ذكريات من دفتر الطفولة (13) .. بقلم: عثمان يوسف خليل
ولنأخذ جولة في احياء البراري في منتصف ولتكن في الستينات من القرن الماضي ولندخل اولا حي بري المحس فَهُو سيكون موضوع هذه الحلقة من سلسلة حديثنا عن البراري وعلى فكرة هذا الحي هو بوابة احياء البراري..وبري المحس في تصورنا يعتبر احد اقدم ان لم يكن اول احياء البراري قاطبة نشأةً بل ويعتبر ارقى الأحياء هناك وامكن ذلك راجع لطبيعة ساكنيه او لموقعه الجغرافي المتميز وليس ذلك فحسب بل انه يعد واحد من الأحياء الراقية خارج الخرطوم فهو يتميز ببناياته الفخمة وخاصة تلك البيوت التي تقع عند بداية الحي من ناحية الخرطوم والتي قام ببناءها الإنجليز على نسق بيوتهم وهي ما تعرف بالبنقلو وقد أُتبِعت لجامعة الخرطوم وأصبحت تشتهر ببيوت الجامعة، وقد ارتبط هذا الحي ( بري المحس) بتوتي اذ ان معظم سكانه، ان لم يكن كلهم، تعود جزورهم الي الي جزيرة توتي حيث كان آباءهم وجدودهم يمارسون زراعة الجروف في منطقة كلية الشرطة الان وعلى شاطئ النيل الازرق وفي ظني ان هذه المنطقة اضافة لمنطقة المقرن شكلت النواة الاولى للخرطوم الحالية كما أسلفنا آنفا اذا افترضنا ان الشيخ ارباب العقايد هو الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للخرطوم كما تحكي الروايات التاريخية ومعروف ان الشيخ ارباب العقايد كان من مواليد جزيرة توتي وقد قام ببناء مسجد يعتبر النواة الاولى لمدينة الخرطوم والتي تحولت اليها العاصمة بعد سقط المهدية وحتى قبل ذلك عندما اتخذها الأتراك عاصمة ملكهم في السودان وكان ذلك المسجد يعرف الي وقت قريب بمسجد فاروق..
وفي بري المحس نشأ آل ابو الريش وكان منهم الصحفي وصاحب مكتبة النهضة الشهيرة في الخرطوم عباس ابو الريش وكان يصدر مجلة النهضة تلك المجلة الشهيرة والتي كان يكتب فيها مفكري وأدباء ذاك العهد بل تعد اول منارات الثقافة السودانية اياميها وفي بري المحس ولد وعاش احد الذين شاركوا في ثورة اللواء الأبيض الا وهو عبيد حاج الامين ومنها ايضا احد رجال العهد المايوي الشهير الا وهو ابوالقاسم هاشم وأخيه بدرالدين هاشم الكاتب المسرحي المعروف ومدير عام مصلحة الثقافة والذي لم يعش طويلا فقد مات وهو في قمة عطائه وعاصرناه ونحن في المجلس القومي للاداب والفنون.. ومن بري المحس خرج الأطباء واساتذة الجامعات وكبار موظفي الدولة.. وفي بري المحس تزوج استاذنا بروفسر علي المك وكانت للاستاذة فاطمة احمد ابراهيم علاقة حميمة وصلة قربى وسكنى ببري المحس وهناك الكثيرون الذين قد لا نعرفهم ممن اشتهروا ببري المحس والحقيقة اننا بدانا ببري المحس لانها راس البراري ومدخلها ولم نكن نقصد ان يتفرق الود بين البراري ولكن لزوم الترتيب وعندما كنت تلميذا بمدرسة بري أبوحشيش كانت تستهويني التسكع في شوارع المحس (هكذا ينادونها) وكنت احس كأني في بلد ثاني حيث البيوت الفارهة والاشجار المنسقة والبنات الجميلات والنَّاس النضاف ولا امكن دي احلام قروي بض العواطف…
عثمان يوسف خليل
لا توجد تعليقات
