهم آراء في الطبيعة وما وراء الطبيعة ، وكانوا في حرب مع الكنيسة ، فإنتهزت الكنيسة الفرصة وأيدت الجرمان في منع الفلسفة والقراءة والكتابة ، وتسلط رجال الدين المسيحي على رقاب العباد ، وقالوا للناس أن الكتاب المقدس يحتوي على كل العلوم ، ولا علم خارج الكتاب المقدس ، وعلى الناس أن يسألوا الكنيسة إذا أرادوا معرفة أي شئ في أي مجال ، وإحتكروا حق تفسير الكتاب المقدس المكتوب باللغة اللاتينية التي لا يفهمها الناس ، وقالوا أن الإنسان غير طاهر ولابد أن يتطهر عن طريق الكنيسة ، وأن لا مجال لدخول الجنة إلاّ عن طريق الكهنة ، ولا بد للإنسان أن يتحصل على صك من صكوك الغفران للوصول إلي الجنة ، وهكذا دخلت أوروبا في عصور الظلام التي سُميت بالعصور الوسطى ، عاشت أوروبا من القرن الخامس حتى القرن الخامس عشر في ظلام كامل وتدهور مريع فى كافة مناحى الحياة ، وعاني الفلاسفة والمفكرون الأمرين تحت رحمة رجال الكنيسة ، الذين حاربوا كل شئ جديد ، وكفروا العلماء ، وأخذوا في قتلهم بتهم الزندقة ، وسيطر رجال الدين على عقول البسطاء.
لا توجد تعليقات
