ذهب … ولنا العبرة .. بقلم: عزالدين صغيرون

 

الآن وقد غادر البيت الأبيض يستطيع العالم أن يهدأ قليلاً وتتبدد مخاوفه، فقد كان الرجل مزعج حقاً، ويشكل بعنجهيته ونرجسيته خطراً على مواطني بلده، ويشكل تهديداً حقيقيّاً على الشعوب الأخرى خارجها. غذى العنصرية وأثار فتنة الكراهية والانقسام التي لم يتعالج المجتمع الأمريكي من آثارها التاريخية. وأثار قلق ومخاوف العالم وهو ينسحب من اتفاقية باريس للمناخ علماً بأن بلاده والصين هما الأكثر تلويثاً للمناخ في العالم انحيازاً للوبي النفط الأحفوري والصخري.
حين طرح ترامب شعار حملته الانتخابية الأولى (أمريكا أولاً) وأثار حماس الأمريكان، لم يكن أحد يعرف ماذا يعني هذا الشعار بالنسبة له. ففي ظاهره هو نداء وطني بديهي يطلقه كل سياسي. فمن البديهي أن يضع القائد مصلحة وطنه ومواطنية على رأس أهداف وسياسات بلده. ولكنه كان عند ترامب بعقليته الأحادية الأنانية الضيقة يعني (أمريكا أولاً، وإلى الجحيم العالم)!.
وعندما ألغى برنامج أوباما كير للرعاية الصحية للفئات المعوزة فعل ذلك انحيازاً لقطاع الصناعات والخدمات الصحية الخاص. ولسان حاله يقول (الصحة للمقتدرين مالياً وليذهب الفقراء إلى الجحيم). وكأنما الحكومة في النظام الرأسمالي في خدمة ثلة من الشركات الخاصة ، وليستا الاثنيين في خدمة الناس.
ذهب ويستطيع الآن مواطنو الدول التي حظر دخولها إلى الولايات المتحدة للتعلم والعلاج والعمل والزيارات والسياحة أن يدخلوها آمنين مثلهم في ذلك مثل بقية الخلق. ولن نحتاج بعد اليوم أن نسأله: هل المواطنون السودانيون إرهابيون أو اشتهروا بذلك حتى يحظر دخولهم؟.
ذهب، وتعود أمريكا إلى منظمة الصحة العالمية التي انسحبت أمريكا على يديه منها، وهي أحوج ما تكون إليها في ظروف جائحة عالمية لن تستطيع دولة منفردة أن تتصدى لها دون تعاونها مع العالم.
ذهب، وتعود الولايات المتحددة لتجدد بطاقة عضويتها في منظمة اليونسكو التي انسحب منها تضامناً مع إسرائيل.
ذهب، وستخف وتهدأ نيران الخلافات بين دول المنطقة التي كان يغذيها ويزيها حطباً ترامب بحصاراته السياسية والعسكرية والاقتصادية ضد بعضها البعض، بدلاً ممن يلعب الدور الاطفائي المفترض أن تلعبه بحكم حجم قوتها ونفوذها العالمي.
ذهب صديق الديكتاتوريين الأثير وحبيب الأنظمة القمعية وتستطيع الشعوب أن تحلم الآن بالحرية وإمكان تغيير مصيرها.
ذهب، عراب “التطبيع بالعضل” مع إسرائيل، وتستطيع الدول العربية الآن أن تُخضع شكل علاقاتها مع إسرائيل بإرادتها الحرة وبناء على حساباتها، وبما يخدم ويحقق مصالحها.
ذهب “المتنمر” الدولي الأول، وآن لدول العالم، حلفاءه وغير حلفائه أن تطمئن وتهدأ مخاوفها، لتسترخي وترتاح أعصاب العالم قليلاً.
ذهب مأسوف عليه من البعض، وغير مأسوف عليه عند آخرين. ولكن الطريقة التي بها غادر المسرح تعطي درسين لنا في السودان:
* الدرس الأول: ثمة محتال عرف أن شعبا يعاني من الإحباط يتوق للتغيير، وقد ملَّ وسئم النخب التي تتداول السلطة وألاعيبها السياسية الاحترافية، فجاءهم بخطاب حماسي وعاطفي غير معهود، يحمل لافتات شعبوية تدغدغ مشاعرهم الوطنية ويستخدم لغة شوارعية، فافتتنوا به ورأوا فيه المخلص الذي ينتظرون وانتخبوه حاكماً لهم، وعندما انتهت فترة تكليفه اكتشفوا الخدعة وأن أمورهم ساءت أكثر مما كانت قبله.
– إنها حرية الاختيار التي يتعلم الناس منها، وبها، معنى تطور الوعي.
* الدرس الثاني: ثمة مجنون حكم باختيار الشعب وإرادته الحرة. ولما اكتشف الشعب جنونه واتضح لهم زيف وعوده ودعاواه وادعاءاته أسقطه دون أن يريق قطرة من دمه بورقة في صناديق الاقتراع. رغم أن كلا المعارضين والمؤيدين في الشارع كانوا مدججين بالأسلحة.
إنها الديمقراطية حين تتسلح بالمسؤولية.
لقد ذهب وسيتعلم الأمريكيون كيف يعالجون جروح ماضيهم بالديمقراطية.
ذهب، وسيرتاح العالم من الصخب والضجة التي كان يثيرها.
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
أخيراً:
كثيرون في هذا العالم يحق فيهم قول صوت الشعب محجوب شريف:
” بلى،
وِانجلى
حمد الله ألف على السلامة”.

izzeddin9@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً