رحيل غازي سليمان .. رجل المجاهدات والتسامح الصوفي .. بقلم: إمام محمد إمام

بحصافة

غيَّب الموت الذي أحسب أنه حق علينا جميعاً الأخ  المحامي غازي محمد أحمد سليمان، يوم الجمعة 7 فبراير 2014، بعد مجاهدات حياتية حفلت بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، اصطحبت بذل غير محدود وعطاء غير معدود في مجالات العمل الوطني، واستنصاراً للمستضعفين والمظلومين من أبناء السودان، إضافة إلى انحياز تام لطبقات الفقراء والمساكين والمعوزين. وأكثر ما أحزنني في هذا الفقد الجلل والمصاب الأليم برحيل الأخ غازي سليمان الكاتب الراتب في صحيفة “التغيير”، أنه كان يحنو عليها وعلى القائمين بأمرها عبر إسداء جميل النصح وعظيم الاستشارات. ولكن لا يمكن أن نجزع في هذا المصاب لأن الجزع من المدارج التي تؤدي إلى المهالك، ولكن نستصبر مستعينين في ذاك الصبر بقول الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ”. والصبر في اللغة حسب النفس عن الجزع وهو الحلم، أي التأني وطول البال. ويذكر الرازي في مختار الصحاح أن يتصبر المؤمن على ابتلاءات الله تعالى له بإبداء قدر من تكلف الصبر ليعينه على الرضى بقضاء الله عزّ وجلّ، وصولاً إلى بلوغ كمال مدارج الصابرين على الابتلاءات، بالدخول في ذمرة الشاكرين، وهي أعلى درجات الصبر والاستصبار في مثل هذه الابتلاءات التي يبتلي بها الله تعالى خيار عباده.
وأحسب أن رحيل الأستاذ غازي سليمان كان حدثاً جللاً، ومصاباً فادحاً، وخطباً أليماً، لخاصة تلاميذه وأصدقائه ومعارف فضله، إذ إنه لا يتأخر في مجاهداته لنصرة المظلوم أياً كان هذا الظالم، وقد عُرف عنه أنه كان سودانياً أصيلاً، كثير الاعتزاز بوطنيته، وعظيم التمسك بمبادئه، حتى وإن بدت للبعض أنه غير تلكم المبادئ تغييراً كاملاً يحسب عليه لا له، ولكن الأمر في حقيقته غير ذلك، أنه لا يبدل المواقف تبديل غيره، ولكنه يراجع النفس ويتراجع عندما يعلم أن هنالك مستجدات تتطلب هذه المراجعة وذلك التراجع، وكان الراحل كثير التسامح يستمد هذا التسامح البين من مشاربه الصوفية ودثار تصوفه وحبه لشيخه الجليل الشيخ الصوفي حامد أب عصا سيف، الذي كان يعد نفسه من سلالته وليس من أتباعه فحسب. واستشعرنا نحن في صحيفة التغيير أن غيابه غياب قلم جريء، ورأي حُر، ولسان صادق، وحُجة بينة.
وأخلص إلى أن الراحل غازي محمد أحمد سليمان لم يكن ليناً في مواقفه، ولا هيناً في مبادئه، ولكنه يلين في مواقف تتطلب الليونة، ويتساهل في أمور تدعو إلى التبسط والتساهل والتسامح. وأظن – وليس كل الظن إثماً – أنه في ذلك يتمثل قول الشاعر السوداني إدريس محمد جماع:
هين تستخفه بسمة الطفل
قوي يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال
مستشف من كل شيء جمالا
وفي خاتمة هذه العُجالة، من الضروري  أن نتذاكر أهمية الصبر على ابتلاءات الله تعالى، ونتجمل بالتصبر في مثل هذه المصائب الجلل، وننشد مع الشاعر الجاهلي زهير ابن أبي سلمى:
ثلاث يعز الصبر عند حلولها
ويذهل لها عقل كل لبيب
خروج اضطرارٍ من ديار تحبها
وفرقة إخوان وفقد حبيب
ونحن إذ نرثيه لا نذكيه على الله، ولكن نسأل الله تعالى له مغفرة واسعة، وأن يتقبله قبولاً طيباً حسناً، وأن يسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، ويلهم أهله وذويه وأصدقاءه وزملاءه ومعارفه وبني وطنه الصبر الجميل.
“وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ”.

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً