سؤال تقرير المصير في واقع الدولة السودانية (2): الدولة المدنية العلمانية .. بقلم: سلمى التجاني
20 نوفمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
قالت لي ( خالتي مريم) بعد أن غادر أحد الزملاء جلستنا تحت شجرة صحيفة الأسبوع ( الزول دا ما تشوفي لونو الاحمر دا ، قلبو طيب والله ) ، وخالتي مريم سيدة صارمة القسمات ، كأن شيئٍ ما اختزنته ذاكرتها منذ زمن بعيد ترك على تقاطيع وجهها حزمٌ وحزنٌ وكبرياء ، وعندما تضحك تنبعث طاقة ضوءٍ فتشرق روحها . نزحت للخرطوم من منطقةٍ بجبال النوبة طلباً للأمان ، فعملت جاهدةً حتى توفر لأبنائها مسكناً وقوتاً وطريقاً لمستقبلٍ مأمول . كانت تبيع الشاي بالصحيفة ، وقد خلقت من حولها جوٌ أُسري أريحي ، فكنا نتقاسم معها هموم العمل اليومية .
استوقفني تعليقها ، وعندما لاحظتْ صمتي قالت لي ( نحن جينا من محل شفنا أهلنا بضبحوهم زي الخرفان ) ثم استرسلت تحكي عن ويلات الحرب والقتل على أساس اللون والعرق ، كانت ناجية لكن آثار الحرب وسمت روحها وشكَّلت نظرتها للآخر الذي يقاسمها الوطن .
ما الذي يعنيه السودان لمريم وأمثالها سوى ذاكرة مليئة بالموت والدماء والأشلاء ، وموطن تحمل فيه هوية نازحة ، لذلك عندما يتحدث مواطنو جبال النوبة عن تقرير المصير فإنهم يقايسون بين مغامرتين ؛ إنفصالٍ غير مأمون العواقب ، قد يؤدي لمزيدٍ من الموت ، أو بقاءٍ في وطنٍ لا يجدون فيه أنفسهم ، ولا يعلم بعضهم الذي يعيش في مناطق الحرب متى سيحيله القصف لأشلاء ، أي هي مفاضلة موتٍ وموت ، فأهم عناصر المواطنة هو الإنتماء وما تترتب عليه من حقوقٍ مدنية أساسها حقَّي الحياة والأمان .
ورد في ويكيبيديا أن المواطنة هي ( الإنتماء إلى مجتمعٍ واحد يضمه رابط إجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة ) ، ويقول جان جاك روسو في العقد الإجتماعي أن المواطنة هي ( أن المواطن الذي له حقوق إنسانية يجب أن تُقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسئوليات الإجتماعية التي يلزم عليه تأديتها ) . وفقاً لهذه التعريفات فان شروط المواطنة وما يتبعها من حقوق غير متوفرة لكل الشعب السوداني وليست جبال النوبة فقط ، وبرغم تاريخ الصراع الذي عاشته الجبال ومثلها ، بتفاوت ، دارفور والنيل الأزرق ، لكن الأزمة هي أزمة حكم تهم الشعب بأكمله وحلولها تتحقق في شمولية معالجتها .
في المؤتمر الإستثنائي الذي انعقد في أكتوبر الماضي بكاودا ، طرحت الحركة الشعبية شمال ، مجموعة الفريق عبد العزيز الحلو عبر خطاب رئيسها في الثامن من ذات الشهر ، طرحت ثلاثة حلول محتملة لحل الأزمة السودانية ؛ دولة علمانية ديموقراطية موحدة ، أو نموذج كونفيدرالي ( بتعايش مؤقت يتم فيه خلق الشروط الضرورية وعمل ترتيبات تمكن الشعوب السودانية من تقرير مصيرها ) ، والحل الثالث هو دولتين مستقلتين شمال السودان المستقل والولايات الجنوبية المستقلة . ومن هذه الخيارات الثلاثة قالت الحركة أن هدفها الذي تناضل من أجله هو الكونفيدرالية السودانية ، وأن الشعوب هي التي تقرر إما البقاء في السودان الجديد أو الإستقلال .
على ضوء ذلك فأن خيار الحركة الذي ستطرحه في أي تفاوضٍ مع الحكومة ، كما ورد في خطاب رئيس الحركة ، هو الدولة الكونفيدرالية ذات السيادة على قوانينها وترتيباتها الأمنية .
النموذج الذي وضعته الحركة الشعبية كأساس لوحدة السودان وبقاء جبال النوبة في الدولة السودانية هو الحكم العلماني الديموقراطي ، هو ذات النموذج الذي ظلت تنادي به قوى التغيير المدنية والمسلحة ، فمفهوم الدولة المدنية في شكلها الحديث يقوم على أسس المواطنة والديموقراطية والعلمانية . تختلف المسميات لكنها تلتقى في جوهرها ، فهي الدولة المدنية الديموقراطية عند الحزب الشيوعي السوداني ، والدولة المدنية العلمانية عند حزب البعث السوداني ، والدولة المدنية لدى حزب المؤتمر السوداني وحركة العدل والمساواة السودانية ، وهي الدولة العلمانية لدى حركة تحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان مجموعة الفريق مالك عقار .
وقد أورد البروفيسور اريك ام اوسلينر أستاذ العلوم السياسية بجامعة ميريلاند عاملي الثقة والعمل المشترك كعنصرين هامين في بناء الدولة . يقول اوسلينر عن الدولة المدنية : ( هي الدولة المعتدلة التي يثق فيها المواطنون في غيرهم من المواطنين المختلفين عنهم ، وحيث يوجد أقل قدر من الإنقسام السياسي ، وحيث يتعاون القادة السياسيون من أجل الوصول لأرضية مشتركة ، وحيث تناهض البيئة السياسية الصدامات والمواجهات العنيفة ) .
لذلك عندما تطرح الحركة الشعبية نوع الدولة الذي يضمن بقاء السودان موحداً ، تتحدث عن صيغةٍ متفقٌ عليها بين غالب القوى السياسية السودانية ، وهي ضرورة التأسيس لدولةٍ سودانية متعددة الثقافات والاعراق واللغات ، يكون فيها الدين على الحياد فلا يُقحم في الحياة السياسية والقانونية ، ليصبح هذا النموذج ضمانةٌ لتحقيق الأمن والإستقرار والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع السوداني . في جبال النوبة تعيش أكثر من خمسين قبيلة ، تتحدث عدداً من اللغات ، وتذخر بإرث ثقافي وتاريخٍ ضارب الجذور في السودان ، ولا يناسبها إلا نظام حكمٍ يمكِّنها من إدارة تنوعها بحرية بعيداً عن الهيمنة بأشكالها المختلفة .
وفي السودان الذي تسكنه قرابة الأربعمائة قبيلة ، تتحدث أكثر من مائة لغة بمئات اللهجات والثقافات ، فشلت حكوماته منذ الإستقلال في إدارة هذا التنوع وخلق مجتمعٍ متجانسٍ وآمن ذو هوية قومية تتشكل من كل هذا التباين ، وتوظيفه كعاملٍ للثراء أكثر من كونه عنصراً للصراع والحروب ، فإن الدولة المدنية التي تقوم على الوحدة في إطار التنوع تصبح هي ضرورة لبقاء السودان موحداً .
إن كانت الحركة الشعبية قد اشترطت بناء سودان عادل ديموقراطي علماني حتى تبقى جبال النوبة ضمن دولة السودان ، فإن السودان بوضعه الحالي في ظل إحتكار السلطة والهيمنة الثقافية والإقتصادية والنزاعات المسلحة لن يبقى موحداً لفترةٍ أطول .
ربما كانت الحركة الشعبية واضحة بشكلٍ صادم في وضعها لخيار العلمانية أو تقرير المصير ، لكنها أفصحت عن شرطٍ ضمني تتفق عليه القوى السياسية والمسلحة السودانية ، ويؤيده واقع الحال وطبيعة المجتمع السوداني ، بأن البداية الصحيحة لتأسيس دولة سودانية واحدة ، مستقرة وديموقراطية يكمن في نموذج الدولة المدنية العلمانية .
salma_122@hotmail.com