زهاء الطاهر – سنوات من الإبداع وذكرى الرحيل .. بقلم: إبراهيم سليمان أبوناجي
14 يونيو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
132 زيارة
قبل أيام وفي 25 من مارس الماضي مرت بهدوء الذكرى الحادية عشر لرحيل الكاتب والأديب إبن كردفان الأستاذ زهاء الطاهر، وفي ذكراه لفت نظري بوست بالفيس بوك ترحم عليه فيه صديق عمره الأستاذ عثمان أحمد أبو سوار، وبالطبع فإن الكثيرين لا يعرفون زهاء الطاهر الذي أعتبره واحداَ من أميز الكتاب السودانيين الذين أجادوا فن النثر وحلاوة اللغة والبلاغة الكتابية وللأسف فإنه لم يجد حظه من الشهرة الإعلامية رغم إن مقالاَ واحداَ من إحدى كتاباته الرائعة كفيل بأن يجعل منه علماَ يشار إليه، فقد كان هادئا بطبعه كهدوء كتاباته التي كان يتفنن في نسج حروفها بلهفة المحب لروعة الكلمات ومغزاها الأدبي بأسلوب سلس يشوق القاريء لتتبع أسطر مقالته واحداَ تلو الآخر إلى نهايتها. لم أعرف زهاء ولم ألتقيه حتى رحيله المبكر وما جمعني به هو كتاباته التي كنت أعشقها وأقرأها بنهم حيث كان يبعث بها من مكان ما إلى جريدة الخرطوم التي كانت تصدر بالقاهرة في تسعينات القرن الماضي وكنت أحد كتابها. مرت السنوات وفرقتنا ظروف الهجرة إلى أمريكا عن القاهرة وجريدة الخرطوم وظل زهاء في ذاكرتي بإسمه وبريق كتاباته، وفي نهار غائظ بولاية واشنطن في 25 مارس 2004 وأنا أطالع موقع سودانيز أون لاين نعي الناعي رحيل الكاتب والأديب زهاء الطاهر الذي لم ألتقيه إلا عبر كتاباته الجميلة فكم منيت نفسي أن أعرف هذا الرجل عن قرب ولكن كان الرحيل أسرع والفراق أبدي….!! المكان بالناس حقيقة ماثلة في حياتنا وبعد كل السنوات ألتقي برفيق دربه وصديقي بالفيس بوك الأستاذ عثمان أحمد سعيد أبو سوار الذي كتب عنه وعرفني ومدني بمعلومات قيمة وددت أن يتعرف القاريء من خلالها على كاتب جميل رحل عنا لكنه ترك الكثير من أروع ما كتب ونشر. .ولد زهاء الطاهر بمدينة الأبيض في عام 1951 حيث درس الأولية بالغربية والوسطى بالأميرية ثم إلتحق بمعهد كرشهلي العلمي بعدها عمل بعدة وظائف حتى إلتحق بمعهد الموسيقى والمسرح، نشر العديد من كتاباته الأدبية والقصصية في عدة صحف، ثم سافر إلى قطر والتحق بجريدة الشروق القطرية ثم جريدة العرب وكان أحد المؤسسين لجريدة أخبار الأسبوع القطرية، وبعد عودته للسودان إلتحق بجريدة الخرطوم التي كان ينشر بها الكثير من كتاباته إبان صدورها من القاهرة وكان محررا للملحق الثقافي حتى رحيله. له العديد من الروايات منها مريم الكذابة، الوردة هي الوردة، ليلى والجياد وبعد، المناديل وروايته المراثي التي نشرت بعد مماته، كما كان قاصاَ مبدعاَ في مجال القصة القصيرة. كانت الكتابة عند زهاء هي الموسيقى التي يتغنى بها ويردد ألحانها وكما يقول صديقه الوفي عثمان أبو سوار كان يمسك بقلمه وهو جالس على كرسي وأصدقائه حوله يتسامرون وهو يسلو بنفسه ويتسامر بحروفه ومداده ينقش أعذب الكلمات على ورقة أمسكت أنامله بأطرافها فيخرج لنا بأقصوصة تدهش الجمع من حوله….!! لذلك فلا يكتمل الحديث صديقي القاريء عن زهاء إلا بإضافة بعض ما كتبه عنه في رثائه الصديق عثمان أحمد أبو سوار منذ سنوات وذلك لتسليط مزيدا من الضوء والمعرفة لهذا الكاتب الرائع. زهاء الطاهر ما بعد الرحيل عثمان أحمد سعيد أبو سوار كان ومضة من ومضات العبقرية في هذا البلد المنحوس، عاش ومات ولم نعرف قيمته العالية ولم نقدر أدبه الرفيع ولم نفهم رؤيته الحديثة والمستحدثة لكتابة القصة القصيرة ، أو لِما عُرف بأنه كتابات كإسم جديد لفضاء التجلى الحر، فقد حلق بالكتابة لغوياً و طار بها الى سماوات شعرية الرنين فلسفية المعنى صوفية المضمون، فقد تلاعب بالمفردات و راقصها طويلا، وطاف بها أطراف المجن ودخل حواريها و أزقتها ، أنديتها وأنداياتها ، فأسكرها و أسكرنا . إن حياة زهاء حُبلى بالعديد من التجارب وتنوع المشارب، فطفولته شربت مياه ” ود البغا ” و “فولة المديرية ” و أكلت ” القدو قدو” و “الهالوك ” لاعبها ولعب معها “البلي ” و “أم الحفر ” وإنطلق فى أزقة الأبيض من “فلاتة ” الى “طيبة ” عفريتاً مهووساً و طالباً مُجداً فى “كرشهلِّي ” وباحثاً عن الجمال والمتعة فى ليالى ” عروس الرمال ” وعاشقاً للأدب والأدباء مُحباً للغناء و الشعر الجميل و الرسوم الزاهية أيام زهو الصبا وبدايات الشباب أيام كانت الابيض أبيِّضاً والناس بشراً والجمال جمالاَ . أيام الصداقات البريئة واللهو السفيه، أيام كان الصبا يتقافز طرباً عند كوكبة منها ” حسن موسى ” و “الطاهر حولى ” و”حسن كمبال ” و “الزيلعى ” أيام “أولاد نجم ” و”آدم جوكس ” و “ابَّا ” و أيام كان الغناء ” أبكي يا عيون البنفسج “. خرج زهاء الطاهر من هذه الخميرة النضرة متشبعاَ روياناَ وتوظف وسافر حول مديرية كردفان وحام وتحاوم ما بين النهود وكادوقلى ” و “بارا ” و “السميح” وإلى أقصى الغرب سافر بالحمير وباللوارى، عشق الأرض والناس وتعبد فى محراب الحسن والجمال، غازل لوحات “حسن موسى ” الأولى وأشعار “الطاهر حولي ” منذ بداياتها وحتى “مكنسة النار” والتي بخل بها الأهرْ على كل الذين من حوله.. كان زهاء إنسان فى زمان لم يندر فيه إلا الإنسان، حمل تناقضات قل أن تجتمع في نفر واحد ، فهوبوهيمى ، واقعى ، خيالى ،سريالي وصوفى له فى الطيبة باع يصل به حد الغفلة والسذاجة، وفى أحيان تحسبه شريرا يكاد الشرر يتطاير من عينيه ولكنه يملك لجاماً قلّما إنفلت منه. عاش زهاء الكثير من المآسى فى حياته وتقلب فى أنواع من العذابات ، ودخل السجن متهماَ بالشيوعية ومعاداة ” نظام مايو ” تشرد من الوظيفة وطاف البلاد وعرف الناس الحقيقيين، التعساء ملح الأرض ….. فأغترب وعاش رفاهية الإغتراب وعذاب الغربة، صارع النفس طويلا ما بين البقاء بعيداً والرحيل عائدا … وعاد . زهاء ……. كان قارئا نهماَ تنوعت قراءاته من التاريخ إلى الفلسفة من العلوم إلى السير، قرأ الحديث والتفاسر وغاص في الأدب الصوفي وله ولع بإبن العربي وله باع واسع في الشعر الجاهلي والأموي والعباسي والشعر الحديث يعشق صلاح عبد الصبور وأمل دنقل وله نظرات في أشعار التجاني وآراء محمود محمد طه.
…أبوناجي…