🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه.
ليس كل من تحدث عن الشجاعة كان من أهلها، فالشجاعة ليست كلمة ترفع، ولا مظهرًا يستعرض، بل معدن يظهر حين تضيق السبل وتشتد الاختبارات. هم أولئك الذين تصنعهم الأيام الصعبة، وتكشف حقيقتهم لحظات العسر، فيبقون ثابتين حين تتغير الوجوه، وراسخين حين تتبدل المواقف. هم رجال لا يستمدون قوتهم من تصفيق الآخرين، بل من يقينهم بقيمة ما يحملون من مبادئ. في حضورهم هيبة لا تحتاج إلى ضجيج، وفي صمتهم حديث أبلغ من كثير من الكلام، لأنهم أدركوا أن الإنسان يعرف بما يثبت عليه، لا بما يدعيه. لا تغريهم المكاسب الزائلة، ولا تستهويهم المناصب العابرة، فالكرامة عندهم أثمن من كل غنيمة، وعزتهم أعلى من كل مصلحة.
الفراسة عندهم تتجاوز حدود النظر إلى عمق البصيرة، فهي قدرة على قراءة المواقف قبل وقوعها، وفهم النفوس قبل أن تكشف عن أسرارها. ينظرون إلى الأفعال لا إلى الأقوال، وإلى الجوهر لا إلى المظهر، فيعرفون الصادق من المتلون، والوفي من المتبدل، وصاحب المبدأ من صاحب المصلحة. ليست فراستهم ظنًا عابرًا، بل حصيلة تجربة ووعي واحتكاك بالحياة. يعرفون أن بعض الوجوه تخفي ما لا تقوله الألسن، وأن بعض الكلمات قد تكون أجمل من أصحابها، لذلك لا يمنحون ثقتهم إلا لمن أثبتته المواقف. فالرجل عندهم ليس بما يملك، بل بما يحفظ من عهد، وما يقدم من وفاء، وما يثبت عليه حين تتغير الظروف.
وفي ميادين الصراع تظهر قيمتهم الحقيقية، فالقوة عندهم ليست اندفاعًا أعمى، بل حكمة تعرف متى تتقدم ومتى تنتظر. يؤمنون أن أعظم الانتصارات تبدأ بفكرة صائبة، وأن العقل الذي يسبق الخطوة قد يحسم ما تعجز عنه القوة. وفي ميدان الشعر والبيان لهم حضور خاص؛ فالكلمة عندهم ليست حروفًا عابرة، بل أثر يحمل ذاكرة الرجال. يجعلون من القصيدة سجلًا للمكارم، ومن البيان جسرًا يصل الماضي بالحاضر، يخلدون بها قيم الشجاعة والشرف والوفاء. فالسياسي والاعلامي الكاتب في نظرهم لا يملكون قلمًا فقط، بل يحملون أمانة التاريخ، يرفع من يستحق الرفعة، ويكشف زيف من اختار طريق الخداع.
هؤلاء هم أصحاب النفوس التي لا تنحني أمام الرياح، والقلوب التي لا تتغير بتغير الأيام. قد يمر الزمن على الأشخاص، وقد تخفت الأسماء، لكن المواقف العظيمة والثبات علي المبدأ تبقى شاهدة على أصحابها. فالمجد لا يمنح لمن يبحث عنه، بل لمن يصنع أسبابه بصبره وثباته ونقاء سريرته. الشجعان لا يطلبون مكانة بين الناس، لأن مكانتهم تصنعها أفعالهم، ولا يسعون إلى تخليد أسمائهم، لأن أثرهم يتكلم عنهم بعد رحيلهم. هم الذين يجعلون من الصبر قوة، ومن الوفاء عهدًا، ومن الكرامة طريقًا لا يحيدون عنه؛ فتظل سيرتهم حاضرة، كأنها نقش على صفحات الزمن لا تمحوه الأيام.
abohmohammed123@gmail.com
