نزار عثمان السمندل
ثمة شعراء يكتبون القصيدة كأنهم يؤدّون واجباً لغوياً. وثمة شعراء يكتبونها كما لو أنهم يربّتون على كتف العالم كي لا ينهار.
عثمان بشرى، في ظني، من هؤلاء القلائل الذين يمشون في اللغة بخفّة العابرين على ماء القلب، لا على صخبه.
حين تقرأه، أو تسمعه، تشعر أن الكلمات تأتي من مكان أبعد قليلاً من الحنجرة… من تلك المنطقة التي يختلط فيها الحزن بالحنان، والهتاف بالدمعة، والوطن بصورة أمّ تنتظر ابنها عند آخر الليل.
لذلك لا غرابة في أن تشدّك قصائده منذ اللحظة الأولى. فقصيدته عن المليونيات، مثلاً، لم تكن نشيداً سياسياً، كانت صلاةً مدنية، تميمةً بالفعل، كما سمّاها. كان يرى الجموع لا بوصفها كتلة غضب، بقدر رؤيته لها كائناً بشرياً يستحق الخبز والموسيقى والندى والحقول والشمس الخجلى من الأذية.
أي شاعر هذا الذي يصف الثورة من جهة لطفها؟ من جهة إنسانيتها؟ من جهة قدرتها على إعادة الندى إلى الخدود؟
في زمنٍ كان كثيرون يرفعون أصواتهم كي يُسمَعوا، كان عثمان بشرى يهمس… فيصل أبعد. تلك هي موهبته الأصعب. أن يُبقي اللغة طازجة حتى وهي تعبر وسط الدخان. وأن يجعل القصيدة السياسية قابلة لأن تُقرأ كرسالة حب. أو يجعل رسالة الحب قابلة لأن تُقرأ كبيان خلاص جماعي.
في شعره لا تنفصل البلاد عن الجسد، ولا الهتاف عن العطر، ولا الثورة عن الطيبة الباذخة. كأنه يعرف، بالفطرة أو بالوجع، أن الأوطان لا ينقذها الغضب وحده، إنما ينقذها أيضاً الذين ما زالوا قادرين على الرقة.
سمعناه في «حبيبي إزيك»، فبدا المدخل كمن يختصر شخصيته. يسأل عنك قبل أن يحدثك عن نفسه. شاعر لا يدخل القصيدة متعالياً عليها، بل يجلس داخلها مثل صديق قديم، يعرف تعب الأرصفة، وخوف المنافي، وارتباك القلوب التي أنهكتها المشاوير.
اليوم، يمر عثمان بشرى بأزمة صحية. يبدو مؤلماً أن نتخيّل هذا الجسد المتعب الذي حمل كل ذلك الضوء.
مؤلم لأن الشعراء الحقيقيين يبدون لنا دائماً أكبر من المرض، أكبر من الأسرّة البيضاء، أكبر من هشاشة الجسد. لكن الحقيقة القاسية أن الذين يوزّعون الدفء على الآخرين، يخفون غالباً حرائقهم الخاصة بصمت نبيل.
عثمان بشرى ليس مجرد شاعر يكتب جيداً. إنه واحد من الأصوات التي جعلت اللغة السودانية الحديثة أكثر حناناً، وأكثر قدرة على النجاة من القبح.
وحين تمر البلاد بكل هذا الخراب، يصبح وجود أمثاله ضرورة أخلاقية، لا مجرد قيمة أدبية. فالأمم المرهقة تحتاج إلى شعرائها كما تحتاج إلى أطبائها. تحتاج إلى الذين يذكّرونها بأن الإنسان لم يُخلق للكراهية وحدها.
له، في محبته الواسعة، صديقات وأصدقاء كثر يتضامنون معه في اللحظة التي يمرّ بها. وله، في هذه المحنة، قلوب تدعو له من جهات بعيدة. ولعل أجمل ما يمكن قوله الآن، إن السودان الذي أنجب هذا الصوت الشاهق والمُعذّب، لا يزال قادراً على إنجاب المعنى، رغم كل هذا الركام.
سلاماً لعثمان بشرى…
للرجل الذي جعل الهتاف أكثر رقة، وجعل الرقة نفسها شكلاً من أشكال المقاومة.
