الشعركما كل مناحى الحياة الاخرى يتأثر بالبيئة المحيطة به ويتأثر – ايضا –بامزجة الناس وبعاداتهم وتقاليدهم وهو فى هذا مرآة صادقة للمجتع يظهر فيها على سواءه وجلاءه دونما كذب او رياء او مداهنة والشاعر – بهذا – هو صوت المجتمع الصادق منذ ان عرف الناس الشعر والى اليوم الذى نعيش فيه الآن . هذا وان كانت تركيبة السودان السكانية ونسيجه الاجتماعى المعقد قد كان لها مكانا عليا فى التحاورات الفكرية ، والانعكاسات السياسية ، والعلاقات الاجتماعية ، فان الشعروبذات المعنى المشار اليه آنفا قد كان ذا حضور كبير فى ذلك الزخم الذىظل يسود الساحة السودانية منذ الاحتلال الثنائى والى اليوم حول اذمة الهوية فى السودان.
دار بخلدنا ونحن نطالع بعض نمازج الشعر السودانى فيما بين 1900 — 1960 وتوصلناالى مايشبه اليقين بان الشعر السودانى قد حاول معالجة بعض الاشكالات التى صاحبت اذمة الهوية الثقافيةفى السودان، ونريد فى هذا المقال وعبر سياحة سريعة اننستظهر مراحل ذلك الصراع المريرالذى قاده بعض الشعراء لوضع الشعر السودانى فى مكانه الصحيح فى ظل واقع كان يختزل السودان بكل اعراقهالمتباينة فى عنصر واحدولغةواحدة ثقافة واحدة ، معتهميش متعمد لكم هائل من الثقافات الاخرى التى كانت تتمتع – على اقل تقدير- بالانتماء للوطن (السودان) .
دار بخلدنا تأثر الشعر بذلك التشابك الكثيف فى تركيبة السودان الاجتماعية ، وما فطن اليه اولاءكالشعراء وفىذلك الوقت المبكر من ان السودانالعربى الافريقى هو حقيق بان يكون له شعره المميز دون الانتقاء المخل لثقافة واحدة وطرح ما عداها ، ومما لا شك فيه ان اولاءك الشعراء قد وضعوا ايديهم على لب المشكلة فى اطرها الاجنماعية و الثقافية السياسية فى محاولتهم الجسورة لطرح اذمةالهوية فى الشعر السودانى ، فالى اى مدى نجح اولائك الشعراء فى معالجة اذمة الهوية فى السودان من خلال الخطاب الشعرى ؟؟
(الخطاب االشعرى فى السودان من اكثر ضروب الابداع الثقافى هجسا لقضية الهوية والبحث عن الجذور الثقافية للمجتمع) الصحافة 25\1\2000 ، وقد ظل ذلك الخطاب ومنذوقت مبكر ان يتلمس طريقه الوعر ف دهاليز تلك القضية الشائكة بعزيمة قوية وارادة صادقة وفكر مستنير ، ففى عشرينيات القرن الماضى بدأت الثورة على الخطاب العربى الجاهلى فى الشعر السودانى والذى انتظم السودان منذ بداية ذلك القرن باعتبار ان ذلك الخطاب كان ذا نبرة عربية استعلائية ، فالسودان بتركيبته الاجتماعية المعقدة وبقبلياته المتعددة وثقافافته المتعددة كان اكبر واشمل منان تسود خطابه الشعرى تلك النبرة الموغلة فى البداوة دون النظر الىمجمل ثقافات اخرى لها حق التعبيرعن نفسها ولها – بعد حق الانتماء – بذلك التعبير الى وطنها الكبير دون ان يحجر عليها احد .
لكل هذا بدأت الثورة على الخطاب العروبىالخالص غريبة وخافتة اول امرها فى كم هائل من التقاليد العروبية الراكزة وسط الطبقات المستنيرة فى ذلك الوقت .
كان الخطاب الشعرى فى السودان فى بداية القرن الماضى عربيا خالصا يتحدث عن فراق الاحبة ، ويتغنى بالاطلالوالدمن ويشيد بمجد العرب وحضارتهم التى عمت الآفاق … كان الشعريومذاك يجارى ما قال امرؤ القيس والمتنبىء ، وكان يصعب عليك وانت تقرأ ذلك الشعر التصديق بان طبيعة السودان الاستوائية الحارة هى التى اوحت الى اولائك الشعراء ما قالوه، تماما كما يصعب عليك ان تتخيل ان من بين سكانالوطن الذى ينتمى اليه اولائك الشعراء من لا يعرفون حرفا واحدا من اللغة العربية
جد بالرضا وارحم حشاشة ووامق
دنف يؤرقه ائتلاق البارق
لله من ظعنواوكان قرارهم
بينالضلوع وبين خلقبى الخافق
( الشاعر محمد سعيد العباسى)
امم الهلال مقالة من صادق
والصدقاليق بالرجال مقالا
هذا هلالكم تكفل بالهدى
هل تعلمون م عالهلال ضلالا
سرت الحضارة حقبة فى ضؤه
ومشى الزمان بنوره يختالا
( الشاعر عبد الله البنا)
هكذاكان الخطاب الشعرى فى السودان فى ذلك الوقت عربيا قحا قبل ان يعلن حمزة الملك طمبل معارضته السافرة لذلك الخطاب ثم تبعه من بعد الامين على مدنى منادين – بحق – ان يكون الخطاب الشعرى سودانيا فى مبناه وملتصقا بهموم الناس فى معناه ومعبرا عن اشواقههم الحقيقية فى مبتدأه ومنتهاه ، ولكن اصطدم ذلك التوجه بمعارضة عنيفة من شعراء ذلك الوقت فلم يقو على الوقوف امام تقاليد الثقافة العربية الراكزة بين شرائح المجتمع المستنيرة فى ذلك الوقت.
ثم جاءجيل الخمسينيات وفى معيته – ايضا- رؤية مغايرة لخطابالسودانالشعرى آنذاك ذكاها ونماها لديهم تزايد المد الافريقى فى حركاته التحررية التى بدأت تطل برأسها وسط ليل بهيم منتراكمات المظالم التى صنعها الاستعمار ، فتغلغلت لغتهم الشعرية فىوجدان الامة السودانية فى بعدها الافريقى ممتثلين فى ذلك لحتميات التاريخ التى شكلت مجتمع السودان من عرقيات متباينة وختلفة ومتجاوزين – كذلك – لفرضيات جعلت من السودان وطنا خالصا للعنصر العربى
انا من افريقيا ارض الكنوز
لم تزل اعماقها مثل الرموز
قد مشينا نتحدى القدرا
لنحيل الارض كونا اخضرا
(الفيتورى)
وعيونهم مصلوبة الاجداث تمعن فى القرار
ترتاد اودية السراب
تلوز بالوهم المحنط فى تراب الغافليين
(كجـراى)
ربما يكون ردةالفعل هى التى جعلت ذلك الجيل ينتقل من الخطاب الشعرى العربى الخالص الى خطاب افريقى حاد من موضوع القصيدة الى ادق مفرداتها ويهمل منجانب آخر المكون العربى فى اشارةلوضع خطاب السودان الثقافى كله فى اطارافريقى كامل .
مهما يكن من امر فان ذلكالجيلقد نجح فى وضع الثقافة السودانية فى بعدها الافريقى على السطح بعد ماكانت مقصورة لازمان طويلة تحت ركام انسيان والتجاهل ، ولكنه رغم ذلك لم يستطع ان يواوج بين كلتا الثقافتين لابرازخطاب شعرى سودانى موحد ذو مكونات عربية افريقية
بحلول عقد الستينات برزت رؤية اخرى لجيل آخرارادان يدارك اشكالات هوية الشعر السودانى فطرق بقوة على ابواب تأصيلالخطابالشعرى حتى تفتحت مغاليقه وولج بعد ذلك الى لب الاذمة مستصحبا حلم الوحدة الكبرى التى يمتزج فيها العرب بالافارقة ، وقد نجح ذلك الجيل الى حد مافى (طرح الاسئلة المتعلقة بالهوية الجذرية التىكان قد اثارهاناقصة وملتبسة بالهم التحررى الوطنى جيل الثلاثينيات عبر تساؤلات واشكالات الحداثة ثم انداحت تساؤلات جيل الستينات حولهوية الكيان السودانى ذاته ومركباته السلالية الانثربولجية حولهويةالثقافة السودانية) مجلة الملتقى اول ماس 1994م
انا من افريقيا
صحرائها الكبرى وخط الاستواء
سحنتنى بالحرارات الشموس
وشوتنى كالقرابين على نار المجوس
ارهقتنى فانا منها مثل عود الابنوس
(صلاح احمد ابراهيم)
الليلة يستقبلنى اهلى
اهدونى مسبحة من اسنان الموتى
ابريقا جمجمة ……. مصلاة من جلد الجاموس
رمزا يلمع بين النخلة والابنوس
(محمد عبد الحى )
اذنفقداستطاعجيلالستينات انيحدداذمةالهوية فى الشعر السودانى بما اجترحه من رؤى جديدة فى تلك الاذمة تمثلت فى (اعادة صياغة لمفاهيم والاسئلة المتعلقة بالهوية العربية الافريقية من جديد) الصحافة 25\1\2001
وقدلازمه التوفيق – الى حد ما – فى تلك الرؤية حينما سعى الى توحيد الخطاب الشعرى ليكون معبرا عن الثقافة العربية الافريقية فى السودان متجاوزا فى ذلك الانحياز الى اى من الثقافتين كما فعل قبله جيل القرن الماضى او جيل الثلاثينيات منه ، كمالازمه التوفيق – ايضا- فى (رؤية الكون واستكشافه سابقا فى ذلك علوم السياسة والاجتماع ومتقدما على مجمل الحركة السياسية فى البلاد والتى استعصى عليها ان ترى عروبة السودان موضوعة بين قوسين) الصحافة 25\1\2001م ، فكان خطابه المتوازن ذاك خير معين للحركة السياسية والاجتماعية للنهوض من تكلسها الغير مبرر لمواجهة اشكالات التعدد العرقى بمفهوم موضوعى مستنير ، ومعالجة تلك الاشكالات بانصياع كامل لواقع السودان الماثل ، تماما كما فعل اولائك الشعراء فى مناداتهم المستمرة لابراز سودان عربى افريقى موحد .
فهل – يا ترى – نحلم بيوم تسود فيه وحدةالخطا بالشعرى بكامل معناه وتجذيره نهضويا فى انسجة المجتمع السودانى ؟؟
اماانتأثير القوى السياسية والاجتماعية التقليدية سيظل كابحا لتلك الوحدة ومانعا لها من التحقق حيث تظل العربية والافريقية فى السودان تسيران فى خطيين متوازيينلا يلتقيان الا فى الانهاية .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم