استراحة
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
روما، إيطاليا — ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦
هناك أصوات جميلة، وهناك أصوات تحمل معها مكاناً وذاكرة وحكاية. وصوت سلاف إلياس من الأصوات التي يصعب فصلها عن السودان: عن الحوش، والعود، وليالي الغناء، وعن ذلك الشجن الذي يصل إلى القلب دون حاجة إلى المبالغة.
استمعت إليها مصادفة وهي تغني «ريدكم لي شديد يا يابا»، وهي أغنية سودانية تراثية حديثة. استوقفني أداؤها، وأعدت الاستماع إليه مرات، وظلت الأغنية ترافقني حتى فرغت من كتابة هذه الكلمات.
سلاف إلياس مغنية وعازفة عود وملحنة سودانية شابة. بدأت علاقتها بالعود في سن مبكرة، ثم طورت تجربتها بالدراسة والممارسة. لكن الذي يستوقفني فيها ليس السيرة بقدر ما هو ذلك التوافق بين الصوت والعود والإحساس.
فهي لا تحاول أن تستعرض قوة صوتها. قوتها، في تقديري، تأتي من الهدوء والاقتصاد في الأداء وترك الكلمات واللحن يتنفسان. في صوتها دفء وشجن بلا افتعال، وفي عزفها على العود امتداد طبيعي للغناء، حتى يبدو الاثنان أحياناً كأنهما صوت واحد.
ولعل وراء ذلك صلتها المبكرة بالبيت السوداني وذاكرته الموسيقية. فقد تحدثت عن التجمعات العائلية والغناء في الحوش وأفراد الأسرة وهم يحملون أعوادهم ويغنون معاً. لذلك لا يبدو التراث في أدائها شيئاً مستعاراً، وإنما جزءاً من ذاكرة عاشت فيها.
وهذا ما أعجبني في أدائها لـ «ريدكم لي شديد يا يابا». لم أشعر أنها تحاول إعادة الأغنية كما كانت، ولا أن تجعل منها شيئاً آخر. تركت لها روحها، وأضافت إليها صوتها وإحساسها.
وهنا، ربما، تكمن إحدى أجمل صفات سلاف: أنها لا تقلد القديم، ولا تقطع الحبل الذي يصلها به.
وتظهر هذه الصلة أيضاً في مشروعها الموسيقي الخاص، حيث تستفيد من الشعر الصوفي والإرث العائلي، وتجمع العود والصوت السوداني بمساحات موسيقية معاصرة.
انتقلت سلاف إلى فرنسا في أواخر عام 2022، وأصبح البعد عن السودان جزءاً من تجربتها. لكنها، مثل كثير من الفنانين السودانيين في المهجر، تحمل معها شيئاً لا يحتاج إلى جواز سفر: الذاكرة الموسيقية.
وهذا مهم في زمن أصبح فيه السودان، لدى كثيرين خارج حدوده، مرتبطاً بأخبار الحرب والنزوح والدمار. فهناك سودان آخر يسافر أيضاً: سودان الموسيقى والشعر والعود واللغة والذاكرة.
وسلاف واحدة من الأصوات التي تستطيع أن تحمل شيئاً من هذا السودان إلى مستمع جديد، دون أن تفقد نبرتها الخاصة.
استعنت أثناء إعداد هذه الكلمات ببعض المصادر المنشورة وبالذكاء الاصطناعي لترتيب المعلومات والتحقق منها، لكن الدافع إلى الكتابة كان أبسط من ذلك كله: صوت استوقفني وأحببت أن أشير إليه.
لا أريد أن أحمل تجربة فنانة شابة أكثر مما تحتمل، ولا أن أستبق ما ستصبح عليه تجربتها. يكفيني هنا أن أتوقف عند صوت جميل يحمل ملامح من السودان، ويعرف كيف يعبر بها إلى زمن جديد.
وظلت «ريدكم لي شديد يا يابا» تتكرر في أذني وأنا أكتب، حتى وصلت إلى هذه الكلمات الأخيرة:
صوت جديد، لكنه يحمل شيئاً نعرفه منذ زمن.
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
