أركان الدولة الأربعة: تشريح مشروع الدولة العميقة في السودان
ردًا على أطروحة الأستاذ عثمان ميرغني
م. هيثم عثمان إبراهيم
التصريح الذي أطلقه الأستاذ عثمان ميرغني حول “أركان الدولة الأربعة” لحظة كاشفة في الخطاب السياسي السوداني. حين يُعرِّف أركان الدولة بأنها “الجيش والمخابرات والقضاء والشرطة” ويجعل الأمن والمخابرات “حاجة واحدة” ثم يُضيف أن “الضرب في الجيش هو هدم لأحد أركان الدولة فإذا هدم سقطت الدولة”. هذا التصريح لا يعبر عن رأي عابر، بل يقدم صياغة نظرية شبه مكتملة لمشروع “الدولة العميقة”.
الجديد ليس في جوهر الفكرة بل في الصراحة التي صيغت بها والجرأة التي طُرحت بها في لحظة يُفترض أن يعيد فيها السودان تعريف نفسه بعد حرب طاحنة.
يبدأ الخطاب باختيار مُركَّز لمكونات الدولة. من بين كل ما يمكن أن تُعرَّف به الدولة الحديثة (سيادة شعبية ودستور ومؤسسات منتخبة وحقوق مواطنة وإقليم وشعب) يختزل عثمان ميرغني الدولة كلها في أربع مؤسسات ثلاث منها أمنية بحتة.
الجيش والمخابرات والشرطة هي أدوات احتكار العنف أما القضاء فيأتي في هذا السياق لا كسلطة مستقلة تحمي الحقوق بل كجزء من منظومة “الضبط” نفسها. الغائب الأكبر عن هذا التعريف هو الأمة فلا وجود للشعب كمصدر للسلطة ولا للبرلمان المنتخب ولا للحكومة المدنية ولا للأحزاب ولا للنقابات ولا للمجتمع المدني. هذا الغياب ليس سهوًا بل هو جوهر التعريف ومقصده.
الدولة هنا لا تنبثق من عقد اجتماعي بين مواطنين أحرار بل تقوم على أكتاف الأجهزة التي تحتكر الإكراه. إنه تعريف للدولة كآلة سيطرة لا كحاضنة سياسية لأمة.
ثم تأتي استعارة “الأركان” لتضفي على هذا التعريف وظيفة سياسية محددة. فالقول بأن الجيش “ركن” من أركان الدولة وأن هدمه يعني سقوط الدولة ليس وصفًا محايدًا بل هو أداة ترهيب فكري مصمَّمة لشل أي محاولة لإصلاح المؤسسة العسكرية أو مساءلتها.
حينما يصبح الجيش “ركنًا” فإن أي جهد لإخضاعه للدستور أو إخراجه من الاقتصاد أو محاسبة قادته يُصوَّر فورًا باعتباره “تهديمًا للدولة” وضربًا لوجودها. هذه الاستعارة تمنح المؤسسة العسكرية حصانة مطلقة وحق فيتو دائم على أي مشروع للتحول الديمقراطي. إنها تحوِّل الجيش من أداة في خدمة الدولة إلى غاية في ذاته وإلى حَكَم على الدولة نفسها. وإذا كان الجيش هو “الركن” الذي لا يُمَس فإن من يسيطر عليه يمتلك الدولة بأكملها ويصبح أي نزاع داخله نزاعًا على الدولة ذاتها وهذا ما يفسر تاريخ الانقلابات والصراع الدموي الراهن.
يمضي الخطاب في بناء آليات للحماية الذاتية أهمها التمييز المصطنع بين “الجيش كمؤسسة” و”مجموعة ضباط سطوا على السلطة”. هذه الثنائية تؤدي وظيفة محددة وهي تنقية المؤسسة المجردة من مسؤولية أي انقلاب وتحميل المسؤولية لأفراد معزولين.
لكن التحليل المؤسسي الجاد لا يقبل هذا الفصل. فالمؤسسة هي مجموعة القواعد والثقافة التنظيمية وهياكل القيادة وشبكات المصالح. وعندما تنجح “مجموعة ضباط” في السيطرة على المؤسسة وتحويلها إلى إمبراطورية اقتصادية هائلة مدة ثلاثة عقود فهذا يعني بالضرورة أن ثقافة المؤسسة ذاتها تسمح بذلك وتستوعبه.
المؤسسة التي لا تتصدى للانقلاب على الدستور والتي تستوعب الانقلاب وتعيد إنتاج نفسها عبره ليست ضحية بريئة بل منحرفة في جوهر بنيتها.
بموازاة ذلك يطرح عثمان ميرغني سردية استغلال القوى السياسية للجيش للوصول إلى السلطة. هذه السردية تحتوي على ذرة من الحقيقة وهي ان نخب سياسية كثيرة مارست التحالف مع العسكر وسعت للسلطة عبر بوابة الجيش. لكن وصف الجيش بأنه “ضحية” لهذا الاستغلال هو قلب كامل للأدوار. فالجيش هو الطرف الأقوى عسكريًا وهو الذي يحتكر العنف المنظم وهو الذي يملك القدرة على “قبول” أو “رفض” أي تدخل.
النخب السياسية الضعيفة لا تستطيع “استغلال” من يملك الدبابات والإمبراطوريات الاقتصادية إلا إذا وجدت في داخل المؤسسة شهوة للسلطة وثقافة تسمح بالتدخل.
الجيش ليس مفعولًا به بل فاعل مستقل له مصالحه الذاتية مثل المصالح الاقتصادية (الذهب والشركات والموارد) والمصالح المؤسسية (حماية الامتيازات والرتب) وأيضاً مصالح طبقية (الحفاظ على نمط حياة النخبة العسكرية). وصف الجيش بأنه ضحية النخب هو تمويه على هذه المصالح العميقة.
ثم يأتي الاستشهاد التاريخي بانقلاب 1958 ليبلغ الخطاب ذروته في قلب المعاني. يقول عثمان ميرغني إن انقلاب عبود لم يكن انقلابًا عسكريًا بل كان استجابة لطلب رئيس الوزراء عبد الله خليل وإن هذا هو “قمة الخضوع للسلطة المدنية”.
هذه الرواية تنتقي من الوقائع ما يخدم أطروحتها. صحيح أن عبد الله خليل في أزمة سياسية خانقة طلب من الفريق عبود تدخلًا لحل البرلمان. لكن ما فعله عبود بعد ذلك لم يكن “خضوعًا” لأي طلب بل كان انقلابًا على الطلب ذاته بحل الدستور بالكامل وتعليق الحريات وحظر الأحزاب والنقابات وإقامة حكم عسكري مطلق ست سنوات. وصف هذا الفعل بأنه “قمة الخضوع” هو قلب للمعاني يهدف إلى صياغة سابقة تاريخية “مطمئنة” تُصوِّر التدخل العسكري ليس باعتباره اغتصابًا للسلطة بل كاستجابة شرعية لطلب مدني. وهذا يخدم وظيفة سياسية راهنة هي شرعنة أي تدخل عسكري مستقبلي بذريعة “طلب” من جهة مدنية ما.
لهذا الخطاب جذور عميقة في تاريخ الدولة السودانية. فمنذ الاستقلال، تشكّلت الدولة على نمط يمكن وصفه بـ “الدولة التي يحكمها الجيش ويحمي فيها السلطة بدلًا من حماية الشعب”. ففي هذا النموذج لم يكن دور المؤسسة العسكرية حماية الحدود فقط، بل حماية نظام نخبوي في المركز، واستخدام القوة لإدارة التنوع في الأطراف.
وهذا الوضع لم يكن حادثًا طارئًا، بل كان جزءًا من طريقة تأسيس الدولة نفسها. فالدولة التي ظهرت عام 1956 لم تنشأ من اتفاق عادل بين المركز والأقاليم، ولا من تسوية بين النخب، بل كانت استمرارًا لبنية الدولة الاستعمارية التي اعتمدت على الإدارة الأهلية والقوة العسكرية في الحكم
في غياب العقد الاجتماعي ملأت المؤسسة العسكرية الفراغ وتحولت إلى “ضامن” لوحدة الدولة بالإكراه. وعندما عجزت النخب المدنية عن بناء إجماع وطني كان التدخل العسكري هو النتيجة. كل انقلاب – 1958، 1969، 1989، 2021 – لم يكن مفاجئًا بل كان تعبيرًا عن هذه البنية العميقة التي تجعل من الجيش الحَكَم النهائي في السياسة.
ثم جاء البعد الاقتصادي ليكرس هذه البنية ويحوّلها إلى شبكة مصالح مادية يصعب تفكيكها. منذ الثمانينيات وبتسارع هائل في ظل نظام الإنقاذ تحول الجيش من مؤسسة عسكرية إلى فاعل اقتصادي مركزي يسيطر على قطاعات واسعة من تعدين الذهب ويمتلك شركات في الزراعة والصناعة والخدمات ويدير شبكات تجارة ويستفيد من اقتصاد الحرب نفسه. الجيش في السودان لم يعد مجرد جيشاً فقط بل أصبح تكتلًا اقتصاديًا هائلًا له مصالحه الذاتية المستقلة عن أي حكومة. وخطاب “أركان الدولة” هو بالضبط الغطاء الأيديولوجي لهذه الإمبراطورية الاقتصادية. فعندما يكون الجيش “ركنًا” لا يجوز مسّه فهذا يعني عمليًا أن الإمبراطورية الاقتصادية التي بناها لا يجوز مسّها.
“حماية أركان الدولة” تعني في الواقع المادي “حماية مصالح النخبة العسكرية الاقتصادية”.
عند قراءة هذا الخطاب في ظل الصراع الحالي، تظهر آثاره الخطيرة بوضوح.
أولًا إنه يمنح أي قيادة عسكرية تتحكم في الجيش مبررًا فكريًا جاهزًا لمهاجمة أي مشروع ديمقراطي. فمجرد الحديث عن إصلاح القطاع الأمني أو وضع الجيش تحت رقابة مدنية يُقدَّم فورًا كأنه تهديد لأساس الدولة.
ثانيًا هذا الخطاب يجعل الوصول إلى سلام عادل أمرًا شبه مستحيل. فكيف يمكن تحقيق سلام بين أطراف تحمل السلاح إذا كانت إحداها تُوصَف بأنها تهدد أركان الدولة بينما الطرف الآخر المسلح نفسه يُقدَّم على أنه ركن الدولة؟ هذا يخلق خللًا كبيرًا في أي مفاوضات سلام.
ثالثًا يمكن استخدام هذا الخطاب داخل المؤسسة العسكرية نفسها إذ يستطيع من يسيطر على الإعلام أن يصوّر خصومه بأنهم مجموعة استولت على السلطة بينما يبرّئ المؤسسة التي يدّعي تمثيلها.
وعند النظر إلى المستقبل يمكن تخيّل ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: أن يترسخ هذا الخطاب ويتحوّل إلى عقيدة شبه رسمية تُستخدم لتعبئة المجتمع ضد أي إصلاح، مع استمرار الحكم بالمنطق الأمني. وهذا سيناريو لا يجلب استقرارًا، لأن استبعاد أغلبية المواطنين من تعريف الدولة لا يؤدي إلا إلى مزيد من الغضب والعنف.
السيناريو الثاني: أن تنشأ مواجهة فكرية وسياسية قوية بين هذا المشروع ومشروع الدولة المدنية، حيث يدرك المعارضون أن الخطاب ليس رأيًا عابرًا بل مشروع سلطة كامل، فينظمون صفوفهم لمواجهته.
السيناريو الثالث (وهو الأكثر مفارقة): أن ينهار الخطاب من داخله عندما يدخل “الركنان” العسكريان (الجيش وميليشياته) في صراع يفتت الدولة نفسها. عندها يصبح من غير المنطقي الحديث عن أركان تحمي الدولة لأن هذه الأركان ذاتها هي التي تدمرها. الصراع الداخلي داخل المعسكر الأمني يكشف زيف الفكرة كلها.
في الختام ما قاله عثمان ميرغني ليس مجرد رأي عابر في نقاش عام بل هو تعبير واضح عن طريقة تفكير تشكّلت عبر سنوات طويلة من سيطرة المؤسسة العسكرية والأمنية على الدولة والمجتمع والاقتصاد.
وبهذا الوضوح قدّم خدمة كبيرة لمنتقديه لأن طرحه أصبح مكشوفًا وسهل التفكيك.
فالنقاش حول معنى “الدولة” ليس حديثًا نظريًا بل جزء من صراع القوة نفسه. فمن يفرض تعريفه للدولة يستطيع أن يحدد من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”.
والرد على هذا الطرح لا يكون بالكلام النظري فقط بل ببناء مشروع كامل لدولة حديثة: دولة يحكمها دستور أعلى وبرلمان منتخب يملك سلطة القرار وقضاء مستقل يفصل بين الجميع ومواطنة متساوية لا تمييز فيها وجيش مهمته الدفاع ويخضع لرقابة مدنية كاملة.
أما الإصرار على ما يسمى “الأركان الأربعة” فليس تعريفًا للدولة بل إعلانًا عن مشروع يقود إلى إلغاء الدولة نفسها.
haytham.compre@gmail.com
