رسالة إلى المناضلين والمناضلات في قوى الحرية والتغيير

 


 

 

دون تحرير جهاز الخدمة المدنية من عناصر الحركة الإسلامية العميقة لن يحدث التغيير
الدولة العميقة شلت ذراع الثورة الخارجي

انخرطت قوى الحرية والتغيير (المركزي) في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة من تاريخ شعبنا ومن تاريخ الثورة السودانية في مفاوضات صعبة ومعقدة بهدف إنهاء انقلاب 25 أكتوبر المشؤوم واستعادة الدولة المدنية الديمقراطية التي تفتح الباب امام العدالة والقصاص لدماء مئات الألاف من الشهداء على امتداد البلد وإعادة بناء الوطن وتحقيق شعارات الحرية والسلام والعدالة واللحاق بركب الأمم التي تخلفنا عنها بسبب سنوات الظلام الثلاثين الغابرة التي غطت الوطن بالغبار والدم والدموع والاكاذيب. وقد انتهت تلك المفاوضات الصعبة والتي أحسبها من اصعب أنماط النضال المدني بتوقيع اتفاق أطاري إذا ما تم حراسته بشكل جيد سوف يفتح الطريق أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية مزدهرة ، وسيبقى هذا الاتفاق مهما كانت نتيجته واحداً من تكتيكات المقاومة السودانية في هذه المرحلة من تاريخ الثورة السودانية. نأمل أن تدعم القوى الحية وفي مقدمتها لجان المقاومة نار الحق الموقدة وروح الثورة هذا الاتفاق وتشد من أزره ، ولنتجه جميعاً نحو تشكيل جبهة وطنية عريضة قوامها حركة مدنية ومهنية متيقظة ولجان مقاومة آمنت بشعبها وبصوت عصرها وبوصايا شهدائها لحراسة هذا الاتفاق التاريخي. ونثق بأن قوى الحرية والتغيير المركزي المسنودة بشعبها ستستمع لصوت شعبها وتتلمس نبضه وحينها لن تتنكب الخطى.
قصدت من هذا المقال أن ألفت نظر قوى الحرية والتغيير (المركزي ) التي احسب نفسي من ضمن قواها ومؤيديها إلى ضرورة الالتفات إلى قضية مركزية مهمة سبق وأن التفتت إليها لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وكانت تلك اللجنة روح الثورة ونارها التي لا تموت ، وهي مسألة تحرير جهاز الخدمة المدنية من عناصر الدولة العميقة المعادية للتغيير . وللذين لم يستشعروا أهمية هذا الموضوع أو خطورته رأيت هنا أن أملك تجربتي كسفير سابق في الصين لزملائي في قوى الحرية والتغيير وللرأي العام. واحسبها أيضاً هي تجربة كل زملائي سفراء الثورة والتغيير في ذلك الوقت .
الدولة الإسلامية العميقة تشل ذراع الثورة الخارجي.
كانت من أحد أهم أهداف ثورة ديسمبر كما هو معروف إعادة التوازن لسياسة السودان الخارجية وعودة البلاد إلى المجتمع الدولي وإخراج السودان من عزلته التي تسبب فيها نظام الحركة الإسلامية الذي فتح السودان لقوى الارهاب والتطرف وهدد الاستقرار والسلام في المنطقة وفي العالم . وبالطبع هذه سياسة لن ترضى عنها عناصر الدولة العميقة والتي لم ترض عن مجمل سياسة حكومة الثورة حكومة الفترة الانتقالية . على كل حال قررت الدولة الإسلامية العميقة بعد أن فاقت من صدمة رفض الشعب السوداني وقواه الحية لنظامها الذي جسم على صدر شعبنا 30 عاما واستفادت من حرص حكومة الثورة على إعمال القانون لاستعادة أموال ومقدرات الشعب السوداني المنهوبة فرأت في ذلك تراخ وضعف واتخذت قرارها بليل بهيم بإسقاط حكومة الثورة واستعادة الحكم وبكل الوسائل المتاحة . وبدأت مخططها الإجرامي بتخريب الفترة الانتقالية عبر عضويتها وعناصرها المنتشرين والمندسين في جهاز الدولة ومؤسساتها لأفشال كل جهود الحكومة المدنية الانتقالية تمهيداً لانقلاب 25 أكتوبر المشؤوم . وكانت وزارة الخارجية واحدة من أهدافها الرئيسية . وبدأت مخططها الشيطاني لعرقلة عمل هذه الوزارة العريقة التي اختطفتها قبل ثلاثين عاماً.
لقد كانت أول قراراتها هو شل زراع الثورة الخارجي وذلك بعدة وسائل أهمها :-
1- حجب الدعم المالي عن هذه الوزارة التي ما عاد لمنسوبيها في ذلك الوقت السيطرة على بعثاتها ولا على الوزارة لحد كبير ، فلم يتقاض السفراء والدبلوماسيون والاداريون مرتباتهم لأكثر من عام ونصف ، كما حجبت أموال تسيير السفارات من إيجارات وخدمات المياه والكهرباء والانترنت والحراسة وغيرها إلى درجة أن بعض السفارات كادت أن تواجه أوضاعاً قانونية أمام المحاكم وهي مسألة غير مسبوقة غير مسبوقة .
2- عدم رفد البعثات المهمة بالكادر الدبلوماسي لسد النقص تحت دعاوي عدم وجود أموال لشراء التذاكر وغيرها من الأسباب الواهية . ( بعد الانقلاب تدفقت عناصر الحركة الإسلامية وحلفاؤهم إلى السفارات وكذلك الأموال)
3- تحرك عناصر الدولة العميقة في كل الوزارات الأخرى لأعاقه تنفيذ المشاريع والاقتراحات القادمة من السفارات في الخارج والتي تصب في تنفيذ سياسات الحكومة الانتقالية الاقتصادية والسياسية وغيرها خصوصاً بأنه من أهم وصايا رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ووزيرة الخارجية مريم المنصورة الصادق المهدي ، وسعادة وكيل وزارة الخارجية السفير محمد شريف عبدالله الاهتمام بدبلوماسية التنمية .
تجربتي كسفير للسودان لدى الصين
كل القرارات والسبل أعلاه قد تم تطبيقها حرفياً لعرقلة عمل السفارة في الصين ولمنع أية تطور في علاقات السودان بهذا البلد الكبير والمهم في تلك الفترة .
سنعطي هنا بعض الأمثلة الشديدة الوضوح على التخريب المتعمد والمقصود والممنهج الذي مارسته عناصر الدولة العميقة لإجهاض أية تقدم يفيد السودان من علاقته مع الصين .
عند بداية عملي اكد لي المسؤولون الصينيون كافة الذين التقيت بهم بترحيبهم بالحكومة الانتقالية وأكدوا بأنهم يرحبون ويدعمون حكومة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ويرغبون بالتعامل معها وتعزيز علاقات الصداقة التاريخية الطويلة مع السودان في العهد الجديد ، وانهم يرحبون بالإصلاحات الاقتصادية في السودان وسيدعمون حكومة حمدوك اقتصاديا وسياسياً . وبالفعل وجهت القيادة الصينية كافة الوزارات بمساعدة السودان لإنجاح الفترة الانتقالية، كما أبلغتني قيادة الحزب الشيوعي الصيني ذات الرسالة وأفادوني بأنهم يقدرون دور وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي ووصفوها بالصديقة القديمة. كما تم تواصل هاتفي بين حمدوك ورئيس الوزراء الصيني لي كه تشيان . كما حظيت في هذه الأجواء الصديقة بلقاءات مهمة مع كافة كبار المسؤولين الصينيين وكانت بعض اللقاءات استثناء خاصاً وفتحت لي كافة الأبواب في بادرة واشارة واضحة للترحيب بسفير السودان في العهد الجديد.
التقطت كسفير للسودان الإشارات الودودة والصديقة التي أرسلتها الصين لحكومة الفترة الانتقالية وانتهزت هذه الأجواء الإيجابية وقمنا بعدد كبير من الدراسات في القطاع الاقتصادي والخدمي مسترشداً برؤية رئيس الوزراء عبد الله حمدوك المعروفة بالأحزمة الخمسة ، وكذلك بتجربتي الشخصية كمتخصص في الشؤون الصينية وباحث في مراكز الفكر الصينية .خلال فترة معقولة من المتابعات والدراسات والاجتماعات والاستشارات من أصدقاء وخبراء صينيين تقدمنا بعدد 20 مشروعاً ومقترحاً للجانب الصيني لمسنا تأييداً وقبولاً لمعظمها وجميعها تدور حول دبلوماسية التنمية حيث كان قادة الوزارة والدولة يحثون السفراء على أهمية الالتفات إلى دبلوماسية التنمية . سنتطرق لبعض هذه المشاريع والأفكار وسنرى كيف استطاعت الدولة العميقة اعاقتها جميعا تقريباً .
1- مشروع نقل مياه النيل من الحديبة بالقرب من الدامر إلى بورتسودان .
2- مشروع انشأ ميناء حديث على سواحل البحر الأحمر مصاحب بمنطقة اقتصادية حرة.
3- مقترح بإنشاء شركة صيد بحري للاستفادة من ثروات البحر الأحمر السمكية حال كل الدول المشاطئة .
4- مقترح إعادة بناء الاسطول البحري المدني" الخطوط البحرية السودانية " في السودان .
5- إنشاء مناطق صناعية مرتبطة بقطاعي الزراعة والحيوان لتطوير الصناعات المرتبطة بهاتين القطاعين. Agriculture Industrial Park
6 – اقترحت البعثة بناء عدد 8 محطات مياه في ولايات السودان الرئيسية بالاستفادة من منح سابقة لم يستفد منها السودان .
7- اقترحنا بناء عدد 4 مستشفيات حديثة في أربعة ولايات وافق الجانب الصيني مبدئياً على بنائها وطلب معلومات.
8- اقترحنا بناء خط سكك حديد سنار أدري. بدعم صيني مريح
9- خط حديد يربط بابنوسة – بجمهورية جنوب السودان.
10- انشأ محطات للطاقة الشمسية في السودان ونقل التكنولوجيا والتصنيع المرتبط بالطاقة الشمسية في السودان.
11- استئناف العمل لبناء مطار الخرطوم الجديد.
12 – بناء جامعة السودان للزراعة.
13- بناء جامعة السودان للسكك الحديدية.
14- بناء أكبر مسلخ في افريقيا في غرب امدرمان بتمويل صيني كامل .
15- لكسر احتكار بعض الجهات للتجارة مع الصين اقترحنا توقيع مذكرة للتعاون بين القطاع الخاص الصيني والسوداني .
هذه جزء من المشاريع والاقتراحات التي وافقت الجهات الصينية على إمكانية المساهمة والنظر في إمكانية دعمها وتنفيذها . وقد قامت سفارتنا في بكين بعد اجتماعات واوراق عمل وموافقات مبدئية ونهائية لبعضها وتم أرسالها لوزارة الخارجية وقد قامت الوزارة بنقلها ومتابعتها مع كافة الجهات المعنية بنشاط ودقة تحت الاشراف المباشر لوزيرة الخارجية النشطة مريم المنصورة الصادق المهدي التي تتابع شخصيا الكثير منها بجد .
إلا أن هذه المشاريع بالرغم من المجهود الكبير الذي قامت به الإدارات المختصة بالوزارة ومتابعة الوزراء المعنيين، إلا أن الدولة الإسلامية العميقة نجحت في منع تقدم وتنفيذ هذه المشاريع رغم أهميتها مستخدمة وجودها ونفوذها في جهاز الدولة ، وسأتحدث هنا عن بعض الأمثلة علها تعكس هذا الوضع الغريب .
هدية الثورة لأهلنا في شرق السودان نقل مياه النيل للشرق
- أهتمت حكومة الثورة ووزارة الخارجية بهذا المشروع ودفعت قيادة وزارة الخارجية والمسؤولين في مجلس الوزراء الذين وصفوا المشروع بأنه (هدية الثورة لأهلنا في شرق السودان ) واستطاعوا أن يتجاوزوا كل المعوقات التي وضعتها الدولة العميقة هنا وهناك ، ووافقت وزارة الحكم المحلي بتاريخ 15/12/2020 على المشروع وتم إرسال الموافقة إلى والي ولاية البحر الأحمرعبدالله شنغراي أوهاج . وظللنا نطارد شنغراي بالتلفونات والواتساب ليعطي موافقاته على المشروع الهام الذي سينهي قرون من العطش في الشرق دون فائدة ، وعندما ضاق من ملاحقتي قال أن هناك عروض أخرى . وفي تقديري جاءت أحداث إغلاق الشرق تمهيدا للانقلاب لتكشف (عن هذه العروض الأخرى ).
- بناء شركة صيد بحري حكومية ، وبناء سفن للبضائع والسلع والصادرات والركاب .
وافقت الجهات الصينية المختصة على هذه المشاريع التي كانت ستحسم مسألة تراخي الشركات الأجنبية في نقل صادرات السودان ، كما سيكون لنا ولأول مرة شركة صيد بحري مثلنا ومثل باقي الدول المشاطئة للبحر الأحمر يقدر أن دخلها السنوي يفوق عشرات الملايين من الدولارات كما ستسهم في الأمن الغذائي . حجبت الدولة الإسلامية العميقة هذه المشاريع . وكان من الطبيعي أن لا تصلنا ردود أيضاً على اقتراحنا ببناء ميناء جديد على البحر الأحمر تحت سلطة سودانية كاملة .
اقتراح وموافقة مبدئية ببناء 4 مستشفيات .-
لحاجة السودان الماسة لإصلاح النظام الصحي تقدمنا بطلب للحصول على 4 مستشفيات كبيرة من الصين على ضوء التزامات الصين المعلنة في وثائق المنتدي الافريقي الصيني لبناء عدد من مستشفيات الصداقة في الدول الإفريقية ، وحصلنا على موافقة مبدئية وطلب الجانب الصيني مشكوراً معلومات حول طبيعة هذه المستشفيات والتخصصات ومواقعها وعدد الأسرة للدراسة. تابعنا مع سعادة عمر النجيب وزير الصحة الذي أهتم بالموضوع ووجه بإجراء اللازم ، ورغماً عن اهتمامه ومتابعته إلا أن منظومة الادارة التي يسيطر عليها الإسلاميون علناً وخفية في وزارة الصحة ، لم ترسل أية معلومات حتى حدوث الانقلاب .
تكرر ذات الوضع عندما قررنا تحويل منح قديمة لم يستفد منها السودان لبناء عدد من محطات تنفية المياه على نهر النيل(7) في الخرطوم وكوستي والدامر عطبرة ومدن أخرى . حيث لم نتلق أية ردود حول قرار السلطات حولها وكان المطلوب تحديد مواقع وسعة هذه المحطات لا غير كي تتم المفاوضات واتخاذ القرار بشأنها والدفع في إتجاه تنفيذها .
استلهاماً لرؤية رئيس الوزراء عبدالله حمدوك المعروفة بالأحزمة الخمسة قمنا باقتراح بناء عدداً من المناطق الصناعية المرتبطة بالزراعة والحيوان لتمنح منتجاتنا الزراعية والحيوانية قيمة مضافة وتسهم في بناء منظومة صناعية مرتبطة بالقطاعين الزراعي والحيواني مستهدفة أسواق الجوار والخليج والعالم ، وقدر خبراء بأن عائد هذه المناطق سيفوق عائد تصدير النفط كما سيخلق عشرات الالاف من الوظائف ، ويحسن من حياة المجتمعات الزراعية . وبالرغم من أهمية هذا المشروع الضخم وبالرغم من اهتمام وزارة الخارجية بالمقترح ومتابعته بشكل لصيق، إلا أن المشروع كان يتعثر في أروقة وادراج الدولة العميقة . ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن اخطبوط الدولة العميقة في الخدمة المدنية اتصلت مباشرة بالأخ المناضل إبراهيم الشيخ وزير الصناعة الذي بدأ على الفور في النظر في كيفية التعامل مع الموضوع لكن سرعان ما قطع الانقلاب عليه الطريق .
أما قصة مسلخ غرب امدرمان فهذه قصة أخرى حيث لم ترد الجهات المختصة على التصاميم المرسلة للجانب الصيني ، وقد ابلغني وزير المالية السيد جبرئيل إبراهيم بأن السودان لا يستطيع قبول قروض حالياً ، قمنا في السفارة ببذل مجهود مقدر للتحدث مع القيادة الصينية لتحويل القرض الخاص بهذا المشروع المهم أكثر من 70 مليون دولار أمريكي إلى منحة كاملة وليس قرض وقد وافق الجانب الصيني في رسالة أخرى تفيد بدعمه للفترة الانتقالية ، وبعدها طالبت الجهات الصينية المناط بها تنفيذ المشروع على الأرض من شركة جياد الإسراع على الرد عليها بخصوص التصاميم للبدء في التنفيذ بعد أن تم تحويل القرض إلى منحة ، وظللنا نطارد جياد وغيرها من المؤسسات دون طائل حتى قيام الانقلاب على الفترة الانتقالية .
كان مصير الجامعات التي تم اقتراحها ، وإقامة مشاريع وبنية تصنيعية لالواح وأجهزة الطاقة المتجددة ، وبقية المشاريع المشار اليها أعلاه هو ذات المصير ، ما عدى جامعة السكك الحديدية التي أهتم بها العطبراويون وما ادراك ما العطبراويون .
وكسفير سابق للسودان في الصين أود في نهاية هذا المقال أن أشير إلى واحدة من اكثر الأمثلة وضوحاً ودليلاً على تأمر وجراءة عناصر الدولة العميقة في جهاز الخدمة المدنية على العمل ضد حكومة الفترة الانتقالية والعمل عنوة لإسقاطها وجهاراً نهاراً .
اتصل بي مستشار رئيس الوزراء للشؤون السياسية آنذاك الأخ ياسر عرمان ونقل لي أن الحكومة الانتقالية تعد لمؤتمر لتنمية الشرق ، ونعلم بأن لكم عدداً من المشاريع المهمة لأهلنا في شرق البلاد ، وطلب مني إرسالها جميعاً في اقرب وقت عبر الحقيبة الدبلوماسية وستنقلها بطبيعة الحال وزارة الخارجية لمجلس الوزراء . وطلب الإسراع في ذلك . وقد فعلنا ذلك بعد 48 ساعة فقط حيث أعددنا المشاريع الخاصة بشرق السودان وهي 4 مشاريع رئيسية مشار إليها أعلاه ، علماً بأن رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية ،والاخ ياسر عرمان كانوا مهتمين بشكل كبير بإنهاء أسطورة العطش في شرق السودان .وكان من ضمنها مشروع رئيسي لدعم جهود الحكومة الانتقالية وقيادة السكة حديد لإعادة بناء شبكة السكك الحديدية السودانية وهو مشروع سكك حديد بورتسودان أدري ، ومشروع ميناء جديد في شرق السودان . تحمس المدير الإداري الصديق العزيز علي حامد ونقل الحقيبة إلى المطار وتابعها حتي وصولها إلى مطار الخرطوم . وهناك احتجزت عناصر الدولة العميقة الحقيبة الدبلوماسية لأكثر من أربعين يوماً مما يرجح معرفتهم التامة بمحتوى الحقيبة والغرض منها وهو أول حادث من نوعه في تاريخ الدبلوماسية السودانية .
لقد جندت الحركة الإسلامية وحلفائها كل عضويتها في جهاز الخدمة المدنية لإفشال أية محاولة للإصلاح تقوم بها الحكومة الانتقالية في أي مجال يخطر على بال القارئ تمهيداً لانقلابها المشؤوم في 25 أكتوبر. ونلاحظ بأنه وبعد تنفيذ الإسلاميون لانقلابهم وعادت كوادرهم للسيطرة الثانية على وزارة الخارجية والسفارات بدأت الأموال في التدفق في شرايين الوزارة والسفارات وكذلك الكوادر التي كانت تحجب عن سفارات الثورة بحجة عدم وجود الأموال ، على سبيل المثال كانت سفارة السودان لدى الصين تعمل لمدة سنة وأربعة أشهر بسكرتير ثالث وسفير فقط ، بعد الانقلاب وصل حوالي 6 دبلوماسيين من كافة الدرجات، والحال هكذا في السفارات الأخرى .
وفي تقدير هذا الكاتب والبلاد تدخل مرحلة جديدة تسعى فيها إلى لملمة أطرافها ولم شمل الوطن وتتقدم في اتجاه إعادة البناء لا بد أن يعي قادة التغيير بأن قوى الدولة العميقة التي بدأت فلولها تملئ الطرقات ، لن تسمح بإعادة بلد تم انتزاعه منها بدم وتضحيات غير مسبوقة ومؤلمة وأن تحرير جهاز الدولة من عناصر الدولة العميقة التي استوطنت هذا الجهاز لأكثر من ثلاثين عاما شرط أساسي لبناء دولة مدنية ديمقراطية ، وحتى نكون واضحين إننا في هذا المقال نعني بعناصر الدولة العميقة تلك العناصر المعادية للتغيير إي كان لونها ومعتقداتها وفي مقدمتها عناصر النظام القديم المعادية لشعبنا .
في نهاية هذا المقال أتقدم بالشكر لزملائي في السفارة السودانية جميعاً الذين أظهروا تعاوناً وجهداً لا محدوداً وأنا من الشاكرين لتعاونهم. الشكر أيضاً لوزيرتي الخارجية السيدة أسماء محمد عبدالله ومريم المنصورة الصادق المهدي اللتين كسرتا الحصار المضروب على الوطن وجعلتا سفينة الخارجية تبحر في محيط دولي هادئ وودود. الشكر لسفراء الثورة السودانية الذين استدركوا مبكراً أن صافرات انقلاب 25 أكتوبر هو نعيق شؤم على الوطن فوضعوا اقلامهم والتحقوا بصفوف شعبهم، لقد كانوا بحق سفراء لشعبهم. التحية للزميلة العزيزة السكرتير الأول الكنداكة شفق عبد الجليل مكوار التي أختارت الوفاء لثورة جيلها فانحازت لطريق الشعب في هذا العمر المبكر ، والمستشار عبد المنطلب أحمد الشيخ الذي لم يتردد في الانحياز لقوى المقاومة حينما كان الانحياز صعباً ومكلفاً . لقد مثلت شفق وعبد المنطلب جيلهما ووزارتهما وقسم الدبلوماسي للتعبير عن شعبه خير تمثيل، وقد آن أوان لعودتهما إلى مواقعهما حراساً للثورة في هذه الوزارة العريقة المختطفة .

د. جعفر كرار أحمد
سفير السودان السابق لدى الصين

eastofahmed60@yahoo.com

 

آراء