Khaldoon90@hotmail.com
أصدر الكاتب والباحث والروائي المصري: ” يوسف زيدان ” في عام 2012م ، رواية بعنوان: ” محال ” ، تدور أحداثها حول قصة شاب سوداني خلاسي ، أو مزدوج الانتماء العرقي ، أبوه سوداني ، وأمه مصرية ، يتسم بطيبة القلب ، والوداعة ، والبراءة ، والتدين الفطري ، وهو طالب يدرس علم الاجتماع بجامعة الخرطوم ، ولكنه يسافر في العطلة الصيفية السابقة لسنته الأخيرة بالجامعة ، يسافر إلى مدينة ” أسوان ” بجنوب مصر ، لكي يعمل كمرشد سياحي في آثار الأقصر وأسوان ، بمساعدة أحد أقارب والدته المصرية ، ويقيم مع شيخ ورع وطيب القلب يسمى ” الحاج بلال ” ، الذي هو صديق لوالده.
وهناك يستهوي ذلك الشاب ، الذي تفور في دمائه فتوة الشباب وصبوته ، والتي يجتهد في كبحها وضبطها بما أوتي من وازع ديني وأخلاقي ، يستهويه جمال الفتيات النوبيات المتوكيات ، وتأسره ر قتهن وأنوثتهن وحيائهن ، وتعتمل بين جوانحه نوازع الصبابة والانجذاب ، والتوق الغريزي الذي يعتري الرجل من حيث هو نحو الأنثى ، التي طالما تصورها في خياله من بين أولئك النوبيات المتوكيات اللائي شغفنه حبا ، وهام بهن عشقا ، حتى أضحت غاية أمله في الحياة ، هي أن يظقر بعروسة له منهن ، تكون شريكة له في حياته إلى منتهى العمر.
ولكن الصدفة المحضة ، وصروف القدر ، توقعه في حب فتاة مصرية أخرى من بنات ” الأسكندرية ” ، اسمها ” نورا ” ، وهي كمثله تماماً ، طالبة تدرس علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة الأسكندرية ، وقد قدمت إلى الأقصر ضمن فوج سياحي طلابي، تصادف أن كان هو الدليل والمرشد له. لقد أحب بطل الرواية ، الذي هو ذلك الشاب نفسه ، أحب ” نورا ” الأسكندرانية حبا ملك عليه أقطار نفسه ، وبادلته هي نفس العواطف. ولكن ذلك الحب العنيف لا يتوج بالزواج للأسف. ذلك بأن نورا ، ستضطر للزواج من رجل آخر لا تحبه ، ولكنها قد أجبرت على ذلك ، لأن ذلك الشخص ، وهو ضابط مخابرات ليبي في عهد القذافي ، كان يتردد على مصر لإنجاز بعض المهام ، كان ميسور الحال ، وله نفوذ وسطوة ، ويستطيع الانفاق على الأسرة ، وعلى والد نورا المريض ، فضلاً عن أنه كانت تجمعه علاقة مريبة مع زوجة والدها التي رتبت تلك الزيجة الصفقة.
أما البطل ، فتطوح به المقادير بعيدا ، وتقوده كالأعمى نحو مصير مأساوي ، زاد قلبه الكسير سلفاً بفقدانه لنورا ، ألماً ومضاضة. إذ ينتهي به الأمر في خاتمة المطاف ، مهاجراً مغترباً يبحث عن رزقه في دولة الإمارات ، حيث يلتقي ويتعرف في ” أبو ظبي ” على ناشط إسلامي سوري الجنسية يُدعى ” فواز ” ، الذي يستقطبه ويجنده ، بل يسهل له أمر الزواج من فتاة مسلمة من ” أوزبكستان ” ، ثم يلتحق بعد ذلك بالعمل مصوراً بقناة الجزيرة الفضائية ، التي توفده لتغطية أخبار الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001م. وهناك يُلقى عليه القبض ، ويتم ترحيله قسراً بطائرة عسكرية أمريكية ، إلى خليج ” غوانتنامو ” حيث يتم إيداعه في سجنها الرهيب ، بتهمة الإرهاب والانتماء إلى تنظيم القاعدة.
أما الحيز الزماني الذي تدور فيه أحداث الرواية ، فهو نحو عقد من الزمان تقريبا ، يمتد ما بين مطلع تسعينيات القرن الماضي ، وحتى عام 2001 م ، الذي شهد تفجير برجي مركز التجارة العالمي بنيو يورك ، وما أعقبه ذلك الحدث الجلل من تداعيات ، أبرزها قيام أمريكا وحليفاتها بغزو أفغانستان ، وإنهاء حكم طالبان ، وتشديد الحرب على ما تسميه أمريكا ب ” الإرهاب “.
هذا ، ولا تخلو الرواية في تناولها للشأن السياسي وأحداث الساعة ، من بعض الغمز واللمز للسلطة الحاكمة في السودان ، وذلك على خلفية علاقة أسامة بن لادن بها ، وملابسات خروجه أو ” إخراجه ” من السودان ، كما توحي الرواية بذلك ، فضلاً عن إشارة الرواية إلى الحادث الإرهابي المروع الذي وقع في عام 1994م ، والذي راح ضحيته عدد من المصلين بمسجد الشيخ أبو زيد بضاحية ” الثورة ” بام درمان ، مذكوراً في ذات السياق.
على أن مما يُحمد لرواية ” يوسف زيدان ” هذه حقا ، أنها تقدم السودان والسودانيين بصورة تتسم بقدر كبير وملحوظ من الواقعية والموضوعية ، بل نستطيع أن نقول حتى الحميمية والإيجابية في كثير من الأحيان. ولم يستسلم مؤلف الرواية ، وهو المصري ، لغواية التنميط والاستعلاء والأستاذية ، التي طالما شابت كتابات الكثيرين من إخواننا المصريين في تناولهم للشأن السوداني عموما.
ذلك بأن القارئ السوداني خاصةً ، قد لا يجد حرجاً ولا غضاضة عندما يجد – على سبيل المثال – أحد شخوص الرواية من المصريين ، وهويستهجن أمام البطل ” السوداني ” عملية ختان الإناث في السودان. فذلك أمر مستبشع ، وعادة ذميمة ، وتلك العادة هي – على كل حال – ليست قاصرة على السودان ، وإنما تمارس في مصر ذاتها ، ولكنه لن يرى أي مسوغ البتة لإحسان عبد القدوس عندما يجعل شخصاً سودانياً مثقفاً ومتعلما ، في إحدى أواخر رواياته التي صدرت قبل وفاته ، عندما يجعله يطلب من نسوة قريبات له ، أن يجرين عملية خفاض لزوجته المصرية. فهذا الصنيع من جانب إحسان عبد القدوس ، هو مجرد تنميط أو تكريس صورة مسبقة ، وتزيد ” انثربولوجي ” مختلق عن السودانيين لا غير. ذلك بأن السودانيين ، حتى العوام منهم ، قد ظلوا يتزوجون من المصريات والعكس صحيح ، منذ عقود وربما قرون ، وذلك بحكم التداخل والجوار ، ولم تثبت واقعة واحدة مثل هذه أبدا.
وربما يجئ تفرد يوسف زيدان كروائي وككاتب واسع الأفق ، ومنفتح ، ومتسامح ، ولديه اعتبار وتقدير للآخر ، من كون أنه رجل عالم موسوعي ، واسع الاطلاع ، مما يجعل رواياته ليست مجرد حكايات أو ” حواديت ” مسلية – وإن تكن هي كذلك – وإنما هي أسفار غنية ” ومتعوب عليها ” Well researched ، ومفعمة بفوائد جمة في شتى مجالات المعرفة الإنسانية من انثربولوجية ولغوية وتاريخية وفلسفية وهلم جرا. وهكذا تهيأ لرواياته الجمع بين عنصري المتعة والفائدة المقدمتين على طبق مزركش وأنيق من اللغة العالية ، والأسلوب الأدبي الرفيع ، مما أهله بكل استحقاق للفوز بجائزة ” البوكر ” العربية في الرواية.
إن يوسف زيدان كما تفيدنا سيرته ، هو عالم متخصص في مجال المخطوطات ، وفي تاريخ المسيحية المشرقية في مصر وبلاد الهلال الخصيب ، خلال القرون الأولى للميلاد ، وقد أفاد من تخصصه الأكاديمي والبحثي ذاك بصورة ملحوظة وبكل تأكيد ، في رفد إبداعه الروائي بملامح كثيرة من تلك المعارف التي حازها ، وقد تجلى ذلك بصفة خاصة في روايته ذائعة الصيت والمثيرة للجدل بعنوان: ” عزازيل ” ، وروايته الأخرى: ” النبطي “.
فمن الملامح الفولكلورية الفريدة ، التي ربما تبدو مدهشة بالنسبة للقارئ السوداني خاصة ، والتي تتجلى في رواية ” محال ” التي نحن بصددها ، ما أثبته الراوي فيها من مقاطع من الشعر الشعبي الذي قال إن بعض عربان صعيد مصر القاطنين بنواحي أسوان وغيرها ينظمونه ، ويسمونه ” النميم ” كما قال. ووجه الفرادة والدهشة هو أن ذلك النميم مطابق في وزنه ولغته وأسلوبه تماماً لمربعات شعر ” الدوبيت أو الدوباي ” السوداني ، الذي قد يقال له أيضاً ” النميم ” أو ” النّم “. قال الشاعر الراحل ” إسماعيل حسن ” في أغنية ” أسفاي ” التي يؤديها الفنان الكبير ” محمد وردي “:
أجُر النّم مع الحردلو في الدوباي
وقد جاء في هذا الخصوص في صفحة 223 من الرواية ما يلي:
” داعب مسعود القهوجي الفتيات عند مرورهن به باسمات بأبيات من الشعر المعروف هنا بمربعات النميم:
يا ست الجمال محلى الجمال فيكي
مهما أسوى بالوصف ما أوفيكي
بالروح والبدن والقليب أفديكي
بس سيبي عيوني تعاين فيكي ” أ. هـ
ولا يخفى أن هذا هو دوبيتنا السوداني ذاته ، الذي يختلف اختلافا كبيراً عن سائر أنماط ” الزجل ” و ” المواويل ” ( الريفاوية ) كما درج الرواي نفسه على القول في سياق آخر ، وهو يعني بالريفاوية هنا: المنسوبة إلى الفلاحين ، او أهل الوجه البحري عموما.
ثم انظر إلى هذا الملمح الأنثربولوجي والفولكلوري القوي الدلالة ، الذي ورد في هذه الرواية في معرض الحديث عن المكونات والخصائص العرقية والثقافية للجماعات المصرية المختلفة ، والآراء والتصورات التي تحملها كل مجموعة عن نفسها وعن الآخرين ، وذلك على الرغم من توفر الكثير من عوامل التمازج والاندماج الوطني بين سكان مصر بصفة عامة:
” أسوان يسكنها النوب والعرب والريفاوية ، وكل قوم منهم بما لديهم فرحون ، وبإصول جماعتهم يعتدّون. فالنوبيون منهم جماعتان كبيرتان: الفجّكي والمتوكي ، وكلتاهما تقول إنها أصل النوبة والأكثر أصالة من الأخرى. جماعة الفجكي هم الأكثر عدداً وامتداداً على ضفتي النيل ، والذين يعيشون منهم في السودان يسمون أنفسهم المحَسّ ، ويستعلون بعزلتهم على العرب. والعرب بدورهم يستعلون عليهم بأنهم أصل الإسلام ، وبأنهم الأكثر والأقدر من النوب ، والأقوى…
أصوله هو عربية خالصة ، فأبوه من جماعة ” الجعليين ” الساكنة شمال السودان ، وأمه ” جعفرية ” كان أهلها يسكنون مصر مع بقية الجعافرة ، ثم نزح بعضهم جنوباً فصاروا بالصدفة تحت حدود السودان ، وأصبحوا بعد حين يعتزون بانهم سودانيون…
أخبره أبوه يوم جاء به إلى أسوان ، أن العرب هنا قرشيون وأعراب. من القرشيين الأشراف ” الجعافرة ” أهل أمه والخال حمدون ، ومنهم ” الأدارسة ” وهم أيضاً أشراف ينتمون إلى آل بيت النبوة. أقل العرب هنا في العدد ” العبابدة ” أحفاد عبد الله بن الزبير بن العوام. وهم أيضاً قوم طيبون. أما الأعراب فهم أنواع منهم المهاجرون والأنصار والعليجات.
يمكنه الزواج من فتاة جعفرية ممن يسكنون جنوب مصر أو شمال السودان ، فهم أخواله ولن يرفضوه. لكنه يهوى النوبية المتوكية التي لم يرها حتى الآن ، ويتمنى أن يراها قريباً ولا يعترض أهلها كثيراً ، فيظفر بها في نهاية المطاف….. لن يتزوج بالطبع من ” الريفاوية ” الوافدين إلى هنا من الصعيد وسائر النواحي المصرية ، لأن في نسائهم غلظة ، وفي رجالهم عنفاً واعتقاداً بأنهم أصل البلاد ، وهم يرون الآخرين دخلاء عليهم ، مثلما يرى الآخرون الآخرين … ” أ. هـ
وفي الختام ، فإن هنالك ثمة ملمح سيري biographical واضح جداً في الرواية ، استقاه الكاتب بكل الشواهد من وقائع قصة حقيقية حدثت بحذافيرها لشخص سوداني محدد ومعروف بالاسم داخل السودان وخارجه، وفي ذات الحيز الزمني الذي تجري فيه أحداث الرواية. إذ ما من شك في أن قصة الشاب السوداني المتزوج من فتاة مسلمة من إحدى جمهوريات آسيا الوسطى ، والذي كان يعمل مصوراً بقناة الجزيرة الفضائية ، واعتقلته القوات الأمريكية في أفغانستان ، ورحلته بالقوة إلى غوانتنامو ، وأودعته السجن هناك ، ثم أُفرج عنه بعد ذلك ، هي قصة الإعلامي السوداني الشاب الأستاذ ” سامي الحاج “. وهذه هي الحققيقة التي تصور هذه الرواية طرفاً منها. أما الخيال في هذه الرواية ، فلعله يتمثل في حكاية الأب السوداني والأم المصرية رغم واقعيتها وإمكانية حدوثها ، وحكاية عمل البطل مرشداً سياحياً في أسوان في العطلة الصيفية ، ووقوعه في حب الفتاة الأسكندرانية ” نورا ” ، ثم باقي التفاصيل التي نحسب أنها قد جاءت من وحي الخيال المبدع ليس إلا ، ومن قبيل التوابل الفنية ، بما في ذلك النهاية الميلودرامية للرواية ، ألا وهي بقاء البطل سجيناً في غوانتنامو من دون إفراج ، وهذا هو ما لم يحدث مع سامي الحاج بالطبع.
///////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم