رمتني بدائها وانسلت  .. بقلم: عاطف عبدالله

في رسالة طويلة جاءتني عن طريق أحد الأصدقاء موجهة إلى العلماء والدعاة وطلبة العلم وجميع المهتمين بالدعوة للإسلام تقول الرسالة إن المرحلة التي هم فيها الآن مرحلة صدام فكري وليس عقائدي وتسوق مبررات واهية وتتعلل بظهور أنواع من التيارات ذكرتها “كالملحدين والليبراليين والشيوعيين والعلمانيين” بعد ان اتهمتهم بأن قصدهم هدم الإسلام – (كأن هذه التيارات وليدة سقوط الإنقاذ)، وهي تحذر منهم باعتبار استهدافهم الإسلام وإن كان متبعوها مسلمين- وذلك بضرب المسلمين دون فرق عندهم بين الجماعات ولا الطوائف أو الأحزاب.
كاتب الرسالة يرى أن التدين في تراجع، وتدين الناس والشباب بالذات أصبح ضعيف، ويعود ذلك، بحسب رأيه، إلى أمرين:
• ضعف خطاب الدعاة وعدم مواكبته للواقع.
• نكسة الحكام السابقين.
وهو يرى أهمية التفريق بين الإسلام ونظام الكيزان فيقول” الإسلام دين من الله وهو معصوم، ونظام الكيزان فكرة لقيام حزب وقد كان منها ما كان” …. فقط كان منها ما كان؟!! هذا أقصى ما جادت به قريحة كاتب الرسالة من نقد لأسوأ مرحلة عرفها شعب مسلم في التاريخ. “لاحظ كيف يتبرأ الإسلامويين من الكيزان كأنهم جسم غريب لا علاقة لهم بهم ولا دروا أنهم هم الكيزان مهما تجملوا وغيروا وبدلوا في جلودهم”.
يواصل صاحب الرسالة هجومه على التيارات الفكرية المتنوعة، بأنهم كفار وملحدين، حتى ولو كانوا مسلمين، فيوجه علماء الدين في كيفية مناقشتهم لردعهم والتقليل من تأثيراتهم على الشباب وذلك بمزاحمتهم في مجالاتهم التي يقدسونها والالتحاق بها كالمجالات الطبية والكيمياء والفيزياء والصيدلة والمختبرات والهندسة الطبية والمخترعات وعلوم الفلك والفضاء والهندسة والبترول والاقتصاد…. إلخ. وذلك حتى يتمكنوا من مناقشة العلمانيين ومجادلتهم ثم ردعهم فكرياً حسب متطلبات المرحلة.. وهي دعوة نفاق وإلا لماذا لم يتفوه بها أي من الدعاة حينما كان الحوار يدار في بيوت الأشباح تحت وقع السياط وانتهاك المحارم.
لا ننكر بأن هناك فعلا تيارات فلسفية عقلانية مختلفة المشارب والرؤى وهي عادة ما تزدهر في ظلِّ الحريات والديمقراطية، بعضها مثالي وبعضها مادي إلحادي وهي نتاج  فلسفات جدلية ووجودية معظمها ظهر في عصر النهضة بأوروبا ولم تكتشف فجأة بعد سقوط لإنقاذ، وتلك التيارات الفلسفية ظلت في مناهضة للمعتقدات والأفكار الدينية في إطار حربها مع الطبقات الإقطاعية والرأسمالية التي كانت تستغل الكنيسة والدين في فرض هيمنتها الطبقية على الأقنان والعمال والفلاحين والفقراء في أوروبا، ولا اعتقد بان الإسلام تضرر منهل بشكل مؤثر كما تضرر من الصراع الدموي بين التيارات والمذاهب الإسلامية والصراع الفكري داخل تيارات الفكر الإسلامي نفسه مثل الصراع بين القرآنيين والجماعات السلفية أو بين المعتزلة وأهل الحديث.
كما أننا لم نشهد أي دعاية إلحادية من قبل تلك التيارات في إطار نشاطها السياسي أو الثقافي بل على العكس فهي ساهمت في الإرتقاء بوعي الإنسان السوداني المسلم وعرفته بحقوقه وهي في ذلك سيان مع جوهر رسالة الإسلام الذي جاء كثورة اجتماعية لردع الظلم والمساواة الاجتماعية والدعوة لمكارم الأخلاق.
هناك ضعف وعدم ثقة وسط الشباب في الدعاة ورجال الدين، تلك حقيقة لا يمكن إنكارها، وكذلك اهتزاز ثقة الكثيرين منهم في الدين! تلك أيضاً حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن ما السبب هل هو انتشار التيارات الفكرية اليسارية وضعف الدعاة ونكسة النظام السابق كما يدعي صاحب الرسالة؟ أم أن الضرر الأكبر وكما يعلم القاصي والداني، سببه هو أولئك العلماء، أو بالأصح مدعيي العلم، ضعاف النفوس، إلا من رحم ربي، الموجهة لهم الخطاب، الذين ما عادوا قادرين على الاقناع ونشر الدعوة، بعد أن تم تدجين الغالبية العظمى منهم بولائم القصور والمساكن الفاخرة والمركبات الفارهة والعطايا والمزايا الدولارية، بالإضافة إلى الوظائف الوهمية ذات المخصصات العالية في المنظمات المشبوهة مثل سيئة الذكر هيئة علماء السودان ومجالس إدارات المصارف الإسلاموية ومنظمة الدعوة الإسلامية.
كذلك في ظل ثورة المعلوماتية أصبح التراث الإسلامي في متناول يد الجميع الأمر الذي سلط الضوء على كثير من الزيف واللا عقلانية والخزعبلات المتخم بها ذلك التراث، والتي لم تواجه بالنقد والتوضيح من قبل العلماء المسلمين بل مورست تجاهها سياسة الغتغتة والدسديس وحينما لم تعد مجدية، في ظلّ تدفق المعرفة، قوبلت بالإنكار والتغبيش والتجاهل كأنها لم تكن، مما فتح الباب أمام الشباب للشكِّ والظنّ.
اما ثالثة الاثافي يتمثل في السقوط الأخلاقي الكبير والفساد والاستبداد للأحزاب السياسية والحركات الجهادية التي امتطت صهوة الدين للوصول لكراسي الحكم وعكست وجه قبيح للإسلام من قتل وحرق وذبح بادعائها تطبيق الشريعة والشريعة منها براء، تلك الأحزاب وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين في رأيي هم الخصم الحقيقي للإسلام لأنهم جمعوا كل آيات السوء كواجهة للإسلام وصدقوا كذبتهم بأنه بسقوطهم سيسقط الإسلام.. وهم حقيقة لا يتخوفون على الإسلام وليسوا حريصين عليه، بل يخافون على مصالحهم المادية التي تحققت لهم بغير وجه حق في ظل نظام إسلاموي طفيلي بغيض، نظام الكيزان الذي يتبرؤون منه الآن.
الإسلام، والحمد لله، ليس بحاجة لعلماء واطباء كي ينتشر، إلا ولما كان خيار الله لنبي أمي لا يقرأ ولا يكتب لتوصيل الرسالة. وإلا لما كان من قام الدين على أكتافهم من مسلمي مكة الأوائل من ضعاف وفقراء القوم .. الإسلام، يا سادتي، كي ينتشر ويزدهر بحاجة فقط إلى القدوة الحسنة والنموذج السلوكي القويم، الإسلام لم يجيئنا على ظهر دبابة ودبابين، مجاهدين وانبياء كذبة، الإسلام انتشر في كل بقاع السودان بفضل دعاة فقراء، كل ما ملكوا من حطام الدنيا ابريق وتبروكه ومسبحة وكلمة طيبة، طافوا كل أرجاء السودان على ظهور البعير والحمير يدعون للإسلام، احترموا الناس فاحترمهم الناس فعمَّ الإسلام وغطى القرى والحضر، فهل علماؤك ودعاتك يا صاحب الرسالة على قدر ذلك التحدي.
atifgassim@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً