في لقاء اسفيري منشور بديوان الاستاذة ناهد محمد الحسن مع الدكتور عبدالله علي ابراهيم تحدث الدكتور عن مفهوم الصفوة والدورة الجهنمية وغيرهما وبين بصورة علمية اخطاء التحليلات الشائعة عنهم.
يقول عبدالله ان القاء اللوم علي النخبة والدورة الخبيثة حجب عننا التحليل السليم فاهملنا الثورة المضادة وديناميكية صراع المصالح وديناميكية التغيير .
عرض عبدالله الاسئلة الصحيحة التي يجب علي السودانيين ان يتناولوها بالتحليل والنقد مثلا ما النخبة وكيف احتلت مكانتها وكيف تتغير او يمكن ان يتم تغييرها وكيف تسقط. فعرض التعريف الامريكي للنخبة بانها تحالف عسكريين ورجال اعمال وبرلمانيين وسياسيين ثم عرج علي تعريف منصور خالد في كتابه حوار مع الصفوة انها جماعة مثالية تعلو فوق المصالح الذاتية. ذكر عبدالله ان الخريجين كانوا يدعون انهم مجموعة مثالية ولكنهم في الحقيقة كانوا طبقة جديدة (كسبية )اعتمدت علي درجاتها العلمية وتطلب السلطة في صراع مع الطبقة الاعيان والقبايل والطوائف( سماها الطبقة الوصائية) و تتصالح معها احيانا. الطبقة الكسبية ( النخبة) تسعي للسلطة وترجو ان يكون لها دور قيادي في المشهد السوداني وقصيدة محمد المكي من غيرنا تعبير عن ذلك وكذلك فكرة الوجود المغاير هي تعبير عن احلام الحداثة والصفوة التي تريد ان تحققها .
يصف الدكتور الطبقة الكسبية او النخبة بانها طبقة ضعيفة ومعزولة وتسعي للوصول للتشريع فتغلبها الطبقة (الوصائية ) فتنزع للانقلاب. بينما الصفوة في الغرب طبقة ذات شوكة.
ذكر عبدالله ان الدورة الخبيثة هي تدافع قوي تبحث عن مصالحها او صراع طبقات. ويري ان تحليل الطبقات يكشف ان طبقة البرجوازية الصغيرة من المدنيين والعسكريين(الصفوة) تتكون وتعمل علي تقويض الديمقراطية الليبرالية ذات الصوت الواحد للانسان الواحد وذلك لقطع الطريق امام الطبقة الوصائية ( الاعيان والطوائف) ويقول ان المشكلة في الانقلاب انه يجفف الوعي ثم يصطدم بالطبقة الوصائية.
في تحليله حول ملابسات سقوط النخبة يستعين عبدالله بتحليل باريتو ان النخبة تسقط متي ما انصرف نشاطها لغير صالح الامة.
يعلق عبدالله ان النخبة في اليسار والوسط(المستقلين) واليمين يسعوا دوما للسيطرة علي صدارة المشهد السياسي وكانوا دوما في صراع مع الطبقة الوصائية ( الطوائف والقبائل والاعيان) فمثلا دائما كانت الطبقة الكسبية بتدعو الي اطالة الفترة الانتقالية سعيا منها لتامين مصالحها ووضع افضل عند الانتخابات وعلي العكس من ذلك كانت الطبقة (الوصائية) دوما تخشي اطالة الفترة الانتقالية.
في حديثه عن الحركات المسلحة اضاف عبدالله ان الهامش لايعي ان مشكلته الحقيقية هي غياب الديمقراطية. فدائما ما قبلت الحركات بمصالحة الاستبداد والعمل مع المستبد نظير حظوة او منصب او ثروة بحسب منحة المستبد مع ان الحقوق تؤسس ولا تمنح والطريق الامثل الي الحقوق يبدأ وينتهي بالديمقراطية . ومثال لذلك ان لعب تكتيك حركات الهامش المسلح دورا في ضياع الديمقراطية بترجيحهم لكفة الاستبداد والثورة المضادة ودوما كانت لهم مطالب احيانا تعجيزية في وجه في الفترات الانتقالية والديموقراطية.
“والعامل الذي يقعد الهامش هي غياب الديمقراطية وليس العكس ولكن بالنسبة للحركات المسلحة السلام والمعسكرات وغيرها هي مايبحث عنه فيجدوا انفسهم متفقون دوما مع الاستبداد الذي يمنحه حصة ومنصبا وغايب دوما عن الديمقراطية . فيكون تحت رحمة الاستبداد يجود عليه بما يجود. تدليل الهامش بانه ضحية يجعل من حركات الهامش تهمل مفتاح الحلول وهو التاسيس الديمقراطية وتنشغل بالمكاسب الانية. الحركات المسلحة بعزوفها عن القاء السلاح في الديمقراطيات عملت فعليا مرارا وتكرارا علي ترجيح كفة العسكريين. انانيا ون وجون قرنق كانا عاملا في تقويض الديمقراطية”
يضيف عبدالله ان الجيش اكبر مؤسسة سياسية في السودان ويسيطر علي موارد ضخمة بسبب الحرب منذ الاستقلال. ودائما مايطالب بحصة كبيرة في ميزانية الدولة ومذكرة الجيش ابان الديمقراطية الثالثة عمل سياسي حيث قدموا مطالب وامهلوا السيد الصادق المهدي اسبوعا لتحقيقها.
الجيش يسيطر علي موارد يحتاجها في ظل استمرار الحروب الداخلية. اي ان استمرار الحروب يجعل الجيش في حاجة الي مؤونة ودعم وبالتالي لديه مصالح في الانقلاب لان الاستبداد يوفر له المال. وليس دقيقا الحديث عن ان الجيش يحركه المدنيين وانه بلا دوافع ذاتية لاحداث الانقلاب.قيادات الجيش في عهد الديمقراطية الثالثة كانت عامل رئيس في الانقلاب من مذكرة الجيش كما ان الكثير من قيادات الجيش كانت مسرورة بالانقلاب لذلك الانقلاب مدني عسكري وهو تحالف طبقة واحدة ( برجوازية صغيرة).
حدد عبدالله عناصر الثورة المضادة واعمدتها الاربعة وهي الذكورية والعداء للديموقراطية وعدم قبول الاخر والرأسمالية.
انتهي حديث الدكتور عبدالله ابراهيم
تعقيب كاتب المقال حول حديث الدكتور :
١/ من الواضع ان الصراع بين الطبقة الكسبية والطبقة الوصائية ومابين البرجوازية الصغيرة والطبقة الوصائية والكسبية هو صراع لايحتكم الي قواعد متفق عليها ومسلم بها. الصراع و الاخطاء التي ارتكبت في الماضي يجب فتحهم للنقاش ثم كتابة الدروس والعبر ثم لنذهب ابعد من ذلك الي الاعتراف بالاخر ومصالحه المتقاطعة ووضع الاسس والقواعد والاطر اللازمة لتنظيم الصراع استنادا علي دروس الماضي وتضمين ذلك في دستور السودان المستقبلي. اي انه يتحتم علي السودانيين جميعا مراجعة الاخطاء الكبيرة التي مارسها جميع الفاعلين في العملية السياسية منذ قبيل الاستقلال ووضع اسس وقواعد واطر لتنظيم الصراع وتضمين ذلك في دستور السودان المستقبلي لتكون نبراسا يقتدي بها في المستقبل فلا نكرر الاخطاء . هذه القواعد والاطر يجب ان تصمم ليكون من اهدافها بالاضافة لصيانة الحرية والسلام والعدالة كذلك تقوية المؤسسات وحفظ الخبرات وخلق المناخ الملائم لنجاح السياسات .
٢/ المدخل الصحيح للتأسيس المستدام لحقوق الهامش هو اصطفاف قوي الهامش حول الديمقراطية وترجيح كفتها والاسهام في التاسيس لقواعد واطر الصراع عبر القاء السلاح والانخراط في العمل العام عبر اليات ديمقراطية ثم المشاركة في تحليل اخطاء الماضي وتوثيق الدروس المستفادة ثم الاسهام في تصميم ووضع القواعد والاسس والاطر لادارة الصراع وتنظيمه وتضمين ذلك في دستور السودان المستقبلي.
ان عكس ذلك هو انضمام قيادة الحركات المسلحة لطبقة (البرجوازية الصغيرة) التي وصفها الدكتور عبدالله ابراهيم اعلاه مما سيزيد من شقاء الهامش.
٣/ فرض الحلول الفوقية من شاكلة سيداو وعلمانية الدولة وغيرها لن تنجز التغيير المطلوب لانها تحجب عناصر الثورة المضادة لذلك من الضروري فتح مزيد من القنوات للحوار والنقد المنضبط بقواعد للحوار والنقد متفق عليها مسبقا ليكون الحوار والنقد منتجا وبناءا. لابد ان تقوم منظمات المجتمع المدني بدورها في تسهيل واشاعة الحوار المنتج والاحتفاء بدوره في تقريب وجهات النظر وحفظ السلام.
٤/ يقول هارولد لاسويل ان السياسة تعني( المحاصصة ) اي ان ممارسة السياسة في الواقع هي عملية تقسيم وتوزيع المصالح والمنافع في الدولة . في صراع المصالح الطبيعي من الحكمة ان نري تفوق النظام الديمقراطي لانه يعطي القرار في تحديد المصلحة في الدولة لسيد المصلحة وهو الشعب ويمكنه من المحاسبة بصورة امنة ومنتظمة ومؤسسية ودورية عبر صندوق الاقتراع. احد خصائص النظام الديمقراطي انه مصمم لانسان عادي عنده المصالح الذاتية والمنفعة غالبا ما تختلط وتمتزج بالمصلحة العامة. وللحقيقة الفصل بين الذاتي الخاص والعام يصعب تقديره احيانا حتي علي امهر القضاة. لذلك به اليات وكوابح لجعل الفصل والتمييز وانزال العقوبة القانونية علي الخلط الذي يضر بالمصلحة العامة.الاحزاب تسعي للمصلحة العامة ولكن ذلك عمليا تتخلله مصالح ذاتية. وهنا يصبح السؤال هل تسعي هذه الاحزاب لمصالح ذاتية علي حساب المصالح العامة .
حسابات المصالح الذاتية والعامة كما ذكرت احيانا يصعب تقديرها. فمثلا عندما يقوم وزير ما بتفضيل انارة منطقة سكنية لاغراض انتخابية علي انارة منطقة صناعية ويصرح بذلك لماذا لم يقدم لمحاكمة لاتخاذه قرارا قدم فيه المصلحة الخاصة علي العامة . في نظري الاسباب متعددة و منها تركيز السلطات الثلاثة واحتكارها عند افراد مما يفتح ابواب الفساد والفوضي و كذلك ضعف المؤسسات التي تضبط العمل العام بسبب تجريف الخبرات وعدم اكتمال الدورات الانتخابية وتكرارها فلا يتمكن الشعب من ممارسة تمارين ديمقراطية في المحاسبة وتصحيح المسار . والسبب الجوهري في كل ذلك عندي هو عدم اتفاق اطراف الصراع علي اسس وقواعد واطر لتنظيم الصراع بحيث يضمن الجميع صون الحرية وحفظ السلام وتطور العدالة وتطبيقها و رفع كفاءة المؤسسات وحفظ الخبرات وخلق المناخ اللازم لنجاح السياسات.
٥/ فهلا أنشأنا الية وطنية لتنفذ ما طرحت وتكون نواة لاعظم مهمة في عصرنا هذا كتابة دستور السودان المستقبلي.
شريف محمد شريف علي
رؤية سودان ٢٠٥٠
٢٢/٦/٢٠٢١
sshereef2014@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم