نزار عثمان السمندل
كل الطرق المؤدية إلى السلام في السودان تبدو وكأنها تبدأ من الحرب. مبادرات تتوالى، وضغوط خارجية تتصاعد، وقوى مدنية تحاول استعادة السياسة إلى مكانها، بينما يواصل الجيش والدعم السريع النظر إلى الميدان باعتباره اللغة الأكثر قدرة على تحديد مستقبل البلاد. وبين هذه المسارات المتقاطعة، يبتعد السودان عن السلام بمقدار ما يقترب منه في الخطاب.
البرهان يقول إن المعركة مستمرة حتى نهاية التمرد، ونائبه مالك عقار يضع الحسم العسكري أيضا في مقدمة الخيارات، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً بشروط تبدأ بانسحاب مليشيا الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية.
في الجهة الأخرى، رفضت قوى مدنية وسياسية مناهضة للحرب، اجتمعت في أديس أبابا، دعوة البرهان إلى الحوار السوداني ـ السوداني، ورأت فيها محاولة لإدارة السياسة من داخل ميزان القوة الذي صنعته الحرب، وإعادة الجيش إلى موقع صانع السلطة لا حامياً لها، وتكريس البرهان واجهة جديدة للكيزان.
المفارقة أن الطرفين يتحدثان عن إنهاء الحرب، لكنهما لا يتحدثان عن الحرب ذاتها من الموقع نفسه. بالنسبة إلى الجيش، السلام يمكن أن يكون ثمرة لحسم عسكري يغيّر شروط التفاوض. وبالنسبة إلى القوى المدنية، لا يصبح التفاوض ممكناً إلا بعد وقف القتال وانتزاع السياسة من قبضة السلاح. وبين التصورين يظل السودان معلقاً في المسافة التي تفصل نهاية الحرب عن بداية السلام.
وثيقة «عملية السلام التي نريد» الصادرة عن اجتماع أديس أبابا تحاول ملء هذه المسافة بثلاثة مسارات متزامنة، إنسانية وأمنية وسياسية، مع إبقاء قضايا الحكم والانتقال الديمقراطي في يد القوى المدنية، وقصر دور الجيش والدعم السريع على ما يتصل بوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية. وهي رؤية تستند إلى فكرة جوهرية، أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يصبح مناسبة لإعادة إنتاج السلطة التي كانت أحد أسباب أزمات السودان المتكررة.
لكن السياسة المدنية تواجه امتحانها الخاص. فالسلاح لم يكتفِ بإشعال الحرب، وإنما أعاد توزيع القوة، وأنتج وقائع سياسية وجغرافية جديدة، وعمّق الانقسامات داخل المجتمع. لذلك لا يكفي أن تقول القوى المدنية إن مستقبل الحكم شأن مدني؛ عليها أيضاً أن تمتلك من الوحدة والقدرة السياسية ما يجعل هذا المبدأ قابلاً للحياة.
في المقابل، يحمل موقف الجيش هاجساً لا يمكن تجاهله، يتعلق بوحدة الدولة وخشية أن تنتهي التسوية إلى تثبيت واقع الانقسام. غير أن الحفاظ على وحدة السودان لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء الحرب مفتوحة إلى أجل غير معلوم. فالدولة التي يُراد إنقاذ وحدتها بالقوة وحدها قد تخرج من الحرب أكثر تفككاً مما دخلتها، حتى لو بقيت حدودها على الخريطة كما هي.
وسط هذا الانسداد، يأتي التحرك الأميركي في مجلس الأمن لطرح توسيع الحظر الجوي ليشمل السودان كله، في محاولة لزيادة الضغط على طرفي الحرب. وقد يفتح ذلك جبهة جديدة في الصراع، خصوصاً إذا شمل الطائرات المسيّرة، لكنه يظل محكوماً بإرادة مجلس الأمن وتوازناته. كما أن السودان يعرف جيداً تجربة العقوبات، التي رافقت سنوات طويلة من حكم البشير. لم تكن السلطة وحدها من دفع ثمنها، وكان المجتمع هو الطرف الأضعف أمام آثار العزلة والاختناق الاقتصادي.
لهذا تبدو الضغوط الدولية ضرورية، لكنها لا تكفي. يستطيع الخارج أن يضيّق مساحة المناورة أمام المتحاربين، وأن يجعل كلفة الحرب أعلى، لكنه لا يستطيع أن يصنع وحده تسوية تعيش داخل السودان. السلام يحتاج في نهايته إلى قوة سياسية سودانية تقبله، وإلى مؤسسات قادرة على حمايته، وإلى طرفين يدركان أن الانتصار العسكري لا يعيد الدولة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
هنا تكمن المأساة الأعمق. السودان لا يواجه حرباً على السلطة فقط، وإنما يواجه حرباً على معنى الدولة نفسها. وكل يوم يمر يعيد تشكيل هذا المعنى تحت وقع السلاح، ويجعل العودة إلى السياسة أكثر تعقيداً.
السلام الذي يحتاجه السودان ليس هدنة تستريح فيها البنادق قبل جولة جديدة، ولا تسوية تعيد توزيع الحكم بين القوى المسلحة. إنه لحظة تستعيد فيها السياسة حقها في صناعة الدولة، ويعود الجيش إلى وظيفته الوطنية، وتخرج القوات المسلحة الأخرى من المجال السياسي والعسكري، وتجد القوى المدنية صيغة تتجاوز بها انقساماتها لتصبح قادرة على حمل مشروع الانتقال.
عندها فقط يصبح وقف الحرب بداية لشيء آخر، لا مجرد استراحة فيها. فالسودان لم يعد يحتاج إلى وقت إضافي كي يختبر قدرة الحرب على إنتاج الخراب؛ ما يحتاجه هو انتقال واضح من منطق القوة إلى منطق الدولة، ومن تسويات تُدار فوق أنقاضها إلى سلام يستطيع أن يعيد بناءها.
