عبد الله علي إبراهيم
منعاً لتأثير الإسلام على النوبة قرروا إلغاء محاكم الشريعة في الدلنج ورشاد وجعلوا الإدارة الأهلية تختص النظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين منهم
ملخص
(هدفت سياسة النوبة إلى الحفاظ، أو رعرعة، حضارة وثقافة أصيلة في وجه تعريب سفاحي، أو أقله، دعم ذلك الطور حتى يأتي زمان على الناس وقد تأهلوا ليختاروا عن معرفة نوع الثقافة التي تلقى قبولهم).
التقى في مجلس على الهواء الطلق بمدينة نيالا عاصمة دولة تأسيس، نخبة من أنصارها الكتاب، تصدرهم الدكتور أبكر آدم إسماعيل من صفوة الحركة الشعبية وكبير المنظرين في علاقة المركز والهامش. فقال إنهم انتدبوا أنفسهم في تأسيس لتفكيك بنيات الاستعمار التي تركها فينا. وهي بنيات وطدوا فيها أفكارهم وأعادوا إنتاجها في أذهان الناس. وعلى رأس تلك البنيات الدولة وهي ما تواثقوا في تأسيس على أنها دولة غير وطنية. فكل المقاربات التي سلفت لتوطين هذه الدولة كانت لولبية مرتدة. وجاءت تأسيس لتنجز هذا التوطين مرة وللأبد.
غير خاف أن الدولة غير الوطنية التي عناها أبكر كخالفة استعمارية هي دولة 56 التي نازعتها صفوة من النوبة بصور مختلفة منذ انضمام طلائعهم إلى الحركة الشعبية (زعامة جون قرنق) في النصف الثاني من الثمانينيات حتى حلفهم السياسي العسكري مع الدعم السريع منذ نحو عام أو أكثر. بل وباستقلالهم أكثر السنوات فيما بين التاريخين بدولة “كاودا” الحصينة في جبال النوبة.
وصح أبكر في تشخيص الدولة التي تركها فينا الاستعمار باللاوطنية إلا أن يكون اقتصرها على دولة 56 التي خضعت في حكمها لصفوة نيلية من العرب المسلمين. فواقع الحال أن دولة الاستعمار انبنت كما الدولة في يومنا على مركز هو شمال السودان وهامش هو جنوب السودان وما يعرف بـ”الجنوب الجديد” وهو جبال النوبة ومنطقة النيل الأزرق. وأدار الاستعمار شأنهما على سياسات عرفت بـ”سياسة الجنوب” (1930) وسياسة جبال النوبة (1931) أراد بهما أن “يتطورا” على بنياتهم الثقافية بمعزل عن الشمال وتأثيراته العربية الإسلامية.
وحملت تلك الخطة الإنجليز محامل من البله السياسي. فلم تر مثلاً في التبشير بالمسيحية بين القوم وحملهم على اللغة الإنجليزية خرقاً لتلك البنيات. كما أنهم رتبوا للجنوب أن يلحق في وقت يقررونه بدولة بشرق أفريقيا.
فهدفت سياسة النوبة إلى الحفاظ، أو رعرعة، حضارة وثقافة أصيلة في وجه تعريب سفاحي، أو أقله، دعم ذلك الطور حتى يأتي زمان على الناس وقد تأهلوا ليختاروا عن معرفة نوع الثقافة التي تلقى قبولهم. والأصالة هنا مما يتأتى من خلق وحدات عرقية أو قبلية مستغنية عن غيرها تقوم بنياتها ونظمها على العادات والتقاليد والعقائد الصميمة للنوبة.
ولتنفيذ تلك السياسة في جبال النوبة سد الإنجليز كل منفذ للنوبة إلى مدن الشمال.
فبعد إنزال النوبة للسهل من الجبال التي اعتصموا بها لمقاومة الإنجليز أول عهدهم بهم سرعان ما اكتشف الإنجليز أنهم عرضوا النوبة للتأثير الإسلامي العربي من شعب البقارة العربي المسلم الذي ساكنهم في السهل. بل تقاطعت دروبهم معهم في زراعة القطن الذي فتح الإنجليز بابه للنوبة. فدخلت النقود اقتصادهم وتتواتر ارتفاع قيمتها عندهم. وأمنت لهم الطرق التي شقها الإنجليز الهجرة للمدن في الشمال للعمل وفي قوة دفاع السودان خاصة. ورأى الإنجليز أنه إذا ما ازدادت وتائر تلك الخلطة مع الشماليين اتخذ النوبي هيئة العربي “يلبس مثلهم ويتحدث العربية”.
ومنعاً للمزيد من تعريب النوبة وإسلامهم شرعوا في ما سماه الدكتور كمال عثمان صالح بتجريدهم من “البندرة” (urbanization) بالصور الآتية:
فلم يحولوا دون النوبة والعمل في المدن التي في نطاق جبالهم. ولكن تلافياً لتعاظم تأثيرها عليهم بنوا لهم قرى على مقربة منها يعودون لها مساء منعاً لهم من التعرض لثقافة المدينة فوق ما يحتاجون له لكسب رزق يومهم.
وقف كل تخديم للنوبة في قوة دفاع السودان خارج دائرة جبالهم بعد أن كان شجعهم الإنجليز في أول عهدهم للهجرة للمدن وللعمل في الجيش وغيره لاكتساب حداثة يذيعونها بين أهلهم متى عادوا. وأنهوا خدمة كل النوبة في الجيش في الشمال. وحلوا الفرقة النوبية التي كان معسكرها بشندي بوسط السودان.
وتربصوا بمن شق عصا الطاعة من النوبة وهاجر للمدينة ليلقوا عليه القبض ويردوه إلى الجبال في عملية عرفت لاحقاً بـ”الكشة”.
ومنعاً لتأثير الإسلام على النوبة قرروا إلغاء محاكم الشريعة في الدلنج ورشاد وجعلوا لمحاكم الإدارة الأهلية اختصاص النظر في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين منهم. وقالوا إنها ستطبق الشريعة كما فسرتها أعراف النوبة. وكان للقسم الشرعي من القضائية وقفة صلبة ضد ذلك الافتراء. واكتفوا بقاض دوار يأتي لتلك المدن عابراً لا مقيماً ليقضي بين المسلمين فيها.
وكانت تلك السياسة وبالاً على النوبة إلى يومنا. فخلص صالح إلى أن إجراءات سياسة النوبة حجبتهم دون البندرة. فغلقت فرص ترقيهم في الجيش وغير الجيش، المؤسسة المركزية، بل حرمت أبناءهم وبناتهم مستقبلاً من فرص التعليم والوظيفة طالما عادوا بهم للجبال. فما ترقى الشماليون إلى المراقي المحسودين لأجلها في يومنا إلا لأنه لم يحل حائل بينهم وبين البندرة فتوافدوا للمدن وخدموا عمالاً في الغالب فتوافرت فرص التعليم وغير التعليم لأبنائهم رقوا بها المراقي.
فإذا صح القول إنه لم يتغير شيء ما بين الدولة، تركة الاستعمار، وهامشها بعد الاستقلال على ما يعتقد أبكر ورفاقه، صح القول إن علاقة الهامش بالمركز كما أراد لها الإنجليز لم تتغير أيضاً. فتقوم الحركة الشعبية منذ 2011 إلى يومنا في دولة حصينة زاهدة في العلاقة معها. وهي نفس العزلة التي أرادتها سياسة النوبة الإنجليزية لهم.
ومن ذلك أن الحركة الشعبية ظنت كما الإنجليز أن تأثير العربية والإسلام من ورائها، مما يرمي بها في “تعريب سفاحي” كما في سياسة النوبة. فتحولت الحركة الشعبية بوسيط التعليم في مدارسها من العربية إلى الإنجليزية بليل كما عرض لذلك الكاتب المحامي كمال الجزولي. فنظر لذلك التحول على بينة تقريرين صحافيين أحدهما من الواشنطن بوست (16 ديسمبر )كانون الأول( 2003). فلما يكن بين كادر المعلمين النوبة من أحسن الإنجليزية حين اتخذ القرار بجعلها لغة للتعليم حتى أسعفتهم اليونيسيف في التعجيل باستقدام معلمين من كينيا وأوغندا. فالعملية، في قول الجزولي، أشبه ما تكون، في جوهرها، بإعادة إنتاج (المشهد التبشيرى) في مطالع القرن الماضي سوى أنه (تبشير)، هذه المرة، (باللغة). ولعل هذا بالضبط هو ما أفصح عنه للواشنطن بوست، على نحو ما، ريدينتو لاروكو، ناظر المدرسة الأوغندي المتقاعد والمنتدب يومها للمساعدة في تدريب دفعة من المعلمين النوبة بقوله “كثيراً ما يعتريني إحساس (المبشر) أثناء عملي هنا في تدريس الإنجليزية. لكنني أعتقد، على أيَّة حال، أنه عمل جيد. إن هذا ما يريده الناس حقاً”!
من جهة أخرى اعتزلت الحركة الشعبية الدولة من فوق مطلبها بسودان علماني-ديمقراطي موحد. ومتى لم يقع لهم ذلك استحقوا تقرير المصير كشرط جزائي. وتمثلت طبيعة الدولة العلمانية المطلوبة في إلغاء الشريعة ووقف عمليات التعريب.
ونواصل
