عبد الله علي إبراهيم
(لم تكن الحرب ضربة لازب ولكن ما دامت وقعت فلتكن الشق الذي يأتي منه النور ولننهض كما قال همنغواي من الموضع الذي انكسرنا بالحرب فيه)
ملخص
(لا غرو أن الحرب هي مقبرة السردية الوطنية المنتظر أن تلم شعث الأمة كما وصفناها هنا: سيمفونية رحبة بالأصوات. وخرجت بالحرب سردية مظلومية الهامش والعرق لفرض نفسها سردية للوطن، والمفارقة أنها لم
تخرج من سدنتها التقليديين من مسلحي الهامش وحليفتهم القوى المدنية الديمقراطية، بل على يد “الدعم السريع” التي لم تأل جهداً في حربها لأكثر من عقد خدمة للمركز).
نشر الكاتب الصحافي عبداللطيف البوني أخيراً عدداً من المقالات عن وقائع من أيامه بعد احتلال قوات “الدعم السريع” ولاية الجزيرة، التي تقع قريته “اللعوتة” إلى شمالها، في الـ18 من ديسمبر 2023، وذكر واقعة من وقائع نزوحهم من ويلات “الدعم” اضطرتهم إلى الفرار إلى كمبو زالنجي القريب منهم، وعن إحسان أهله ضيافتهم.
لن تجد في أدبياتنا السياسية ذكراً لمثل ما جاء به البوني من مكارم تقع بين مثل أهل البوني وأهل الكمبو، بل دقت هذه الأدبيات إسفيناً بين هؤلاء الجيران. فلا تذكر مثل أهل البوني، من العرب، وأهل الكمبو، من
الأفارقة، إلا بمصطلح عرقي جعل الجفاء بينهما من المعلوم بالضرورة في سياسات العرق والعنصرية التي تكاثفت في السودان منذ العقد الثامن من القرن الماضي.
ولنعرّف أولاً بـ”الكمبو” وجمعها “الكنابي”.
فالكلمة من “معسكر” (camp) الإنجليزية، وهو سلسلة قرى في ولاية الجزيرة نشأت من “معسكرات” بالمعنى الدقيق للكلمة أوى إليها وافدون من إقليم دارفور وحتى تشاد خلال اشتغالهم كعمال زراعيين في موسم جني القطن بمشروع الجزيرة. وكانت سياسة الاستعمار الإنجليزي، الذي أقام مشروع الجزيرة في 1926، أن تعيد أولئك العمال إلى بلادهم متى انتهت مهمتهم، وقصرت سكناهم على “رواكيب” من مواد محلية تشيد في وسط الحواشات (مزارع القطن) تفكك بانتهاء الموسم الزراعي.
ومع استقلال السودان في 1956 رفعت الحكومة عنهم تلك الرحلة الشقية فصار يستقر من شاء منهم حيث هو عند القرى التي خدم في زراعة أهلها. وصار الكمبو قرية في حد ذاتها، وامتلك بعض أهلها حواشات للزراعة، أو عملوا بالمزارعة، واستكملت خدماتها التعليمية والصحية وغيرها في إطار سياسة الدولة وبالجهد الذاتي من المغتربين منها في الخليج، أو المنقبين عن الذهب كما في دارج وفي غيرها.
ودخلت هذه الجيرة العربية الأفريقية السودانية في الحجاج السياسي منذ صعود خطاب الهوية والمركز والهامش في الثمانينيات على يد “الحركة الشعبية لتحرير السودان”. وهو خطاب بدا في مانيفستو الحركة عام 1983 بتعيين مركز الدولة خصماً، وعرّفه بأنه جماعة شمالية برجوازية ورثت التطور غير المتوازي لأجزاء البلد، الذي هو تركة استعمارية، ولم تغير وتيرته وأبقت الهامش كما كان قبل الاستقلال، ولم تصبر الحركة على هذا التحليل طويلاً وبخاصة بعد انتقال مركزها من إثيوبيا إلى الولايات المتحدة عام 1990، فتحولت إلى تعريف المركز لا بالطبقة
التي تقبض على زمامه كما في مانيفستو 1983، بل شمل سائر قبيل الطبقة نفسها من عرب النيل ومسلميه ممن قالوا إنهم استفادوا من وجودهم بالمركز لمجرد أنهم من أهل حكامه.
ونقف هنا عند سردية المظلمة العرقية من مثل ما وقع في كمبو خمسة، أو كمبو طيبة، في سياق احتلال “الدعم السريع” ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023، ففي يوليو 2024 هاجمت قوة من “الدعم” من ارتكاز لها في الكمبو، قرية المغاربة القريبة منه شرق ولاية الجزيرة، وكان بعض أبناء الكمبو ضمن تلك القوة المهاجمة، وراح ضحية الهجوم اثنان من قرية المغاربة، وبات أهلها على ضغن من الكمبو. وانتهزت قرية المغاربة سانحة انشقاق أبو عاقلة كيكل على “الدعم السريع” في أكتوبر 2024 فاستنفر بعض شبابها وهجموا على الكمبو وقتلوا 13 منه وحرقوا بعض المنازل.
وجاء خبر المقتلة في رواية منسوبة إلى “مركزية مؤتمر الكنابي” لجريدة “فجر برس” ذات الميل لـ”الدعم السريع”، فقالت إنها أحرقت طفلين بالاسم، وقتلت ستة أشخاص فيهم شيخ خلوة قرآنية، كذلك اختطفوا 13 امرأة، فضلاً عن نهب الممتلكات شاملة المحاصيل الزراعية والمواشي وغيرها، بل وحُرق الكمبو نفسه بالكامل مما أدى إلى تشريد السكان
وتحويلهم إلى نازحين بلا مأوى. وهو بلاء اعتبرته مركزية الكنابي “محاولة ممنهجة لزعزعة استقرار السكان وتهجيرهم قسراً”. وسمت المركزية تلك الانتهاكات بالجسيمة التي ترقى إلى “مستوى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي”، وتتطلب تدخلاً سريعاً من الجيش.
من الجهة الأخرى جاءت جريدة “السوداني” بالرواية عن الواقعة من عمدة الكمبو محمد الحسن على إبراهيم، فقال إنه في يوليو 2024 دخلت عناصر من “الدعم السريع” على متن 17 درّاجة نارية إلى قرية المغاربة المجاورة لكمبو طيبة، واشتبكوا مع أهلها وقُتل من كل طرف شخصان. واتهمت قرية المغاربة الكمبو بأنهم من حرضوا “الدعم السريع” عليهم. فبعد تحرير القرية هاجمت قوة مسلحة من القرية على عربات لقوات “درع السودان” الكمبو وقتلت 17 من أهله، وسبق أن قتلوا سبعة منهم على خلفيات اعتداء “الدعم السريع” على قرية المغاربة.
ونوه العمدة بهدوء الأحوال مع تدخل القوات المسلحة وإدانتها الواقعة وتشكيل رئيس مجلس السيادة لجنة للتحقيق في الحادثة، ووضعها قوة تدخل سريع بين القريتين منعاً لأية اعتداءت لاحقة.
وليس الاختلاف في الروايتين اختلافا مقدار أي في إحصاء الخسائر قلّت أو جلت فحسب، بل اختلاف نوع. فوقعت المقتلة، في رواية مركزية الكنابي كـ”جينوسايد” للكمبو عن سبق إصرار عربي عرقي تاريخي، لا في ملابسات مرتبكة كان “الدعم السريع” هو من أطلق سعارها.
ونواصل
ibrahima@missouri.edu
