سؤال الشباب ….. (٣) .. بقلم: محمد عتيق

خارج المتاهة / 

 

ابتداءاً لا بد من التأكيد علي ان الاحزاب وقادتها في كل العهود محل التقدير والاحترام التام ، اما موضوعنا هنا فانه ينصب علي السياسات والمواقف والمفاهيم ، وأن المقصود ليس استعراض تاريخ السودان فذلك موضوع كبير تصدي ويتصدي له مؤرخون وكتاب بالدراسات والابحاث العلمية ، بل نهدف – كما جاء في مقال سابق – الي ان نقدم للأجيال السودانية الجديدة الهدية الوحيدة التي نملكها ونستطيعها ؛ عيوبنا وأخطاءنا نقداً ذاتياً واضحاً وشجاعاً كأهم وأفيد ما نملكه لهم ..
أكبر حدثين عميقين ومؤثرين في تاريخنا المعاصر كانا : ثورة ١٩٢٤ وقيام مؤتمر الخريجين ، فكيف تعاملت تلك القوي (الطائفية) مع هذين الحدثين ؟
– ثورة ٢٤ مثلاً ، تصدي لها المرحوم الاستاذ حسين شريف الذي لعب دوراً بارزاً وهاماً في تاريخ الصحافة السودانية وسودنتها من الشوام ، ولكنه اصبح رئيساً لتحرير جريدة (الحضارة) لسان حال السادة الثلاث : (عبد الحمن المهدي ، علي الميرغني والشريف يوسف الهندي ، عبر عنهم في مقال مسيء لثورة ٢٤ تهكم فيها علي قادتها بالتساؤل عن أبناء من هم ووضعهم الاجتماعي وانحدارهم الطبقي والقبلي …الخ ، بمعني انهم مغمورون ومن أصول (وضيعة) وبالتالي هي حركة وضيعة لا حق لها في قيادة الشعب والوطن ..
قد يحتج احد الإخوة متهماً حديثي بانه إسقاط لمفاهيم اليوم ومحاكمة فترة العشرينات علي اساسها ، ولكن ، ووفقاً حتي لمفاهيم وقيم ذلك الزمان كان ثوار جمعية اللواء الأبيض يصر كل منهم علي انه سوداني فقط ويرفض ذكر قبيلته ، وحادث بليغ حدث عندما انتخبوا عبيد حاج الامين ( ود عرب كما كانوا يقولون) الذي تنازل بوعي كامل للشهيد البطل علي عبد اللطيف عن منصب الرئاسة وقبل ان يكون نائباً له … إذن ، كانت طلائع ذلك الزمان قد تجاوزت مفاهيم القبلية والجهوية والانحدارات الطبقية والاجتماعية ومارسوا ذلك التجاوز في مناشطهم السياسية والاجتماعية والثقافية وعبروا عنه في أشعارهم وأغانيهم وبالتالي هي ليست قيم ومفاهيم اليوم فقط ..
– اما مؤتمر الخريجين ، فان مجرد تاسيسه بتلك الصيغة والاهداف كان حدثاً وطنياً جريئاً ، وهو بتعبير اليوم من (منظمات المجتمع المدني) بل أهمها في تاريخ وطننا حتي الان ، وقد لعب اكبر الأدوار مطلقاً في نشر التعليم الأهلي الأكاديمي والمهني في السودان (خلال ثلاث سنوات أسس المؤتمر من المدارس أضعاف أضعاف ما أسسته سلطات الاستعمار البريطاني في نصف قرن !! ) وامتدت عضويته في كل مدن البلاد ..
وعندما فرضت التطورات في اوضاع البلاد وفي مصالح الطائفتين ان يختلف الرأي بين دعوة للاتحاد مع مصر واخري تدعو للاستقلال التام وان السودان للسودانيين .. هذا التباين انعكس علي قيادات مؤتمر الخريجين فانقسمت عليها ليبدأ تاريخنا الحزبي (الحزبين الكبيرين) بالهرولة الشهيرة نحو السيدين الزعيمين لطائفتي الانصار والختمية تحت ذينك الشعارين دونما برامج تفصيلية محددة ودونما حق للسيدين المحترمين بعد ان كانوا قيادات لمؤتمر الخريجين ذو الأدوار الهامة في التعليم والتعبئة وبعث العزة الوطنية ، سلموا قيادهم بالكامل للطائفتين -باستثناءات طفيفة- وأصبحوا رهن إشارتهم .. (يبدو ان ذلك ناتج عن التربية الصوفية الغالبة عند أهل السودان في الاحتماء بشيخ والاستسلام له) ..
– ثم ناتي لام القضايا في بلادنا (قضية الجنوب) : عندما انتهت المشاورات والمناورات الي اتخاذ قرار الاستقلال وإعلانه من داخل البرلمان باتفاق تام بين الاحزاب الشمالية ، كان الشرط الذي وضعه الأعضاء الجنوبيون مقابل تأييدهم لمقترح الاستقلال هذا ان يتمتع الجنوب بنظام حكم فيدرالي ؛ ما ابسط الطلب ومعقولية الطموح حقاً واضحاً وثمناً قليلاً جداً فداءاً لأرواح ما يقارب الملايين الثلاث من أبناء الوطن شمالاً وجنوباً ثم وحدته الغالية .اتضح فيما بعد ان الموافقة علي مطلب الجنوبيين كشرط لم تكن موافقة جدية ، فبعد نيل الاستقلال اهملت الاحزاب الشمالية المؤثرة ذلك الطلب ثم جاء الحكم العسكري الاول (١٩٥٨-١٩٦٤) معلناً الوحدة القسرية بل (الأسلمة والتعريب) للجنوبيين !!!
وقبل ذلك ، عند سودنة الخدمة العامة ، نال الجنوبيون فقط ست وظائف مقابل ثمانمائة للشماليين ..
فإذا كانت تلك الاحزاب بهذا المستوي من ضعف الحساسية الوطنية والإنسانية تجاه قضية واضحة مثل قضية الجنوب كان طبيعياً ان يغيب عن وعيها تماماً واقع التنوع الثقافي والعرقي والديني في الأصقاع الاخري من البلاد وبالتالي فان السودان بالنسبة لها عند الاستقلال كان هو الخرطوم وبعض المدن الكبيرة مثل ودمدني ، عطبرة ، بورتسودان …الخ ، اما السودان بحجمه ، وبالتنوع والتعدد الذي يزينه والذي يكون مصدر قوة وثراء له اذا احسن ادارته كان غائباً عن الاحزاب الكبيرة التي حكمت البلاد في الفترات الديمقراطية .. وكانت الانتخابات بالنسبة لها موسماً للمناورات والتحالفات لاقتسام مقاعد السلطة وامتيازاتها ..

atieg@icloud.com
////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً