” إشبانداو” ، تبعد عن مركز” برلين الغربية” إلى أطرافها الريفية . الزمان قبل عناق ضفتي المدينة من جديد ، الشرقية و الغربية . بعد فراق بدأ منذ أوائل الستينات ، و إلى أن رضي ” غورباتشوف ” في مُقبل الأيام ، حين كان حاكم الاتحاد السوفيتي السابق، بعد تاريخنا الذي نذكره ببضع سنوات. حيث عادت ” برلين ” إلى سابق عهدها ، و ألمانيا إلى الوحدة ، بعد هدم حائط برلين . لكننا نسرد أقصوصتنا في شتاء 1982.
(2)
لأول مرة تجّولت ، خارج مستشفى (إ شبانداو ) . مصطفى و أنا نلتحف قدراً لا بأس به من الألبسة والواقيات من البرد . الحرارة ستة عشر تحت الصفر المئوي . مسيرة بضع دقائق ، ثم بدأ لنا البناء العتيق لسجن إشبانداو القديم .
بدأ مصطفى الحديث :
ــ هُنا في تلك القلعة ، يقبع سجين واحد ، إنه نائب زعــيم “الرايخ ” المُنهزم .
تحدث هو كدليل سياحي قليل الخبرة ، و استكملت أنا حديثه متعجباً:
ــ منذ العام 1945 يقبع هنا . يا للهول !. سبعة وثلاثين عاماً . مضت الآن تذكرت ما قرأته عن الرجل: فالتر ريتشارد رودولف هس من أعلام ألمانيا النازية كنائب هتلر في الحزب النازي. في بداية الحرب مع الاتحاد السوفيتى أثناء الحرب العالمية الثانية، قام بعمل شجاع رغم أنه كان نائبا لأدولف هتلر ، اذ سافر إلى اسكتلندا سرا بالطائرة لتقديم اقتراح سلام مع إنجلترا وهبط سرا بالمظلة (البراشوت) لكن تم القبض عليه و تمت محاكمته في ” نورنبيرغ ” المشهورة والحكم عليه بالسجن مدى الحياة.
(3)
البناء قلعة ضخمة ، خليط من الخرسانة المسلحة و الحجر ، تبعد عن المستشفى إشبانداو مكان إقامتنا أقل من كيلو متر . تشاهد من البُعد ، الحرس متعددو الجنسيات ، يتبادلون مناوبة الحراسة أعلى أسوار السجن . القلعة في ضاحية في أطراف “برلين الغربية “، و سيد الدار كهلٌ عجوز . وحده في هذا المحبس العتيق . تُفسح له الباحة داخلها عصر كل يوم لرياضة المشي ، هذا ما تقوله الأخبار . لا يمكننا رؤيته ، فالسياحة و كل الإغراء المصاحب لها ، يُبعدونك خمسين متراً عن الحوائط الخارجية للسجن . البناء العتيق لا يشبه ما حوله ، إلا في الهدوء و السكينة . فالقلعة لا تشبه قلاع تلك البلاد ، لا الفخامة و لا إرث البناء أو تاريخ الحضارة . جسم غريب وقف في تلك الضاحية ، يُطل على الطريق . إن كنت حارساً تتجول أعلى حائط القلعة ، فانك تلمح أحد أنهر برلين الخمسة . سوف يُهدم البناء بعد أن يغيب سيد القلعة في غيبة الموت ، هذا ما علمناه .
(4)
عُدنا أدراجنا بعد وقت قليل ، تاركين آثاراً مضخمة لوقع أرجلنا على طبقة الجليد الهش . عند موازاتنا مدخل المستشفى ، عبث رفيقي” مصطفى” بمكبس الإنارة المُرشدة لطريق المشاة . اللون الأخضر للمشاة . ثم اصطفت السيارات في انتظار عبورنا ، و لم نعبُر . رأى مصطفى أن نذهب في طريقنا إلى مركز التسوق القريب . عشرة أمتار بعُدنا عن معبر المشاة ، و لم تزل السيارات تنتظر . الالتزام التام بانتظار اللون الأحمر، رُغم أنه لا يوجد مشاة !
ــ لم التعجب ؟ هذا شعب متحضر .
ــ نحن في ريف” برلين” ، نبعد عن الزحام ، لا مشاة و لا شرطة سير . الواقع يُغري بخرق قوانين المرور !
ــ يا سيدي ، في بلادنا ، أنت في باحة منزلك تجلس تحتسي الشاي، ثم تجد فجأة أن سيارة خرقت الطريق و الممشى وكسرت الحائط ، و وقفت بضع بوصات عن مجلسك . يخرج السائق منها، يسبك : كيف تبنون بيتاُ في قارعة الطريق !!
ضحكت .
قبل بوابة المركز التجاري بعدة خطوات ، حسناء تخاطب كلبها الصغير ، و ترجوه الانتظار لأن الدخول محظور على الكلاب ! . يسمع الصغير الكلام و ينتظر بالفعل. هنالك مكان مخصص أمام المدخل لانتظار أمثاله ، تم الأمر بهدوء .
قال مصطفى :
ـــ هذا الكلب يعرف الأصول و يتفهم الكلام ، الطفل عندنا في الخامسة لا يعرف ، ( مسخرة يا زلمي ) !
إنها لغة مصطفى العامّية ، فهو فلسطيني الأصل ، لبناني المولد . رحل أهله بعد نكبة ( 1948 ) إلى لبنان . أسرته تقطن( صيدا ) و والده شيخ عشيرة . حضر هو إلى “برلين الغربية ” طالباً الرزق و مدخله طلب ( اللجوء ) ، كان في السابق ينتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( فرع جورج حبش ) . درس الأمن في ألمانيا الشرقية . وجاءت به الدُنيا بعد أن طلّق السياسة !
رحلة منفى ” مصطفى ” تبدأ من الوطن الأم : لبنان أولاً ، ثم برلين في زمان القّص . لم نكُن ندري أين خاتمة المطاف . الزمان كان قبل أشهر من اجتياح إسرائيل للبنان . أنا كنت رفيق دربه و لم تكُن المهاجر والمنافي مطلبي .
علّق مصطفى :
ــ هذا الكلب لا يشبه كلابنا !.
قلت :
ــ نحن أقرب الشبه بكلابنا !.
و انفجر هو ضاحكاً .
(4)
الحياة في دولة مثل ألمانيا الغربية ، كانت مُيسّرة لطالبي اللجوء ، ولا تقارن بقيود الزمن الحاضر . سمعنا بقطار كامل يحمل ركابه الجنسية الباكستانية ، كلهم طلبوا اللجوء السياسي ، و الأمر في طور النظر.و صُحف ” برلين ” تتحدث ، عن ضرورة الرفق بالمقهورين . كان الزمان أيام ( زياء الحق) حاكم باكستان العسكري .
إن طالعت صحيفة اليوم ، تجد صورة بقرة في الصفحة الأولى ، نجمة إعلامية في ذلك الزمان . تأكل الحشيش ، و وسطها حزام و في أعلاه صندوق صغير . إنه القلب المُصنّع ، الذي استبدلوا به قلبها الطبيعي . كان الطبيعي بخير ، إلا أن الإنسان يتعلم بعد أن يُفكك الآلة الحيوانية ، و يُجري عليها الاختبار . مع ” برنارد شو ” كل الحق في أن يفرد كتاباً يشتم فيه الطب و الأطباء .
قال مصطفى :
ــ لدي ميعاد ، يا عبد الله ، أقترح أن نرجع ، هذه الحاجيات تكفينا من المركز التجاري ، إنها تُضيف النكهة لطعام المستشفى الفاخر و الصحي . الميعاد قبل السادسة مساء تذكر، سوف تحضر أنت وقائعه ، و تلك لك مفاجأة !
(5)
في المساء التقينا في الصالة العامة ، المخصصة للزوار في المستشفى حيث نُقيم . في الطابق الأرضي . حضر مصطفى لغرفتي ، و ذهبنا سوياً. بضع أمتار و انحدرنا عبر المصعد . الصالة يرتفع سقفها خمسة أمتار ، و عرضها سبعة أمتار ، و تمتد إلى اكثر من خمسة عشر متراً في الطول . الواجهة الزجاجية تُطل على حديقة المستشفى . خُضرة زاهية كانت قبل الشتاء . الأشجار الآن كأنها تموت ، خالية من خُضرة الصيف ونضاره . مناضد الصالة ومقاعدها ، أكبر عدداً من الحضور . عرفني” مصطفى” ” بحسّان ” . الأخير لبناني الأصل . جلسنا سوياً ، بدأ الشاب خجلاً ، فطمأنه ” مصطفى “بأنني صديقه من السودان ، و يأتمنني هو على نفسه . اعتذرت ، فالإطراء أكبر مما استحق . كانت تلك طبيعة “مصطفى “، لا يلمح شفافية في التعامل ، إلا و يلصق بك النعوت البرّاقة ، لتطفي على الطقس دفئاً و تعمّر المحبة بين الجلوس .
بدأ مصطفى :
ــ كما قلت لك يا ” حسّان ” سابقاً ، فان أبي يخدم الأعزاء ، و قد أثنيت عليك وأنا أحدثه عن الأمر ، لكنه أوضح لي أن صرف الكراهية عن نفــــس ” جيلي ” الألمانية زوجتُك التي صارحتك بأنها بصدد طلب الطلاق ، يتطلب أنواع نادرة من البخور و التوابل و الأعشاب . و يستدعي السفر إلى بعض محال العطارة في حواري بيروت . و لذلك كلفة ، يتعين عليك دفعها .
رد ” حسان ” بأنه مستعد لدفع أي ثمن ، لأن طلاقه من ” جيلي ” الألمانية ، معناه إلغاء الإقامة الدائمة في ألمانيا حسب القوانين . و تلك كارثة تنسف مستقبله . تم الاتفاق على أن المبلغ ثلاثة آلاف مارك ، و يتم دفع نصفها قبل البدء في الإجراء . النصف الثاني بعد أن تصـرف ” جيلي ” النظر عن الطلاق …
(6)
تأخرت بضع خطوات قبل وداع الضيف ، تركت لهما التفاصيل . بعد قليل حضر” مصطفى ” و جلسنا من جديد.
قال “مصطفى ” :
ــ سوف أتلفن لأبي اليوم ، وقيمة التلفنة الدولية سيدفعـها “حسان ” لاحقاً .لقد أخذت جميع البيانات الخاصة بالزوجة . أبي سوف يزيل الأفكار السوداء و يعيد إلى نفس تلك المرأة بعض الطمأنينة و المحبة. و يوصل ما انقطع بين الزوجين بإذن الله . أبي بعيد عن طرق الشر . لقد درس هذه الأسرار عن جدنا الأكبر ، أيام الوطن الأول فلسطين . مجلسه كل يوم يعمُر بطلاب الأغراض . القهوة المُرّة يشربها أهلنا في مجلسه صباح مساء ، تغلي ساعة في الموقد . النار لا تنطفئ إلا وقت النوم . لوالدي ملكات هائلة ، والناس يحبون مجلسه ، يتقاطرون على منزلنا من الأحياء البعيدة ،الكل يبحث عن شفاء عِلة أو حاجة لتُقضى ، و لكل مجهود ثمن . الكلفة كاملة بعد انقضاء الحاجة . و تكلفة المواد و الأغراض تُدفع مقدماً ، لأنها غالية الثمن ، و تُجلب من أماكن بعيدة ، من سوريا أو تركيا ومن الهند .
رددت عليه :
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم