دكتور الوليد آدم مادبو
الماسورة في العامية هي الورطة أو المقلب أو الخدعة، وسوق المواسير هو سوق الخدع: تدخله باحثاً عن رزق فتخرج منه وقد أُخذ رزقك.
عدوى تشارلز بونزي تصل الفاشر
في بوسطن عام 1919 قرأ مهاجر إيطالي فقير اسمه تشارلز بونزي عن قسائم الرد البريدية الدولية، تُشترى رخيصة في بلد وتُستبدل بأغلى في آخر. الفكرة صحيحة لكنها لا تتسع لأحلامه، فاحتفظ بالوعد وترك الفكرة: خمسون في المئة في خمسة وأربعين يوماً. كان الأوائل يقبضون من أموال اللاحقين، فيتحول كل قابض إلى مندوب مبيعات بلا أجر. وحين كشفته صحيفة بوسطن بوست عام 1920 كان قد جمع ملايين الدولارات. لكنه، على سوئه، لم يزعم أن كوبوناته وقف لله.
أما في الفاشر فالأمر أرقى. بدأ في مطلع 2009 حين توجه عضوان في حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى سوق المدينة وباشرا نشاطاً يشبه شركات توظيف الأموال، فتلقيا نقداً وعيناً من ذهب وسيارات وصكوك أراضٍ. وهنا يدخل «مبروك»، وهو شخصية متخيلة تجمع ملامح تلك الحقبة. جاء بجلابية أنيقة ولسان معسول وعقد مصقول، وقال إنه رجل أعمال مسؤول.
لم يدّعِ المشيخة، فالمشيخة تستدعي الأسئلة، واكتفى بأن ألبس كل شيء لباساً دينياً: «مرابحة» و«بركة» و«توفيق». لم يكن رجل دين، بل لصاً وجد فراغاً روحياً وأخلاقياً فملأه بالمفردات. ومن أعجب ما في الأمر أن كلمة «الحمد لله» تعمل في الأسواق عمل الختم الرسمي أحياناً، فمن قالها فتح له الناس جيوبهم، ومن سأل عن الرصيد وُصف بسوء الظن.
وقد سبقه اقتصاد كامل لم يغيّر منطقه الرأسمالي شيئاً، وإنما ألبسه لباساً دينياً: الفائدة صارت «هامش ربح»، والقرض «تمويلاً»، والحساب «وديعة مضاربة». ومن منطلق تسويقي بحت رأت بعض البنوك أن اللافتة الشرعية تجتذب المتدينين أكثر مما يجتذبهم سعر الفائدة، فعلّقتها على بابها وتركت الدفاتر كما كانت. فإن كان هذا ما تفعله المصارف بمنطق السوق، فما الذي يمنع مبروك من أن يبيع الناس اللافتة نفسها؟
ولم يعمل مبروك وحده، فالسوق لا يعيش يوماً دون تسجيل رسمي وأجهزة تحرس الطوابير وإعلام يروي قصص الناجحين. ورأى الوالي المتخيل في هذا الأنبوب إنعاشاً لاقتصاد يحتضر، ولم يسأل عن الطرف الآخر من الأنبوب، فالسؤال لا يليق بمن يحب أن يبقى الأنبوب مفتوحاً. وحين تُسخَّر مؤسسات الدولة، ولو بالصمت، لتمنح الوهم صفة رسمية، يصبح الاحتيال سياسة لا حادثة.
رأسمالية الكازينو
دخلوا بقدمين ثابتتين. رأوا عائداً لا يقابله زرع ولا صنع ولا خدمة لأحد، فسألوا: كم يصلني؟ ولم يسألوا: من أين يأتي؟
قال ابن خلدون إن الكسب قيمة الأعمال، وقالت قواعد الفقه إن «الغنم بالغرم». لكن مجتمعاً تعوّد الريع، حيث الثراء قرب من السلطة لا كدّ في الحقل، يرى الوعد بالربح السريع منطقياً. وزاد ذلك ثقة بالأشخاص أكثر من المؤسسات: جاري الذي قبض، وابن عمي الذي اشترى سيارة.
وكثيرون لم يجهلوا تماماً أن الأرباح لا تأتي من تجارة حقيقية، لكنهم راهنوا على أنهم سيخرجون قبل الانهيار وأن الخاسر هو من يأتي بعدهم. وهذه بالضبط «رأسمالية الكازينو» كما سمّتها الباحثة البريطانية سوزان سترينج: أسواق تتحول إلى صالة قمار، يربح فيها من سبق ويخسر من تأخر.
كان عمّ صالح، المعلم المتقاعد، واحداً منهم. أودع مكافأة نهاية خدمته وقال لنفسه إن هذا رزق ساقه الله.
ثم انهار السوق بعد نحو عام، وارتدت الشيكات، وسُجل أول بلاغ جنائي بشيك مرتد في 30 مارس 2010. واتهم المسؤولان الرئيسيان الوكلاء ومديري المعارض بالاختلاس والتلاعب بالإيصالات وتزوير جزء كبير منها. وتحولت الأزمة إلى الأسوأ: قُتل نحو أربعة مواطنين وجُرح نحو 50. ثم جاءت لجنة التحقيق وذهبت، وبقي السؤال معلقاً: لم تنظر محكمة الفاشر في قضية واحدة من قضايا السوق، وأُطلق سراح معظم المتهمين دون محاكمة.
كانت الجريمة مكتملة الأركان إلا ركنها الأخير: الجاني.
ماسورة بعرض الوطن
بعد سبعة عشر عاماً وقف عمّ صالح، النازح من الفاشر، في سوق الضعين يسأل عن سعر كيلو السكر. قال له التاجر السعر، ثم أضاف بنبرة الواثق: هذا بالكاش، أما ببنكك فأكثر بعشرين في المئة. وليست هذه نادرة، فقد شاع في دارفور وكردفان أثناء الحرب وجود سعرين للسلعة الواحدة، تُباع بزيادة نحو 20 بالمئة عند الدفع بتطبيق بنكك. لم يكن عمّ صالح يملك كاشاً. ابتسم له التاجر ابتسامة يعرفها، وتذكر أين رآها من قبل.
بالأمس كان الناس يدخلون سوق المواسير بأقدامهم طمعاً، واليوم تُدخلهم الحاجة. لم يعد أحد يقامر بمدخراته بحثاً عن ثراء، بل يدفع ثمن الخبز والسكر والدواء لأنه لا يجد بديلاً. وحين تغيب الدولة تتحول الحاجة إلى رهينة، ويصير البائع قاضياً وشرطياً ووالياً. وأعظم ما في هذه الماسورة الأخيرة أن مبروك لم يعد بحاجة إلى جلابية ولا لسان معسول ولا عقد مصقول، فالحاجة تسوّق له مجاناً.
والحيلة هذه المرة رقمية. لدى الناس أرقام على شاشة، ولدى التجار ورق في الجيب، وبينهما جسر مفتوح من طرف واحد. رفع تجار الكاش في أسواق الخرطوم عمولة الحصول على المبلغ نقداً مقابل التحويلات عبر التطبيقات البنكية إلى 20% في ظل انعدام الكاش وقلة السيولة، وأفادت تقارير أخرى بأنها تصل إلى 22%، فيُقتطع نحو 220 ألف جنيه من كل مليون. تأمل الصنعة: لا زرع ولا صنع ولا مخاطرة، مجرد تحويل رقم على شاشة إلى ورقة، ثم أخذ خُمس الثمن على «المعجزة».
وهي معجزة لم تُؤتَها العصا ولا اليد البيضاء، وإنما آتاها الله للتاجر الذي يمسك بالمفتاح. وهذا هو ما وعد به مبروك: عائد بلا جهد، وقد انتقل من الوعد إلى مهنة.
وقد ذهب الناس يسألون الشيوخ عن حكم العمولة على مبادلة الكاش ببنكك. والمفارقة ألا يجد اقتصاد أُعيدت فيه تسمية الفائدة «هامشاً» ما يقوله لمواطنيه سوى أن يسألوا الفقهاء عن رقم يتحرك بين هاتفين. ويقول تجار تحويلات إن الأسعار لا تحدد عبر مؤشرات رسمية، بل عبر شبكات غير معلنة واسعة النفوذ، بعيداً عن أي مرجعية مصرفية أو آليات شفافة. وحتى حين صدر توجيه في مناطق سيطرة الدعم السريع بتوحيد أسعار النقد والتحويلات، ظل السؤال قائماً: من يحاسب من يأخذ الفرق؟
الخاتمة: من صاغ اللعبة؟
تغيّر المشهد بين الأمس واليوم، ولم يتغير جوهر الحكاية. بالأمس دخل الناس سوق المواسير في الفاشر طمعاً في عائد لا يقابله زرع ولا صنع، فألبسه مبروك لباساً دينياً وترك الجوهر كما هو. واليوم يدخلونه اضطراراً، لأن الخبز والسكر والدواء لا تُباع إلا بسعرين، ولأن رقماً على شاشة لا يتحول إلى ورقة إلا بعمولة تأخذ خُمس ثمنه.
وفي الحالتين بقي من صاغ اللعبة في مأمن. في الفاشر ذهبت لجنة التحقيق ولم تنظر المحكمة في قضية واحدة، وأُطلق سراح المتهمين دون محاكمة. واليوم يسأل الناس من يحاسب من يأخذ الفرق، ولا يجدون جواباً. وبين مبروك وتاجر اليوم خيط واحد: عائد بلا جهد، وغياب من يسأل عن مصدره.
ودفع عمّ صالح بالسعر الأعلى، وهو يعرف أن من أخذ ماله بالأمس لم يُحاسب، وأن من يأخذ منه اليوم لن يُسأل. هذه هي الماسورة: أنبوب مفتوح من طرف واحد.
