رفع العقوبات الأمريكية ثم ماذا بعد ؟ .. بقلم: حسن محمد صالح

عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما رفعا جزئيا للعقوبات الإقتصادية الأمريكية ضد السودان(( في يوليو من العام الماضي)) علقت بالقول إن الخطوة التي إتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر بمثابة إزاحة لكابوس جسم علي صدر الشعب السوداني علي مدي عقدين من الزمان وكم كنت سعيدا عندما ردد وزير المالية السابق بدر الدين محمود هذه الكلمات واصفا الحظر الإقتصادي الأمريكي بالكابوس .
واليوم تنفذ الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب ما وعدت به من رفع للعقوبات الإقتصادية الأمريكية عن السودان كليا وقبل التاريخ المحدد لإتخاذ القرار من جانب الرئيس الأمريكي في 12 إكتوبر الجاري .
وكان العالم كله قد حبس أنفاسه في إنتظار صدور القرار الأمريكي وصرح وزير الخارجية البروفسير إبراهيم غندور بأن الأمر كله صار في يد الرئيس الأمريكي ترامب كما صرح رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير بأن السودان قد قام بما عليه خير قيام والباقي علي الولايات المتحدة الأمريكية .
ومهما كانت النظرة للسياسة الأمريكية إلا أن ما طلبته الولايات المتحدة في كافة المسارت التي تم تحديدها من خلال اللجان المشتركة للحوار بين البلدين يصب في الأساس في مصلحة السودان فالمسارات الخمس وبلا إستثناء من الأمور التي يجب أن تطلع بها كل دولة في العالم تعرف مصالحها وتريد أن تحقق الإستقرار لنفسها وتساهم في السلام والأمن الدوليين فالتعاون مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب والإتجار بالشر وتحسين أوضاع حقوق الإنسان والحريات السياسية والإعلامية . وتسهيل نقل مواد الإغاثة للمنطقتين جبال النوبة والنيل الأزرق والعمل علي تحقيق السلام في دارفور ووقف أي نوع من الدعم للمعارضة المسلحة في دولة جنوب السودان كل هذه المسارات في الأساس من مصلحة السودان وشعبه الذي لا صلة له بالإرهاب ولا مصلحة له الإتجار بالبشر والإتجار بالبشر هذا عملية معقدة تتقاطع فيها مصالح الدول الأوربية مع مصالح مافيا الإتجار بالبشر والسودان نفسه ضحية لعبور قوافل المهاجرين من البلاد الإفريقية وغيرها للدول الغربية بطريقة غير شرعية .
ويأتي رفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية عن السودان بمثابة شهادة من المجتمع الدولي كله وليس الولايات المتحدة الأمريكية وحدها علي قدرة الدولة السودانية علي إنجاز الكثير من المهام علي أرض الواقع فلم تكن الولايات المتحدة وحدها هي من يراقب السودان ويريد تنفيذ المسارات الإنسانية ومكافحة الإرهاب ولكن جميع دول العالم بما فيها إسرائيل قد تبين لها أن مصالحها الحيوية وأمنها لن يتضرر من قبل السودان وهو يشرع ويجد في تنفيذ المطلوبات الدولية .
وقد تابعت المخابرات الأمريكية والغربية بحذق تام الأنشطة التي قام بها السودان في كافة المسارات وفي يوليو الماضي أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجان التفاوض وقام بمد الفترة الزمنية لرفع العوقبات الأمريكية عن السودان ثلاثة أشهر أخري لمزيد من الإطمئنان من جانبه علي سلوك الدولة السودانية التي نجحت في إمتحان الرئيس ترامب بإعتبار الفترة الماضية هي ملك للرئيس الأمريكي وحده .
وهناك حديث وأسئلة يرددها الشارع السوداني ثم ماذا بعد رفع العقوبات وهل يستفيد السودان من قرار الرئيس الأمريكي للصادر للتو في مصلحة السودان أم أن الأمور سوف تمضي علي ما هي عليه من معاناة وغلاء في الأسعار وضنك في العيش وكثير من الناس يرون أن الدولة السودانية قد حاربت الإرهاب والإتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود ولكنها لم تحارب الفساد المالي والإداري في مؤسساتها ولدي مسئوليها ؟ وهناك تركيز علي سعر الدولار الذي صار هو الترمومتر الذي نقيس به وضعنا الإقتصادي بل إن الدولار قد أصبح سلعة بالإضافة إلي دوره في رفع أسعار السلع المنتجة محليا والمستوردة ؟ وفي رأي أن رفع العقوبات الأمريكية في حد ذاته أمر مهم للغاية بعد أن ثبت تماما أن السودان لا يستطيع أن يعيش لوحده ((جزيرة معزولة عن العالم )) وأن شعار نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع هو مجرد ملهاة سياسية وعاطفية وما يمكن أن يتحقق من وراء رفع العقوبات هو عودة التوازن فقد كنا في حالة من عدم التوازن التجاري والإقتصادي والإجتماعي والتفسي بسبب هذه العقوبات فعند ما يكون الطريق طبيعيا وممهدا تستطيع أن تسير فيه من غير خوف وهذا ما ستفعله الأوضاع الجديدة لإقتصادنا والذي يحتاج لإصلاحات شاملة ويحتاج لوقت لتحقيق هذه الإصلاحات من محاربة للفساد وكان الحظر الأمريكي نفسه سببا في بعض وجوه الفساد لأن الدولة السودانية كانت تمارس التهريب للحصول علي بعض إحتياجاتها من السوق العالمي وما نحتاجه اكثر ((زيادة في الإنتاج ))و تحرير إقتصادي كامل تخرج فيه الدولة من رغيف الخبز والمعجنات إلي الصناعات التحويلية والتكنلوجيا الرقمية وإصلاح الخدمة المدنية والإكتفاء الذاتي من الغذاء خاصة الحبوب والسكر والفاكهة لا داعي للإستيراد ونحن بلد زراعي . وهذا كله يحتاج لإستقرار سياسي وأمني لن يتحقق إلا بتحقق السلام ووقف الحرب وعودة السودانيين جميعا للعيش في وطن آمن ومستقر ومتطلع ليكون دولة نامية وليست نائمة علي وقع العقوبات والحروب والدمار والله من وراء القصد وهوز يهدي السبيل

elkbashofe@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً