سحر الغطاء النباتي … ونيران صناعة الفحم!! .. بقلم: د. حسن حميدة – ألمانيا

(مداخلة لمقال الدكتور طبيب، عبد المنعم عبد المحمود الطيب العربي – نشر بتاريخ: الثاني عشر من فبراير الجاري)

د. حسن حميدة – ألمانيا

مقدمة: من الناس من تأكل النار أحشاءه، تشوقا لأن يرى بلده مخضر ويانع – بأهله، ماءه وترابه وأشجاره. ومن الناس من تأكل النار أحشاءه، ولا يروق له خاطر أبدا، حتى يقضي على الأخضر واليابس، يلتهم آخر شجرة تقف فيه، ولا يهم، شجرة نيم، شجرة هشاب، شجرة سنط، شجرة طلح، شجرة شاف أو غيره من الأشجار. مشهود لإنسان السودان نظافته، ونظافة الطبع والبدن معا، سواء كان ذكر أو أنثى. ولذا حفرة الدخان في كل بيت، فهي أهم من الفرن لعمل الخبز المنزلي. فقبل أن تخرج ثورة أخرى من صلب ثورة ما زالت قائمة، لا بد أن يوقف التعدي على الأشجار، جمع الحطب، وصناعة الفحم. الموضوع هنا ليس هو بموضوع “فحم” فقط، بقدر ما هو موضوع “شخصية”. أن يظل حطب “الطلح والشاف” باق أبديا. وهذا قبل أن يجيب الموضوع، تروس صلدة، يتعثر على “شمسون الجبار” أمر ازالتها.

مدخل أول – للدكتور عبد المنعم:
تهريب الذهب على عينك يا تاجر عبر المطارات أو براً محشواً داخل جوالات القمح عرفه وشاهده كثير من الناس، وتهريب الثروة الحيوانية بجميع أنواعها حية أو لحومها بعد ذبحها عرفناه. تهريب السكر والسمسم عرفنا وبيع القطن الهبل برخيص الثمن عرفناه. لكن الأدهى وأمر أن نشاهد العجب العجيب وما خفي أعظم الذي كشف عنه الستار نشاط ترس أبناء الشمالية. وعلى قمة هذا الفساد المبطن ومسكوت عنه دليل قاطع على ما بلغة البعض من غاية درجات السقوط الأخلاقي والوقوع في خنادق يتربع ويتحور فيها المفسدون الذين كل يوم وآخر يتحفونا بمفاجأة جديدة يتوقف من قبحها ونتانتها قلب كل وطني ذي مروءة وامانة وغيرة على تراب وممتلكات وثروات وإنسان بلده السودان.

مدخل ثان – للدكتور عبد المنعم:
جل اراضي السودان للأسف تعاني من الزحف الصحراوي ومن الجفاف فكيف يتم السماح لمثل هذه التجارة التي لا تفيد السودان بأي شيء . فقطع الأشجار ينتهي بإنحسار الغابات وهذا يؤثر ليس فحسب على المناخ وحده بل حتى على الحياة البرية كلها بما فيها من حيوانات وطيور مستوطنة وموسمية الهجرة وحتى الحشرات وكذلك على الإنسان نفسه. لا فرق بين الذي يقطع أشجار الغابات ولو حتى واحدة وبين الذي يقتل نفساً. إين مصلحة الغابات ؟ اين حرس الحدود؟ أين الشرطة وشرطة المرور وأين ضبطية الجمارك؟.ليقفوا هذا العبث.

مدخل ثالث – للدكتور عبد المنعم:
أعزائي القراء الكرام، أرجوكم نتعاون جميعا لكي نحارب تجارة الفحم لما فيها من تأثير سالب على البيئة والإنسان وأن نحارب القطع العشوائي للأشجار أين ما كانت أو تكون. أيضاً يجب تنظيم قطع الاشجار إن كان لابد من ذلك لكن بعد إلزام الذي سيقطع شجرة بأن يعوض الفاقد بزرع شجرة مكان التي قتلت. بهذه الطريقة يحافظ الأًوربييون على أشجار غاباتهم لأنها ثروة أجيال ستحضر.

نهاية الثلاثة مداخل، وبداية المقال:
كتب الصديق الصدوق، والأخ العزيز، الدكتور عبد المنعم عبد المحمود الطيب العربي من لندن، مقالا قيما يعني بالمحافظة على الطبيعة، وحماية البيئة في البلاد. وهذا بعد أن ضمن مقاله، بصورة تثبت السطو على موارد البلاد النباتية في وقت الغفلة. السطو جورا على صناعة، إذا استعنا بها كمورد اقتصادي، لقضت على الأخضر قبل أن تقضي على اليابس في البلاد. السطو عليها وتهريبها للجارة “مابيانا، شاقيانا، معذبانا – وقاسمة معانا”، ومن ثم تسويقها من هناك في السوق العالمية لتدر الأموال الطائلة لمن هو أحق. هنا أشارك بمقالي هذا، وأشاطر الدكتور عبد المنعم حزنه بعد تجربة، وهنا أبعث بصوتي كفحام قديم قبل كل الأكاديميات.

تساءل الكاتب في مقاله الصريح، والموجه بالتحديد لذوي الاختصاص، بما في ذلك وزارة الزراعة والغابات “مصلحة الغابات” عن عدد الأشجار التي تمت بالفعل ابادتها، للحصول على هذه الكمية الهائلة من الفحم. أهي غابة واحدة، أم هي أكثر من غابة أبيدت، حتى يتم صناعة جولات من الفحم، تملأ جرار ذو ثقل هائل “هفي ويت ترااك” كهذا؟ لقد تلقيت الصورة المعنية من دكتور عبد المنعم قبل أن ينشر المقال، وتحدثنا عنها تلفونيا. تعجبت وقتها أشد التعجب، وكفحام قديم، أيام كان التفحيم مرشد بيئيا. تعجبت لأني لم أرى في حياتي كمية كبيرة مثل هذه الكمية، تخرج مشحونة دفعة واحدة. تحمل محزمة بلصوصية متمرسة. تشحن لتغادر القرى والبوادي، وتطوي الوهاد والفيافي، عابرة للمدن والحضر، لكي تستقر هناك، وتسوق عند أسيادنا “؟لماذا؟. تذكرت أيام خوالي، وسرحت بعيدا، محتارا. قلت لنفسي متألما ومتحسرا: “لو كان والدي وأصحابه في مصلحة الغابات قديما، يتعاملون مع أشجار البلاد هكذا، لما تبقت في البلاد شجيرة عشر واحدة. وسألت نفسي، لماذا كنا آنذاك نحتفل في الزمن الجميل، وحتى في مدينة تندلتي بعيد الشجرة؟ اليوم الذي كانت تقوم على أمره مصلحة الغابات، كان يوم عطلة رسمية في المدارس ولكل الناس.

أشارك دكتور عبد المنعم الرأي والمشاعر هنا، عندما يتساءل بنبل وهمة: كم عدد الأشجار التي قطعت هنا، أو كم عدد الغابات تم حرقها، لصناعة كمية من الفحم كهذه؟ نعم، إنه لسؤال وجيه للغاية، في زمن تعيس، يظن فيه جيراننا في الدول العربية، أن ثورة السودان القائمة الآن، ما هي إلا سانحة لجمع وأخذ الغنائم. جمعها وأخذها في لحظة انشغال أهل السودان بمشاكلهم الشائكة. ولا يهم أي أنواع الغنائم تؤخذ، كلها تأتي لكم مجانا، ولا تغلى عليكم أنتم “أسيادنا الأبرار” إن كانت حطب، فحم، أخشاب، أشجار، خضروات، فاكهة، ثمار، طيور، أسماك، ماشية، حيوانات برية، معادن نفيسة كالذهب، أو كانت مياه، تراب أو ناس. ليس هنا الأمر هو بخطاب للكراهية تجاه أي إنسان في هذا العالم الكبير، ولكنها هي عين الحقيقة التي لا تعرف التزييف والتبديل. ولا تعجب في نهب كل ما هو قيم عن طريق لص خائن، أو بائع جاحد، أو مشتري مستنزف. كل هذه الثلاثة خصال الذميمة، تنصب في سمعة الدولة الفاسدة برأسها، التي ربما ترى أن في الأمر شطارة على دول، هي حقيقة في أشد الحوجة لمواردها الذاتية عما سواها من دول – الإستضعاف المقصود والموجه، عبر السند المغشوش والولاء الكاذب.

نقول هنا: من لا تهمه سمعته، كولي أمر دولة، فله أن يذهب عاريا – فربما كل ما يبدو منه للناظر، أو ما يتعجب له الناظرين في آخر المطاف، هو كيلو من اللحم أو أقل منه، يخجل بائعه ومشتريه “المغتنم”، من النظر إليه مرتين. لقد أتت الرحمة للأشجار والغابات في البلاد، باستخدام الغاز الطبيعي حديثا. الشيء الذي قلل من استخدامات الحطب والفحم، باستثناء استخداماتها في المناطق القروية، النائية عن الحضر. بالمحافظة على الأشجار والغابات، يمكن صون الطبيعة والبيئة معا. الغابات والأشجار لا تمثل مصدر للغذاء فقط، بل أيضا مأوى للحشرات، والطيور، ووالزواحف والحيوانات البرية بمختلف أنواعها. بوجودها يعتدل الجو، ويمكن عن طريقها الحد من آثار الجفاف والزحف الصحراوي تجاه القرى والمدن. وكما هو معلوم لدينا، زحف الصحراء السنوي جنوبا، وفي أغلب بقاع السودان. الأمر الذي يعمل على دفن أسوار منازل ومصالح حكومية ومدارس وغيره، بكثبان من الرمال العالية. وتزداد هذه الكثبان يوميا في العلو، ويمكن للمار أحيانا، ان يقفز من الشارع قفزا، إلى داخل تلك المباني المعنية.

نعرف مليا في السودان، أن استخدام الفحم إن كان، لا يتجاوز في حد ذاته أمر الاستعانة به في أعمال الطبخ واعداد الطعام اليومي. ولكن ما لا يدريه أغلب الناس، أن للفحم في خارج السودان، استخدامات شتى. الشيء الذي يجعل منه سلعة غالية الثمن، وخصوصا كما ذكر الدكتور عبد المنعم مسبقا، الفحم الأورقنيك. ولمن لا يدري أو يسمع بتلك الاستخدامات، فهنا له ملخص مبسط عن ذلك: يستخدم الفحم المنقى معمليا في صناعة حبوب طبية “أقراص الكربون النشط” التي تستعمل في معالجة الإسهالات، صناعة أدوات التجميل مثل المناكير، والملونات للشعر، والأقلام والصباعات للشفتين والحواجبين والرموش، صناعة الأقلام والأحبار والألوان التي تستعمل في الأعمال الفنية، صناعة الأصباغ التي تستخدم في تلوين المنسوجات والأخشاب الغالية، صناعة الفحم المعسل بنكهات مختلفة للشيشة والسجائر الالكترونية “وتركيب أنواع من “الكبنقة” باهظة الثمن”، صناعة الفحم بعد كبسه في الشوايات. ويفضل الأورقنيك منه، في حفلات الشواء الفندقية، وولائم أثرياء العالم “ذا هاي سوسيتي بيبل”، الذين يحرصون على استخدام الممتاز، الذي لا يتاح لعامة الناس.

واجب علينا كأصحاب وطن، حاكم ومحكوم، أن نحافظ على الطبيعة، بما فيها البيئة التي نعيش فيها، أو التي تحيط بنا. وللتذكرة فقط: يجب ألا ننسى المحاولات البائسة التي حذتها بعض الدول في السودان، لمحاربة الجفاف والتصحر. لو استعنا وقتها بسؤال مزارع بسيط من أصقاع البلاد البدائية، مزارع ورث المهنة عن أجداده، لأفتانا خيرا في مستقبل هذه التجربة الضارة. زراعة أشجار المسكيت مثالا، التي جعلت من السودان حقلا للتجارب الزراعية الفاشلة. الشيء الذي توج هذه المحاولة، لمغامرة باهظة الثمن. وعلى وجه التحديد، كيفية التخلص من أشجار المسكيت، التي كما يقول المثل السوداني مستعارا، “جابوها فزع، بقت وجع”. أشجار المسكيت التي هي ذات أضرار أكثر من الفوائد، وفي المقدمة باعتبارها نوع نباتي خطير، يستنزف مقومات التربة الأحيائية بشراهة، سواء كانت مقومات غازية، مائية أوغذائية. وأضرار مشابهة “ربما يختلف البعض معي في الرأي”، تنطبق على إدخال النباتات المحورة جينيا في تغذية الحيوان والإنسان، والتي ما زالت هي تحت المجهر، فيما يخص فوائدها وأضرارها على صحة الكائنات الحية، وعلى التنوع البيولوجي للمخلوقات في الجو، في اليابسة وتحت المياه غيره.

وأخيرا: يجب أن يكون المرجع العلمي الموثوق به، والخبير المحايد في رأيه من أجل المجتمع، هما الأساس في الفصل بين الخاص والعام، كل ما يروج من المستثمر للمستهلك حاليا، ولكي يتم تطبيقه على عجل “بين يوم وليلة” في البلاد “كزراعة المسكيت”. كما يجب أن نأخذ موقع الحذر من التقنيات الحديثة التي تأتي بها وفود شركات عالمية، مسوقة للحبوب والبذور وغيره من كل جديد – غير مختبر طويلا، لكي تستغل الأرض والمياه في السودان، كحقل لإجراء تجارب ممنوع إجراءها في كثير من الدول، على سبيل المثال، دول الوحدة الأوروبية، باستثناء دول قليلة كمملكة أسبانيا التي تزرع وتنتج المحور وراثيا. موضوع “هندسة الجينات والمنتجات المحورة وراثيا” الفوائد والأضرار، موضوع مهم للغاية لصحة طبيعة وبيئة كل المخلوقات، حتي الطيور وديدان الأرض والحشرات. وكان هذا الموضوع هو موضوع بحثي في الدبلوم العالي، وربما أفسحت المجال للحديث عنه لاحقا، لوضع بعض النقاط على الحروف.

E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً