دُرْدُمْ  وأخواتها… أمم أمثالكم  .. بقلم: محمد صالح البشر تريكو

لا تزال المعركة بين خيوط الظلام وشعاع البواح متكافئة، أبوي في مصلاته المدبوغة  من جلد أسد كامل، يداعب المسبحة، داخل التُكل من الناحية الشمالية للدار،  والدتي في آن واحد، تعد الشاي ووجبة الفطور، دفعة واحدة نهضت من مرقدي، إذ يصادف ذاك اليوم شرب البقيرات وهي مهمة يمكن تكون ساهلة تستغرق ساعة زمن ويمكن تطول  لأيام بسبب أعطال ماكينات محطات المياه، في طرف الغابة طائر أبوندلك يغرد لتنبيه القرويين إن الشمس  في الصباح ستكون ناراً موقدةً ، قال ابوي أسرع قبل أن تتوقف ماكينة دونكي دقدوق، نبوءته مستندة على أن الشمس الحارة ستعطل الوابور وعرف حرارة الشمس من طائر أبوندلك، للقرويين مقدرة كبيرة في قراءة المستقبل، إذا ظهر الهلال في الأفق تتجه قوساه نحو الشمال او الجنوب – ضراية – ففي هذا العام يضرب البلد شبع وما الهلال إلا تشبيه للنسوة اللائي يمسكن بالطبق لتنظيف العيش، إذا ظهر الهلال وقوساه الي الأعلى فهذا سرج أي حرب ويستعد الرجال للحرب بشراء الأسلحة والذخائر، أثناء انشغالي باسراج حماري (الحمام طار) هذا إسمه، نهضت دردم واقفة تنظر ناحيتي، هي بقرة تسر الناظرين، تظهر مدردمة اذا استدبرتها، براسها قرنان في شكل قوسين ، خاطبتها دردم يئئ يئئ، ردت حُح حُح، ركزت عكازتي جنب الحمار ووضعت يدي على السرج، بخفة عفصور امتطيت الحمار، وجهتي  شرقاً نحو دونكي دقدوق ، لأن دردم سيدة البقيرات، تسير في مقدمتهن، تبعتني في ذيل حماري بالسرعة ذاتها وأخواتها من الخلف مثل حبات سبحة انفرط خيطها، في تلك المرحلة من العمر، كنت مزهواً بنفسي، اعتبر ان الدنيا حسب فهمي البسيط للحياة  يومها، قد منحتني،  لا يعكر صفو دنيتي إلا شهر أكتوبر موعد بداية العام الدراسي، رغبتي في مواصلة الدراسة ضعيفة، أملي ان أعيش في جلباب أبي، كان يجمع السلطتين الدينية والدنيوية ( إمام وخطيب الجمعة والعيدين في المنطقة وشيخ مجلسها، كثير ما شاهدت لصوصاً  مربوطين في شجرة الهبيل وسط بيتنا، عربات السلطة الأعلى في ريفي الفردوس بشرق دارفور بين الفينة والأخرى ترسم اطاراتها في رمال حلتنا، وكأنها ضفائر عائشة عيسى، هذه عجلات عربة العمدة محمود خالد عليه الرحمة وتلك اطارات ليلى حراز وهي عربة ليلى علوي  تنسب لعمنا رئيس المجلس الريفي محمد حراز، قبلهما يمكن أن تجد حكمدار شرطة الفردوس المساعد ضؤالبيت، أسمع أزيز ماكينة الدونكي بوضوح ثم يغيب وسط خوار البقر العاطشات، ثم توقفت الماكينة تصديقاً للطائر، البقر صيف جمر وخريف تمر، رضيت بالمعاناة المتوقعة ، قلت لنفسي لابد من مخالفة الرعاة إذا اتجهوا نحو أبي سنيدرة، اتجهت نحو الجرة، المشكلة في كيفية إقناع البقيرات بالذهاب من مورد الماء الي مكان آخر، هذه مهمة يقوم بها في الأساس شخصين الراعي ودليل البقر، بالإشارة شرحت لبقرتي الموقف ثم تحركت غرباً، نكزت دردم كم بقرة من الخلف استجابت جميعها تبعتني  ، في منطقة الجرة  وجدنا (انا ودردم) هي فقط تتعامل كالبشر، أعداد كبيرة من الأبقار هنالك زحمة كبير وسط طالبي ماء شرب الإنسان، تركت مهمة قرع البقيرات لدردم لأن دخول ابقار من دون إذن كاتب المحطة تعتبر جريمة ، كاتب الجرة عبدالعزيز ذو صوت  جهور وعصبي المزاج ، رفضت اللجنة في بوابة الدونكي  تسجيل اسمي ضمن قائمة أصحاب البهائم ، بحجة الأولوية للمواطنين، والأجانب ماعندهم فرصة ، تقع الجرة من الناحية الشرقية من دار الهبانية وهي أقرب لمنطقتنا التي تقع من الناحية الغربية لدارالرزيقات، عدت الي بقيراتي بهمٍ يصعب على جبل مرةحمله، نظرت الي البقرات تتلوى من العطش، هذه زريق الماخض – في بطنها عجل- اذا لم تشرب ماء اليوم ستُجهض، خطر على بالي عمدة منطقة الجرة عبيدالله ابراهيم، سألني عن صحة والدي وعمي يوسف رفيقه في وقت غابر في مهمة جلب الخيل من فور برنقا، بشاشته كسرت حاجز رهبة السلطة التي تكسيه، يا ناس (عايزين) تفضحونا ولا كيف؟ هكذا خاطب لجنة الدونكي وأضاف اذا ماتت بقرة من بقرات فكي البشر بالعطش ندس راسنا (وين) في الكلكة ، تم تسجيلي بالرقم 139 في كشف اصحاب البقر، لحظتها شعرت بعطش شديد، شربت من اقرب حوض ماء، ثم عدت الي دردم، في السماء عادت الحرب بين الظلام والضؤ من جديد، هذه المرة الغلبة كانت للظلام، احتل  الكون ظلمات بعضها فوق بعض، سألت عن دروي في الكشف ولكنه لا زال بعييد، حسبت الزمن المتبقي من الفجر  والمدة التي تستغرقها كل مراح في الشرب ، تأكدت ان الحصول على الماء لا زال صعب، حسمت أمري بالذهاب الي دونكي ابيض الواقع  جنوب منطقة الجرة مسافة لا  تقل عن الساعتين بسرعة الحمام طار، لجأت للمرة الثانية الي دردم لتساعدني في اقناع البقيرات بالذهاب من محطة المياه التي يشممن رائحة مياهها الي صحراء في اتجاه الجنوب، في الساعة الثالثة من صباح الليلة المظلمة وصلت محطة مياه ابيض، ايقظت أقرب جيران الدونكي بستفسر عن منزل كاتبه، قبل انتصار الفجر مرة أخرى شربت بقراتي الماء ثم شربت، دردم بقرة مُكْشاف (حنونة) تلد كل سنة، رفقة بنا تلد في العادة في شهر أبريل وقت شح اللبن، في العام الذي أصبح  ولدها فحل البقيرات رفضت العشار، حاول أن يتابعها لما شم فيها رائحة الخصوبة ولكنها طعنته طعنة قضى ايام تحت العلاج، سمنت لدرجة كبيرة في عامها ذاك ، اكلت عشب اللصيق، نفخها ثم ماتت، حزنت عليها كل القرية ورفضت والدتي اكل لحمها قائلة انا ما باكل لحم زول.
ikobasher@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً