حين فكرت ان اكتب منوهاً لشكيمة ومروة المرأة السودانية وقوة عزيمتها، خاصة وقد ضربت المثل الاعلى في تولي رايدة المجتمع، انتبهت إلى أن هذه الرسالة يمكن أن تكون ، من وجهة نظري، من أجمل حلقات “رسائل إلى الأحباب”، لأنها لا تحتفي بشخص واحد فحسب، بل تحتفي بصورة المرأة السودانية المكافحة التي صنعت الحياة في أصعب الظروف في شخصك الكريم .. وقد تولت السيدة مروة الرفاعي في الرد على هذه الرسالة لانها لمست فيها بعض ما كتبنا
اسمحي لي في المبتدأ ان ارسل لك يا أم محمود، التحيات الغاليات، وسلامٌ بالكوم والقطاعي، زى ما بتكون لغتكم في سوق السجانة، ويليق بمقامك وبجميل صبرك.
اجدني قد ترددتُ كثيرًا قبل أن أكتب إليك هذه الرسالة، ليس لأن الكلمات عصيّة، وإنما لأن بعض الناس من امثالك أكبر من أن تحيط بهم الكلمات الفضفاضة والتعابير الرنانة..
سيدتي الكريمة، اما وقد رأيت منك من همةٍ وعزيمة كل صباح، وأنت تتحزمين، وتتلزمين، وتحملين فوق كتفيك همَّ الدنيا كلها، جعلني أقف طويلًا أمام سيرتك، أتأمل كيف تستطيع امرأة واحدة أن تؤدي دور أمة كاملة.
سيدتي الكريمة، لم أستغرب قرارك الشجاع، (بتحمل مسؤولية تربية ورعاية أبنائك)لكن ذلك القرار أدهشني. فقد أصبح حديث أهل الحي يوم رأوك تحملين قفتك، وفيها السمن البلدي والبيض، وتمضين بخطى واثقة نحو سوق السجانة، لا بحثًا عن تجارةٍ أو ربح، وإنما بحثًا عن لقمة عيشٍ كريمة تحفظ كرامتك وكرامة أبنائك.
وانت يا ام محمود ومنذ أن اختطف الموت زوجك مبكرًا، لم تسمحي للحزن أن يهزمك، ولم تجلسي تنتظرين يدًا تمتد إليك. وقفتِ في المكان الذي تركه، وصرتِ الأم والأب معًا، تزرعين في أبنائك الصبر الجميل قبل الطعام، والكرامة قبل المال، والأمل قبل كل شيء.
كنتِ تعلمين أن الطريق ليس سهلًا، وأن الأسواق لا ترحم، وأن الأيام قد تضيق بما رحبت، لكنك كنت تؤمنين أن اليد التي تعمل لا تنحني، وأن الرزق الذي يأتي من عرق الجبين هو أكثر البركات نقاءً.
ولعل أجمل ما فعلته أنك لم تربي أبناءك بالكلام وحده، بل ربيتهم بالمثال. كانوا يرون أمهم كل صباح تغادر البيت من أجلهم، فتعلّموا أن الكفاح ليس شعارًا، وإنما أسلوب حياة، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يبذل.
سلامٌ عليك يا أم محمود، وأنت تكتبين بصمتك صفحةً من صفحات جميع نساء السودان اللواتي حملن الأوطان على أكتافهن قبل أن يحملن السلال في أيديهن. وسلام على كل أمٍّ آمنت أن العمل شرف، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الأبناء يستحقون أن يُضحّى من أجلهم بكل غالٍ ونفيس.
لك مني خالص المحبة والاحترام، والدعاء بأن يجعل الله ما قدمتِه في ميزان حسناتك، وأن يبارك في أبنائك، فهم اليوم ثمرة ذلك الكفاح.
ابقى قوية لمحبك
عثمان يوسف خليل
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
عزيزي عثمان حياك الله، وبعد
قرأت رسالتك التي كتبتها للحاجة ام محمود،
ودعني اكتب نيابة عنها فقد تكون الان تحت التراب او تاهت حيث تاه الكثير من الناس في بلادنا، والحاجة أم محمود ليست مجرد امرأة تحمل قفةً إلى السوق، بل هي صورة مشرقة لأمهاتٍ سودانيات حملن أثقال الحياة بقلوب صلبة وجعلن من التعب طريقًا للكرامة ومن الصبر زادا للأيام.
في قصتها درس عظيم: أن العظمة ليست في المناصب ولا في كثرة ما نملك، بل في القدرة على الوقوف حين تنكسر الطرق، وفي أن يحوّل الإنسان المحنة إلى رسالة والدمعة إلى قوة، والمسؤولية إلى شرف.
تحية احترام وإجلال للحاجة أم محمود، ولكل أمٍّ وقفت في وجه قسوة الحياة ولم تسمح لها أن تطفئ نورها. أولئك النساء هنّ الذاكرة الحية للوطن، وهنّ من يزرعن في الأجيال معنى الصبر والعزة والاعتماد على النفس.
وشكرا لك انت يا عثمان على الالتفاتة الإنسانية الجميلة ، رجعت لينا صورة المرأة السودانية الأصيلة ، تلك المرأة التي تصنع الحياة بصمت وتكتب أعظم القصص دون أن تطلب تصفيقا أو جزاء إلا من الله.
osmanyousif1@icloud.com
