ساعات في قسم الطوارئ والإصابات

 


 

 


كأي يوم جمعة مرّ علي مدي حياتي البالغة حسابيا ً كذا وشوية سنوات ،بدا يوم الجمعة الماضي عاديا ً جدا ً من (صباحاتو) ، شرب الشاي ثم البدء بإعداد (فطور الجمعة) وبينهما طقوس معلومات من غسيل ملابس ونظافة بيت وغيره مما تقوم به النساء من أعمال منزلية درج العرف علي تواترهن بأدائها دون كلل أو شكوي ، حتي وإن تلمستّم صوت إعتراض ولوعلي (خفيييف) من السطر أعلاه ، ولكن ليس وقته الآن ، قلت توالت هذه الإعمال برتابة عادية الي أن حان وقت إعداد الشاي ، ولعلـّي  كنت منشغلة بالرد ّ علي سؤال ما ، لم أنتبه إلا وكلّ ما بمحتوي (الكفتيرة) من مياه مغلّية وقد إندلق علي أعلي ساقي ّ ، لا أستطيع أن أصف مقدار الألم الذي أحسست به للحظة وللحظة تحديدا ً لأني من النوع الذي يسبق تفكيره إحساسه ، وهذا ليس (إنجليزي يا مرسي) ..! أما لعبة العقل هذه فشرحها كالآتي : ثبت أن التفكير الذهني الإنصرافي البحتّ في كيفية حدوث أمر ما ، يبعدك ولو مؤقتا ً عن الإحساس الفيزيائي بما تحس ّ به وهذا ما حدث ، ففي الوقت الذي كنت  ذهنيا ً أعيد ترتيب حركة يدي لأفهم كيف إنزلقت الكفتيرة وأفرغت محتواها علي جسمي أخذت دورة الألم زمنها وإنصرفت ، في البداية تلبّسني ثوب التماسك والإحتمال وأنا أعالج الحروق بما جادت به خبرتي البسيطة من مواد مجرّبة في هكذا حالات أو نصائح قفزت الي ذاكرتي يطاردها الأدرنالين وأصحابه..!  ولكن بمرور الوقت لم أعد أحتمل (نتحات) الحريق و(طيران) الي قسم الطوارئ والإصابات ـ مستشفي الخرطوم ، أولا ً حمدت الله كثيرا ً أن هذا القسم لا يزال ثابتا ً في موقعه إلا أن التفكير الذهني الإنصرافي الذي قادني إليه السؤال : ماذا كان سيحدث لي لو قررت وزارة الصحة نقل هذا القسم الي الأطراف ؟ وأي أطراف ؟ طيّب أنا من سكان الخرطوم جنوب وأقرب منطقة طرفية لمكان يسكني هي (حي مايو) أو (السلمة) ، يعني في حالتي هذه سيكون علي أن ـ في حال نفذّت وزارة الصحة قراراها مع وقفات إحتجاجية أو بدونها ـ أتجه الي شارع المطار لأستقل ّ حافلات أو بصات مايو لأصل بعد ساعتين تقريبا ً وحتي أستطيع معرفة قسم الطوارئ داخل مبني المستشفي الطريف ، أقصد الطرفي ، وحتي أستطيع مقابلة الطبيب ، ثم إقناع مسؤول التأمين الصحي بقبول بطاقة التأمين خاصتي ، وحتي أتأكد أن كل الأدوية المكتوبة في (روشتة) العلاج هي داخل مظلة التأمين ، الي أن يتم كل هذا ، عليّ أن أحتمل تضاعف الألم بثبات يحاكي ثبات السيد وزير الصحة الولائي في تحمله لآلام كل الأطفال المرضي الذين سيحتملون الألم الي أن يبرز الي الواقع المستشفي التخصصي الذي وعد بإنشائه . وبالمناسبة ، بمجرد وصول تفكيري الذهني الإنصرافي الي هذا الحد ّ ، نظرت الي أعلي مبني قسم الحوادث شارع (الإسبتالية) وتمعّنت مليّا َ في لافتته العريضة وأنا أردد ّ في دراما ذهنية متّقدة : علي قوثتي (جثتي) .. علي قوثتي  يا مامون  ياحميدة .

zizetfatah@yahoo.com

 

آراء