ستون عاماً من الضياع .. بقلم: اسماعيل عبد الله
عندما اشاهد مقدمي البرامج التلفزيونية وهم يتوشحون علم السودان , متحدثون عن مناسبة عيد الاستقلال بكثير من الاحتفاء و البشر و الترحاب , تخطر في بالي صورة النازح و الّلاجيء و المُهجّر من ابناء الوطن المنكوب , انها حالة من الفصام تعيشها اجهزتنا الاعلامية المسموعة والمرئية , فعندما تجول بناظريك حول شاشة قناة سودانية اربعة وعشرين , بجودة صورتها العالية , لن تخطر على ذهنك صور اكوام القمامة المنتشرة في طرقات مدينة الخرطوم , من شدة عظم المفارقة بين الصورتين , فعاصمة البلاد المحتفية بمرور اكثر من ستين عاماً على خروج المستعمر , وياليته لم يغادر , كانت هذه المدينة في عهده انموذج للاناقة و النظافة والخضرة و التشجير , تسعى الى اللحاق به العواصم الافريقية و العربية في تلك الحقبة من الزمان , وعلى ذات المستوى كانت عواصم الاقاليم , كوستي ومدني و الابيض وعطبرة وبورتسودان والفاشر , فما ان جاءت المسماة زوراً وبهتاناً بالحكومات الوطنية , حتى تم القضاء على كل معالم هذا الجمال , و ما يدعوا للسخرية و التهكم هو ذلك الصوت العالي والفاضح لرموز هذه الحكومات غير الوطنية , عندما يتحدثون عن بطولاتهم في طرد المستعمر و هزيمته , هاربين من حقيقة ان اصحاب العيون الزرق هؤلاء قد غادروا ارض السودان بمحض ارادتهم , في مشهد مكشوف سجلته كاميرات التلفزة آنذاك , حاملين امتعتهم على ظهر القطار الذي احاطت به حشود من جماهير الشعب السوداني , ولسان حالهم يقول : الى من تكلوننا ؟ الى عدو يتجهمنا ام الى (قريب) ملكتموه امرنا ؟ , لم تعكس وجوه المواطنين السودانيين الذين كانوا يعتلون جسر النفق , وهم يودعون المستعمر , أية حالة من حالات الفرح اوالبشر بمغادرة الغريب لارضهم , بل كان حالهم مثل حال الذي رحل عنه والداه فتركاه يحيا حياة اليتم و الشقاء من بعد رحيلهما , في حيرة و مأساة لا تندمل جراحها .
لا توجد تعليقات
