سد النهضة بيع الماء أم الكهرباء! .. بقلم: د. أحمد عبدالله محمد الشيخ
11 مايو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
86 زيارة
أورد ونديميه تلاهون في كتابه “الاطماع المصرية الإستعمارية في بحيرة تانا والنيل الازرق” الصادرعام 1979 عن جامعة أديس أبابا أن الامبراطور هيلاسيلاسي قد أرسل سفيره في بريطانيا الي الولايات المتحدة لمفاوضت شركة أمريكية تسمي جي جي وايت مان لبناء سد علي بحيرة تانا. وقد قامت الشركة الامريكية بعمل مسوحات ووافقت علي بناء السد بتكلفة قدرت ب 15-20 مليون دولارعام 1929. ولما كان المبلغ كبيرا علي خزينة إثيوبيا، إقترح الامبراطور هيلاسلاسي أن تقوم الشركة الامريكية بتمويل بناء السد علي أن تقوم تلك الشركة ببيع مياه النيل الازرق الي الشركة البريطانية المشغلة لمشروع الجزيرة وللحكومة المصرية، لكي تتمكن الشركة الامريكية من استرداد مبلغ تمويل السد وفوائده، ولكن الحكومة البريطانية بما لديها من نفوذ قامت بإجهاض المشروع الاثيوبي، إضافة الي إحتلال الإيطالي لإثيوبيا في ثلاثنيات القرن الماضي.
وعلي صعيد أخر، أوضح أسفاو بيني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان ديغو الولائية بولاية كاليفورنيا الولايات المتحدة، في مقالة له بعنوان” لماذا صمم سد النهضة علي 6000 ميغاوات” منشورة بتاريخ 19/06/2013 في موقع قادا الاليكتروني أن سد النهضة لايمكنه إنتاج 6000 ميقاوات بصورة منتظمة طوال السنة، لان هذه الكمية من الكهرباء تحتاج الي متوسط معدل سريان يبلغ 4700 متر مكعب في الثانية بينما يبلغ متوسط معدل سريان النيل الازرق 2350 متر مكعب في الثانية مما يمثل 50% من المعدل المطلوب.
ومن جهة أخري، ذكر ديل ويتنغتون أستاذ الهندسة المدنية بجامعة كارولينا الشمالية تشاب هيل بولاية كارولينا الشمالية الولايات المتحدة، في مقالة بعنوان “لماذا الحاجة الي مباحثات فنية لسد النهضة” المنشور في موقع كونفرزايشن بتاريخ 8/6/2016، أن حوجة إثيوبيا من الكهرباء لم تتعد 2000 ميغاوات، وأن إستيراد كينيا من الكهرباء الإثيوبية لم يتجاوز 400 ميغاوات، فيجب علي إثيوبيا أن تبيع الكهرباء للسودان. ولكن الخط الحالي الناقل للكهرباء من إثيوبيا للسودان لا تتجاوز حمولته 100 ميغاوات، مما يتطلب إنشاء خطوط ومحولات جديدة ذات ضغط عالي لاستيعاب الكهرباء المُحتملة من سد النهضة. ولكن تقرير بعنوان “سد النهضة فرصة للتعاون والفوائد المشتركة في حوض النيل الشرقي” الصادر عن معمل عبد اللطيف جميل للأمن الغذائي ومياه العالم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بولاية ماساشوستس الولايات المتحدة عام 2014،أشار الي أن إنشاء خطوط جديدة ذات ضغط عالي بين إثيوبيا والسودان ومصر قد يستغرق خمس سنوات.
وعلي نفس الصعيد، ذكر الدكتورمحمد نصرعلام وزيرالري المصري الأسبق في مقالة بعنوان “مقاطعة كهرباء سد النهضة” في صحيفة الوطن المصرية بتاريخ 20/12/2014 أن شبكات الكهرباء في إثيوبيا حاليا لا تستطيع ان تتحمل أكثر من سدس (1/6) إنتاج الكهرباء المحتمل من سد النهضة، وان تكلفة نقل كهرباء سد النهضة من خلال خطوط ضغط عالي، سوف يكلف خزينة إثيوبيا أكثر من مليار دولار، أضف إلي ذلك سعرالكهرباء التشجيعي، فان العائد من بيع الكهرباء لن يفي بمصروفات تشغيل سد النهضة. أما خيار التوسع في شبكة توزيع الكهرباء الإثيوبية الداخلية لاستيعاب الزيادة من الهائلة في الكهرباء من سد النهضة، فان إثيوبيا قد تحتاج الي 30 عاما لانجاز تلك المهمة. اما خيار تصديرالكهرباء للسودان، فان السودان وإثيوبيا مجتمعين ليس لديهما الحوجة او القدرة لاستغلال نصف الكهرباء المنتجة من سد النهضة مما يفرض علي إثيوبيا ان تبيع الكهرباء للسودان بسعر التكلفة. ولكن مصر هي الدولة الوحيدة التي لديها القدرة علي استيعاب كامل الكهرباء المنتجة من سد النهضة وان رفض مصر شراء كهرباء سد النهضة قد يعرض إثيوبيا لخسارة مقدارها 6-7 مليارات دولار مما يؤثر علي قدرة إثيوبيا علي الإيفاء بالتزاماتها السد المالية.
ولايفوت علي القاري الكريم ان السودان قد يكون المتضررالرئيسي من سد النهضة، إذا ماتغيرت السياسة وأختلفت المصالح السودانية الإثيوبية، فإثيوبيا يمكن أن تمارس ضغطا هائلا علي السودان. وذلك لان إثيوبيا سوف تتحكم في مواقيت وكميات المياه المنسابة في النيل الأزرق مما يضع السودان تحت رحمة إثيوبيا. قد يقول قائل أن إثيوبيا لا يمكنها حجز مياه النيل الازرق لفترة طويلة وهذا قول صحيح! ولكن إثيوبيا سوف تتحكم تماما في مياه النيل الازرق. فمثلا يمكن أن تسمح بمرور كميات كبيرة من المياه في مواقيت ليست مناسبة للسودان، أوتسمح بمروركميات قليلة من المياه في أوقات الذروة الزراعية مما يهدد النشاط الزراعي في السودان. أما بالنسبة لمصر فلديها بحيرة ناصرالتي حمتها من موجات الجفاف في القرن الماضي، فيمكن لمصر ان تستقبل كميات متباينة من المياه في أوقات مختلفة طالما حافظت مياه بحيرة ناصرعلي حجم مناسب من المياه. فيمكن لمصران تتفق مع إثيوبيا علي شراء حصة كبيرة من كهرباء سد النهضة، مقابل السماح بمرور كميات كبيرة من المياه في أوقات غير ملائمة للسودان.
بناء السدود الكبيرة يتم وفق خطط كبيرة للتنمية تقوم علي انشاء منشات زراعية وصناعية ضخمة من شانها ان تستهلك الجزء الأكبر من الكهرباء المنتجة، وان بناء تلكم السدود الكبيرة يعتبر مضيعة للمال اذا كانت الغايات من بنائها توفير كهرباء لشخص يريد ان يضئ غرفة او ان يشعل موقد، وسد مروي في السودان اكبر مثال علي السدود التي لم تبن وفق خطط للتنمية مدروسة. عدم ضغط السودان علي إثيوبيا لابرام إتفاقية منصفة علي تشغيل سد النهضة وضمان سريان مياه النيل الازرق في مواقيت الحوجة السودانية، يعرض الزراعة في السودان لاخطار جمة.
لكن يظل السؤال ماذا لو إتفقت مصروإثيوبيا، قبل أن يتفق السودان مع إثيوبيا؟ وهل تريد إثيوبيا بيع الماء للسودان بدلا من الكهرباء في السنيين الاولي لتشغيل سد النهضة؟ أم أنها ارتكبت نفس أخطاء حكومة الإنقاذ في إنشاء مشاريع كبيرة ذات كلفة إقتصادية عالية لاغراض الشو السياسي.
د. أحمد عبدالله محمد الشيخ
aaer4c@gmail.com