سلسلة مقالات في رفع الوعي الاستراتيجي: السودانيون بين الفردية والجماعة .. بقلم: م.محمد يوسف العركي

 

بسم الله الرحمن الرحيم
القلم ليهو دافع

 م.محمد يوسف العركي

باحث في استراتيجيات المعرفة

لا شك أن الموروث الثقافي يحفل بالعديد مما خلد في ذاكرة الانسان السوداني من القيم الاخلاقية التي نتميز بها كشعب سوداني وهذه الصفات هي راسخة وراكزة لا تكلف فيها بل هي نتاج فطرة وتدين.ومما يعضد هذا الامر شهادة الغير لنا، وهي بلا شك شهادة غير مجروحة وفي كل مرة تُظهر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نموذجاً لذلك.
وبنظرةٍ عامةٍ ونسجاً على نول ما ذكرته أعلاه فإنك إن نظرت للإنسان السوداني على الصعيد الفردي تجده مميزاً وماهراً ولا يشق له غبار فأمهر الاطباء والمهندسين والعلماء في العقود الاخيرة والسابقة المتصلة جلهم من بني السودان ولكن تعال وضع أهل التميز في قطاع معين في فريق عمل واحد فما هي المحصلة المنطقية المتوقعة؟ المنطق يقول ان هذا الفريق سيكون متميزاً للغاية لكن ما الذي يقوله الواقع؟! دعوني اضرب لكم مثالاً عملياً كي أوصل فكرتي الاولية : على صعيد ألعاب القوى حققنا انجازات كبرى وجوائز عالمية لأنها رياضة فردية ولكن حين تنظر لكرة القدم مثلاً تجد أننا في مراتب متأخرة للغاية وكرة القدم لعبة جماعية وقس على ذلك.
العالم الآن في عصر المعرفة صار يعمل بعقل جمعي ويحقق أهدافه من خلال فرق العمل المنتظمة وكل مراقب للمجتمع السوداني يلحظ أن هناك ضعفاً بيناً في هذا الأمر، البعض يعزي ذلك الى أن العقل الحداثي لم يتشكل بعد لدى المجتمع السوداني فطريقة التفكير رغم قيام المدن والمؤسسات فلا تزال رعوية لا تحب التقيد بالنظم ويكون سقف العمل الجماعي عندها هو الأهل والعشيرة وأعلى سقف هو القبيلة او عبر القيادة الروحية كما في بعض الجماعات الدينية. والبعض يذهب الى ان ذلك إنما مرده الى ان سكان السودان الحاليين هم بقية سلالة ملوك الحضارات التي ازدهرت في السودان في حقب مختلفة، والملك يعطي الاوامر ويقود الناس اما ان يكون فرداً ضمن جماعة فهذا ما ترفضه الجينات الاجتماعية لدينا وخير ما يعضد رأي هؤلاء في واقعنا المعاش حجاج السودان مثلاً فتجد أعداداً مقدرة لا تستجيب لأمير الفوج أو الشخص المسئول وتريد أن تتصرف وفق رؤيتها الخاصة وهي لا علم لها بقوانين الدولة التي هي فيها او طرق السير ومواقف المواصلات حتى.
السؤال المركزي اذن : كيف نحقق فينا العمل بروح الجماعة؟ اقول هنا لابد من هدف مشترك يجتمع الناس جميعاً حوله وهذا يكون من خلال التركيز على بناء الأمة من خلال تعضيد القيم والمعاني التي تدعو الى تعظيم روح الجماعة الصالحة او الساعية للاصلاح والقرآن الكريم في الكثير من آياته أشار الى ذلك فتجد الخطاب القرآني دوماً ما يتحدث بصورة الجمع (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) سورة الأحزاب، وكذلك حفلت السنة النبوية المطهرة بالكثير من الاحاديث النبوية منها : خَطَبَ عُمَربن الخطابُ بِالشَّامِ، فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامِي فِيكُمْ، فَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ؛ حَتَّى يُعَجِّلَ الرَّجُلُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، وَبِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، فَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَمِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، فَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ. والحديث رواه أحمد، والترمذي، والنسائي في الكبرى، ورواه ابن حبان.
ثم على الصعيد البنيوي للدولة لابد من وجود حلم وطني جامع يلتف الجميع حوله عبر مظلة الاستراتيجية الوطنية ولابد أن يكون معبراً عنهم وأن يجد كل فرد فيه ذاته حتى يستطيع أن يعمل من خلال المجموعة. وهذا لابد له من تربية وطنية تغرس في الفرد منذ نشأته من خلال الدور الدعوي الايجابي و المنهج الدراسي والمحيط الاسري والمواعين الثقافية المنتظمة و المجتمعية والمكونات السياسية المختلفة حتى نستطيع ان ننفك من اغلال الأنا الضيقة وغياب الحس الوطني لدى الفرد.
وختاماً: يعيش العالم الآن في عصر المعرفة حيث اقتصاد المعرفة وادارة المعرفة وهندسة المعرفة والمعرفة الرقمية و قد وصل الى ما وصل اليه بسبب العقل الجمعي والعمل الجماعي قم هاهو يتجه الى عصر جديد هو عصر الحكمة حيث الاستفادة المتناهية من عصر المعرفة، ونحن كأمة ودولة ما لم نعترف بالمرض لا يمكن ان نشفى فضلاً عن ان نشارك وننافس العالم ونكون أمة ناهضة منتجة .

m.alaraki@mmi.sd

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً