القراءةُ تطوفُ بك الدنيا بلا طائرات، وتريح عن قدميك وطأة إجراءات الموانئ التى تتسم بالسخف وطول الانتظار. فبها تُحلِّقُ فى فضاءٍ دون اختراقٍ لسحاب، فلا ينتاشك بللٌ إثر مطر، و تهبط بك فى دولٍ ومدنٍ، بغير إبرازٍ لوثيقة سفرٍ وعملات أجنبية تغنيك شر السؤال،وتجنبك دوار البحر الذى تتسبب فيه البواخر وهى تشق طريقها فى المياه نحو ضفاف الشواطئ ومراسيها ، وتمنحك عندها حق العبور و التجوال دون تأشيرة دخول، وبغير أن يعترضك ضابط الجوازات الذى عنده الريبة أساساً يستقى منها رزقه، وكلما صدقت ريبته؛ كافأه رؤساه على كتفيه ، يرى أثر المكافأة الآخرون، ويتحسسها هو زهواً..وبإمكانها كذلك أن تتيح لك دخول المنازل والمكاتب وكل الأماكن المغلقة بغير أن تطرق أبواباً، طمعاً فى أن يأذن لك من يقبع خلفها، أو يتلصص عليك من خلف شقٍ فيتأبى الجواب .
بالقراءة تتعرف على أُناسٍ وعادات وطبائع وثقافات دون تقدمةٍ وتحيةٍ ومصافحة ، وتجنبك معاودتهم فى مناسباتهم الاجتماعية، الممل منها والمبهج، وبها يصبحُ عقلك مسرحاً ودوراً لعرض الأفلام، وبإمكانك أن تعيش عبرها أكثر من حياةٍ خلال عمرٍ لا ثانٍ له، وستكتشف أنك عدة شخوص أُوجدت داخل جسدٍ واحدٍ بخيالات متعددة .
المداومة على القراءة تُعَّلمك الصمتَ وحُسن الإصغاء، فتترفع عن الصغائر ، لترى كل جبلٍ أشم أصغر من سَمِّ الخياط ، وترفع من وعيك، بحيث تجعلك مُدركاً تماماً؛ أن لكل مشكل وأمرٍ جللٍ – مهما تعاظم- حلّاً، وأن الأغبياء والثرثارين والجهلاء والحاقدين وكل من تلوث فيه عقلٌ وأصاب نفسه عطبٌ، لهم محض ظواهر كونية، كالرياح والأعاصير والبراكين والزلازل، لابد من قبولهم والتعايش معهم واجتناب سئ تأثيرهم دون مجادلةٍ. . فما عرفت البشرية ذات مرة ً جدلاً منع رعوداً وصواعقاً أو شق للسيول مجار أُخر . وهى كذلك تُعلّى من قدراتك على اختراق نفوس الناس وضمائرهم عبر أعينهم وكلماتهم وايماءات أجسادهم ، فتعرف عندها المحب الحقَّ من الكاره المُستتِر .
القراءة المستمرة تنزع عنك عنصر المفاجأة، فكل ماهو بجديدٍ على الخلق؛ تجدك قد عايشته من قبل ،حتى يظنك الآخرون منعدم الأحاسيس، فما من فجيعةٍ إلا وقد قرأت عن مثيلاتها، بل وغرقت فى تفاصيلها، وليس من حدثٍ إلا وقد طواك داخله غلافان، فكل ما سيحدث مستقبلاً تعرف وقائعه وتفاصيله سلفاً ، فما الجديد إلا قديماً قد تسربل بدثارٍ مختلف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم