يقول الأمريكي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما : إن التاريخ عبارة عن أحداث وتطورات لها نهاية وهذه النهاية هي الديمقراطية الحرة وذلك بعد أن فشلت كافة المذاهب في تحقيق حلم البشرية في الحرية والعدالة والمساواة فالإستبدايون لم يستطيعوا أن يوفروا للبشرية الحرية وإن وفر بعضهم الرخاء الإقتصادي لبعض الوقت وقدر من التنمية والتصنيع كما حدث في الإتحاد السوفيتي السابق وبعض دول الشرق الأوسط والدول الآسيوية مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية التي تعد في نظر فوكاياما رائدة الديمقراطية الحرة بلا منازع وقد عانت من مشكلات إقتصادية وتصنيعية … وما تحققه الديمقراطية من إزدهار إقتصادي وسياسي ورفاهية مقارنة بما يحدث في الأنظمة الشمولية يتسم بالإستقرار والإستمرارية لكونه يحدث بمشاركة الناس الذين يقدمون من خلال الحرية الأفكار بكل شفافية والسلمية وكما يقول فوكوياما اللبراليون يفهمون الحرية علي أنها غياب القيود . في المقابل فإن هدف الشمولية وعلي رأسها الشيوعية العالمية لم يكن هو حرمان الإنسان والإنسان السوفيتي علي وجه التحديد من حريته ولكن تحويله إلي إنسان يخاف الحرية بفضل عدم الأمان الذي يقدمه له النظام وأن يقتنع بصلاح سجانه علي الرغم من القهر الذي يتعرض له .
وهذه حقيقة فالأنظمة الدكتاتورية قادتها عبر التاريخ لا يكتفون بمصادرة الرأي علي الطريقة الفرعونية ((لا أريكم إلا ما أري ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد)) ولكن الأنظمة الشمولية والإستبدادية تمارس علي الشعوب اللعبة المعروفة وهي إما أنا أو الطوفان وهي حالة من الخوف تعتري الشعوب وتجعلها تخشي الديمقراطية وتصفق للذين ينقلبون عليها .. والديمقراطية في عالمنا الثالث علي وجه التحديد هي ضحية لهذه الرهبة الأمنية وفي السودان لم تكن مايو 1969 م ((والتي تحل ذكراها هذه الأيام)) إلا تعبيرا عن حالة إحتقار الحرية والديمقراطية لدرجة أن نميري كان يجادل بأن الديمقراطية التعددية لا مكان لها في عالمنا وأن الديمقراطية هي ديمقراطيات وليست ديمقراطية واحدة منها ما لا يناسب مجتمعات بعينها كالمجتمع السوداني الذي لن يحقق الديمقراطية إلا عبر نظام التنظيم الواحد الرائد والقائد والذي كان هو الإتحاد الإشتراكي وما أدراك ما الإتحاد الإشتراكي الذي كان يفوض رئيس البلاد علي مزيد من الإستبداد والتسلط من ولاية إلي ولاية ومن بيعة إلي بيعة في حالة ما يسمي في عالم اليوم بتصفير عداد السلطة . وكان الخوف والتخويف هو سيد الموقف وما أصبغته مايو علي نفسها أنها ترياق ضد العنصرية كما هو في حالة النشاط العسكري الذي قامت به المعارضة السودانية ممثلة في الجبهة الوطنية وما أسماه الإعلام المايوي يومها بحركة المرتزقة وحركة حسن حسين عثمان التي أطلق عليها إسم التحرك العنصري لجهة كون الرجل من غرب السودان وهو ضابط بالقوات المسلحة . وهي كذلك أي مايو هي حادي ركب الوحدة الوطنية الذي لا يكذب اهله خاصة جنوب السودان الذي بدأ بإتفاقية أديس أببا مارس 1972م وعودة متمردي أنانيا تو الذين أعياهم القتال وضاقت بهم المنافي ليربي(( في أحضان الفرعونية المايوية)) قرنق الذي مثل موسي الجنوب والجنوبيين وعزهم في الإنقاذ بقيام دولتهم المنشطرة عن الوطن الأم . وهناك من يقول إن ما يو تعرضت لمؤامرة ولو لم تسقط مايو ويخلع نميري ((طيش حنتوب)) كما كان يفهم من موسيقي أغنية الساقية لكان الحال غير الحال وهذه شنشنة نعلمها جيدا وهي شنشنة الأنظمة الإستبدايدة التي لا تريد للشعوب أن تخرج منها بعبرة أو موعظة حسنة بل تتحسر وهي لا تدري فيما الحسرة والندم علي رماد الخشوم وتعويم الجنيه السوداني وإفقار البلاد وإنتشار الفساد في البر والبحر والحديث عن الصفقات والعمولات المحمولة جوا كان يزكم الأنوف في غياب تام لحرية الإعلام والصحافة التي كانت مؤممة بالكامل لصالح الإتحاد الإشتراكي وكان الناس لا يعلمون الحقيقة إلا من صحيفة حائطية في جامعة من الجامعات وهذا هو ضؤ الحرية ونورها الذي قد يبدأ شعاعا في آخر النفق يمضي الناس نحوه ويتركون الظلام الذي يخيل إليهم أنه قد أحاط بهم من كل جانب . ما يو لم تكن غير شئ في حياتنا مضي وإلي غير رجعة وهذا هو سبيل الأولين والآخرين وقد تصدق نبوءة راعي البقر الجديد فوكاياما بأن البشرية لن تعرف بعد اليوم غير الديمقراطية الحرة وإن تعثرت مسيرتها وخاصة في منطقتنا بعد ثورات الربيع العربي .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم