……………. ………….
(1)
علينا أن لا نجهد أنفسنا في البحث والتحليل هل محاولة الانقلاب حقيقية ام مفبركة وراءها فلول النظام المباد أم أحزاب أخرى تشاركها الفكر الشمولي، ولا معنى للحديث عن دور المكون العسكري، فمسؤوليته قائمة في كل الأحوال.
ومن قبيل التبسيط القول بأن الشعب لم يهب لنصرة الثورة بسبب زهده فيها، فوعي الشعب تخطى ردود الفعل المتسرعة، لقناعة راسخة إن كانت محاولة الانقلاب حقيقية فمصيرها الحتمي الفشل، وإن أذاع قائدها بيانه وتلقي التأييد، فكل مكونات الحكم، المدنية والعسكرية والأمنية والدعم السريع والحركات المسلحة، تعلم بأن شواهد ما قبل وبعد الحادي عشر من أبريل، تقول لمن كان يؤمن بالانقلابات فإن عهدها قد ولى إلى غير رجعة، ومن كان يؤمن بالديمقراطية فهي آتية لا محالة .
(2)
في تصريحاته بسلاح المدرعات ووادي سيدنا، بدرت من السيد رئيس مجلس السيادة عبارات غير موفقة، بقوله أن القوات المسلحة هي التي (تسوق التغيير سواقة ومحل دايره توديهو، مافي زول بسوق تاني..) – (الكلاب تنبح) – (مافي جهة تستطيع تبعدنا من المشهد نحن وصيين على وحدة السودان رغم أنف كل زول).!
هذه العبارات فيها انفعال وانتصار للذات وهي تنتقص من قدر المكان السيادي الذي يشغله سيادته، لهذا سيظل المأمول من كل القادة، التمسك بصفات رجل الدولة من تواضع وحكمة وصبر وتحمل النقد، فهم يتبؤون وظائف عامة لا تعطيهم أي تميز الا بقدر إحترامهم لمواطنيهم وإلتزامهم بالعمل في خدمتهم.
ومن الضروري تذكير الفريق أول برهان وإخوته، بأن عدم وجود حكومة منتخبة لا يعطيكم أكثر من حقكم، فإذا كان إنتمائكم للنظام المباد قد جعلكم من كبار جنرالاته، فإن الحرص على حقن الدماء هو الذي أتى بكم لموقعكم السيادي الحالي، عندما قطعتم الطريق على إرادة الشعب وقواته المسلحة ووقفتم في وجه أعظم ثورة في تاريخ البشرية، فاتيحت لكم فرصة التكفير وإبداء الندم عما اقترفتموه في حق الشعب، لكنكم لم تفكروا في اغتنامها، ولا زال الأمل قائما بأن يغلب التطبع الطبع .
ليس من الحكمة والبلد في قمة أزماته أن يقوم الجنرالان برهان وحميدتي، بمخاطبة القوات المسلحة متهمين القوى السياسية بالاستهداف الممنهج للقوات المسلحة، فكل أفراد المكون العسكري يعلمون أن ما يوجه إليهم من نقد، هو بالنظر الي مواقعم في السلطة، وهذا لا يمس القوات المسلحة في شيء، فيجب عدم الخلط.
ليس من الحكمة أن يتحدث الجنرالان عن الضائقة المعيشية بأن يجعلانها مبررا للانقلابات وتدخل الجيش، فهذا فيه إستخفاف بذاكرة الشعب، وتهوينا من خطورة المحاولة الانقلابية.!! وتماهي مع سلوك النظام المباد وهو لا زال يتحين الفرص للانقضاص على الثورة.
كيف يتحدث الجنرالان بأنهم كمكون عسكري، حماة أمن ووحدة البلاد، والبلاد الآن معزولة عن شريناها برا وجوا وبحرا. !!
كيف يقولا انه لا علاقة لهم بما يحدث في الشرق، لأنه أمر سياسي خاص باقتسام السلطة والثروة!! كيف يتأتي هذا الفهم ومن ضمن المطالب حل الحكومة ولجنة التفكيك وتشكيل مجلس عسكري .! فما رأيهم في ذلك؟ !!
وحتى بإعتبارها أزمة سياسية، فهل المكون العسكري بعيد عن السياسة وازماتها؟! وهو الذي استغل ضعف الحكومة واختطف ملف السلام، ليصل مع الحركات المسلحة لما يسمى بالمسارات، وهذه المسارات هي أساس الاضطرابات التي تعيشها البلاد الآن وتهدد بتشظيها.!!
يتحدث الجنرالان عن حرصهم كمكون، على إنجاح الفترة الانتقالية وتحقيق أهدافها، في الوقت الذي نجد فيه أحدهما يستولي على ثروات البلاد ويرفض دمج قواته في جيش قومي موحد، وفق ما تنص الوثيقة الدستورية وترتيبات اتفاقية جوبا التي صنعها بنفسه.!
أما الآخر فيتمسك بالتمكين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وبشركات التمكين التي تشل الاقتصاد وتنعكس سلبا على معاش الناس.!!!
ثم يتحسر الجنرال برهان على غياب شعار العدالة الذي رفعته الثورة، وهم يرفضون تسليم المتهمين بقتل الشهداء للعدالة (الشهيد محجوب التاج، كمثال) .!!
(3)
أما السيد رئيس الوزراء فقد سارع إلى دعوة الشعب ( لممارسة حقه في كل الأشكال السلمية لدعم الحكومة الانتقالية)، علما بأن الثوار وكل القوى الوطنية، ظلوا يسيرون المواكب لمساندته وتشجيعه لكنه أدار ظهره عنهم، بل تعرضت مواكبهم السلمية للضرب والقتل.!!
صرح سيادته بأن محاولة الانقلاب إمتداد لمحاولات الفلول لاجهاض الانتقال الديمقراطي، وأن المدبرين جهات داخل وخارج القوات المسلحة وأن ذلك (يؤشر بوضوح الي أهمية إصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية)!!! وكأن سيادته وبعد مضي عامين وأكثر، لا زال في حاجة لمؤشرات للقيام بواجبه تجاه المهام الموكلة له وحكومته بموجب الوثيقة!!!
تحدث سيادته عن ضرورة قيام المحكمة الدستورية ومجلس القضاء العالي والمفوضيات!! مع أكيد الإحترام، فإن الحرص على سلامة الوطن، تفرض علينا القول بأن الشارع أصبح يطرح سؤالا مشروعا : هل عدم تنفيذ المهام الموكلة للسيد رئيس الوزراء وحكومته، مجرد فشل وارد في حق البشر، أم قعود متعمد مجهول الأسباب ؟!! فسيادته يعلم أن قيام المحكمة الدستورية ومجلس القضاء يتوقف على مباشرة مفوضية الإصلاح العدلي لمهمامها، وقد صدر قانونها بعد تأخير دام لعامين، ثم اجيز في أبريل2020 المطلوب من سيادته أن يوضح للشعب وبشفافية لماذا لا يوقع على قرار تشكيل المفوضية؟!
وإذا تجاهلنا مفوضية الإصلاح فأمام سيادته قانون مجلس القضاء لماذا التلكوء في اجازته؟! ولماذا تعطيل تشكيل مفوضيتي العدالة الانتقالية والفساد وقد صدر قانونهما قبل شهور ؟! وما هو المقصود من تكرار الحديث عن مهام أمرها بيده؟!!! هذه أسئلة لا تحتمل الصمت!!
ثم في إتجاه استمالة الجماهير بدغدغة المشاعر، يقول سيادته أن الانقلاب يأتي في وقت يشهد فيه الاقتصاد انتعاشا واضحا!! علما بأنه وفي مبادرته في نهاية يونيو الماضي، تحدث عن الفشل الاقتصادي والضائقة الاقتصادية التي تعيشها البلاد كمظهر للازمة السياسة.!! كما أن واقع الحال ينفي كلامه.!!
(4)
أما السادة حول السيد رئيس الوزراء فقد فهموا من تصريحات السيدين برهان وحميدتي، رغبة في فض الشراكة وتهديدا للانتقال، فنادت قوى التغيير بالتصدي له، وأعلن الوزير خالد جاهزيتهم للمواجهة، وطالب تجمع المهنيين بفض الشراكة، وفي ذات المسار أتت المقالات لتقول أن الرفض الشعبي والدولي هو الذي جعل الرجلين يتراجعا عن موقفهما.!
والحق يقال أنه ليس في تصريحاتهما ما يفهم منه رغبة في فض الشراكة أو تهديدا للانتقال، وحتى عندما تحدث البرهان بانفعال عن”السواقة” والوصاية، أضاف : (نحن دايرين نسوق البلد لانتخابات حرة) (واجبنا نعمل على تحقيق احلام الشباب الطلعوا ينادوا بالحرية والسلام والعدالة )، بل أكد صراحة (وعندنا أمل لا زال نتحد كقوة مدنية وعسكرية لبناء سودان الحرية والسلام والعدالة) ( نحن كعسكريين اكثر حرصا على الفترة الانتقالية) (نناشد الاخوان في القوى السياسية يجب أن نتوحد) (يجب أن نقعد ونتوافق) (سنعمل على بناء الوطن مع القوى الوطنية المؤمنة بالتغيير).
أما حميدتي فبدوره قال (لا مخرج الا بتوحيد الكلمة والعمل بروح وطنية).
فلماذا تجزئة الحديث؟؟!!
(5)
ما أريد أن أقوله :-
⛔ رغم اللغة الخشنة التي استخدمها البرهان وسار عليها حميدتي لآحقا في منابر أخرى، لكن ليس فيها دعوة لفض الشراكة، وكان واضحا التظلم من استهدافهم كمكون، وابعادهم عن مبادرة رئيس الوزراء، خاصة وهي تتحدث عن الخلافات العسكرية المدنية.
في المقابل جاءت تصريحات الساسة المدنيين منفعلة وقائمة على نظرة إنطباعية سالبة نتج عنها تجزئة تصريحات برهان وحميدتي، وهو أمر لم يكن موفقا.
⛔ حتى لو كانت هناك مخاوف من انقلاب آني أو مستقبلي، فإن المأمول من الساسة المدنيين وهم في موقع القيادة والمسؤولية أن يتصرفوا بحكمة، وأن يزنوا تصريحاتهم بميزان الذهب، بعيدا عن الانفعال الذي قد يدخل البلد فيما لا يحمد عقباه.
⛔ المكون العسكري كشريك لا مطعن في أن يتحدث عن الفشل في معاش الناس، وأن يحتجوا على إبعادهم عن مبادرة رئيس الوزراء، لكن ليس مقبولا استغلال ذلك وهم يخاطبون المؤسسة العسكرية وفي محاولة مرفوضة للاستمالة.
⛔ الفشل الأمني والمعيشي وغيره، مسؤولية الطرفين العسكري والمدني، ولا يهم الناس كثيرا ما بينهما من مزايدات.
⛔ الشعب لديه رأي سالب في أداء المكونين المدني والعسكري، والي أن يقول الشعب كلمته، سيظل الأمل قائما في خروج حكيم من داخل المكون العسكري أو المدني أو خارجهما، ليسارع إلى نزع فتيل الأزمة، اليوم قبل الغد.
فهل من مجيب؟؟؟
aabdoaadvo2019@gmail.com
////////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم