د. مهدي تاج الدين
ليس من الإنصاف أن يُحاكم أداء وزير المالية السوداني في زمن الحرب بالمعايير نفسها التي يُحاكم بها وزير مالية في دولة مستقرة. فمنذ أبريل 2023 تعرض الاقتصاد السوداني لصدمة غير مسبوقة: تدمير واسع للبنية التحتية، توقف قطاعات إنتاجية، اضطراب التجارة والمصارف، نزوح الملايين، وانكماش الإيرادات الحكومية إلى أقل من نصف مستواها كنسبة من الناتج المحلي تقريباً. وقدّر البنك الدولي انكماش الناتج الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024.
في مثل هذه الظروف، يصبح السؤال الموضوعي: ماذا كان يمكن لوزير المالية أن يفعل أكثر مما فُعل، وبأي موارد؟
لقد عمل د. جبريل إبراهيم في ظروف لم يكن فيها أمام وزارة المالية اقتصاد طبيعي يمكن إصلاحه بالوصفات التقليدية، وإنما اقتصاد حرب يحتاج أولاً إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، وتأمين مواردها المحدودة، وضمان استمرار الأجور والمعاشات والخدمات الأساسية، ومنع الانهيار المالي الكامل.
وتشير وزارة المالية إلى أنها واصلت خلال الحرب إجراءات زيادة الإيرادات، وضبط الإنفاق، وتحسين التحصيل، كما عملت على تنظيم صادرات الذهب ومحاربة تهريبه وإدخال عائداته في القنوات الرسمية. وفي 2026 صدرت، برئاسة الوزير، حزمة إجراءات لتنظيم إنتاج وتجارة وصادر الذهب وتشديد الرقابة على التهريب والمعابر.
كما أعلنت الوزارة عن الوفاء بمستحقات العاملين بالوحدات الاتحادية والمعاشيين حتى ديسمبر 2025، رغم ظروف الحرب وشح الموارد.
أما الحديث عن أن وزير المالية كان يستطيع وحده وقف التضخم أو انهيار العملة أو إعادة الإنتاج إلى مستواه الطبيعي، فهو يتجاهل طبيعة الأزمة. فهذه قضايا ترتبط بالحرب والإنتاج والصادرات والنقد الأجنبي والسياسة النقدية والأمن، وليست قرارات تقع كلها في يد وزارة المالية.
هذا لا يعني أن أداء الوزارة فوق النقد، ولا أن كل السياسات كانت مثالية. بل إن من حق الاقتصاديين والمواطنين مساءلة الوزارة عن كفاءة الإنفاق، وعدالة الضرائب، وإدارة الذهب، وسعر الصرف، وشفافية المال العام. لكن النقد شيء، وتحميل الوزير وحده مسؤولية نتائج حرب دمرت مقومات الاقتصاد شيء آخر.
لذلك فإن كثيراً من الاتهامات التي تُطلق بصورة مطلقة تحتاج إلى دليل وأرقام، لا إلى الانطباعات والتشكيك. وإذا كان هناك من يرى أن وزيراً آخر كان سيقدم أداءً أفضل، فليطرح بوضوح: ما البديل؟ وما الموارد التي كانت ستتوفر له؟ وما السياسات التي كان سيتخذها ولم تُتخذ؟
فالإنصاف لا يعني تبرئة المسؤول من النقد، كما أن النقد لا يعني تجاهل الواقع.
وفي اقتصاد فقد خلال الحرب جزءاً هائلاً من قدرته الإنتاجية، قد لا يكون الإنجاز دائماً أن تحقق نمواً كبيراً؛ أحياناً يكون الإنجاز الأصعب أن تمنع الدولة من السقوط الكامل، وتحافظ على ما يمكن الحفاظ عليه، ثم تبدأ من جديد.
وهذا، قبل إصدار الأحكام، هو السياق الذي ينبغي أن يُقرأ فيه أداء د. جبريل إبراهيم ووزارة المالية خلال سنوات الحرب.
