الصوماليين يصفون سياد بري بالاستبداد، إلا أن هذه السمة عامة وشائعة في أوساطهم، وبتالي فإن حاكمهم السابق لم يكن إستثناء، والنتيجة أن سياد بري وخصومه استخدموا الأدوات ذاتها.
معارضيه وصفوه أنه أستعمل أدوات القمع تجاههم من منع حرية التعبير، الحبس التعسفي، ممارسة التعذيب والقتل تجاه خصوم نضامه وبعض قواعدهم الإجتماعية، إستخدام مؤسسات الدولة لأجل تكريس حكمه،عدم سماحه بقيام تعددية سياسية وإنتخابات حرة، تسخيره موارد الدولة لصالح سلطته.
أما في الفترة التي سبقت حكمه فإن الحياة السياسية بشكل عام كانت ذات منح ديمقراطي، إلا أن رموز الحكم لم يكونوا بضرورة ديمقراطيين إذ كانوا يتجنبون القمع المباشر ويلجأون إلى الالتفاف على الديمقراطية من خلال ممارسة الفساد السياسي، شراء الذمم،التزوير الإنتخابات،تسخير مؤسسات الدولة لصالح مصالحهم السياسية وممارسة المحسوبية.
النتيجة أن كلا الفريقين كانوا فاسدين ومستبدين وباختلاف أو تعدد الأدوات التي استخدموها، ففي كلتا الحالتين كانت الديمقراطية هي الخاسر أمام تجاوزت النخب السياسية الصومالية، إن تسعة سنوات كانت كافية لإدراك ماهية نخبة الحكم المدني، وفي المقابل كانت السنوات الواحدة والعشرون لحكم سياد بري ورفاقه العسكر والنخبة المدنية التي ألتفت حولهم بكافية جدا لتلامس مضمون النظام.
إلا أن ما لا يمكن أن ينكره أي موضوعي هو أن سياد بري تفوق على من سبقوه ومن تعاطوا الشأن العام بعد رحيله، حيث كان أدائه متميز مقارنة مع سابقيه في الحكم وذلك بعد إستثناء غياب الديمقراطية، أما من تعاطوا تصدر الشأن بعد رحيله، فقد انتقدوا سياد بري كثيرا وفي المقابل مارسوا ما لم يمارسه!
كان الوحيد الذي تصدر مشاريع كبرى أكانت على المستوى الاجتماعي، الاقتصادي، السياسي والعسكري والأمني، فكل القضايا أو المشاريع التي يفتخر الصوماليين أنهم قد انجزوها تم تحقيقها خلال حقبة حكمه، وفي طليعة ذلك التأسيس لمؤسسات الدولة وصياغة الهوية الصومالية.
من سبقوه كانوا في ظل نظام سياسي ديمقراطي، إلا أن ذلك لم يسعفهم في أن يحدثوا حالة تغيير في البلاد، رغم أن المجتمع كان على استعداد كبير للعمل معهم، في حين أنهم انزلقوا في دوامة السيطرة على السلطة والاستمرار في الحكم، تلك كانت الاولوية بالنسبة لهم، لذلك لم يستطيعوا أن يضيفوا إنجازات يمكن تلمسها.
أما من أتوا بعده فكانوا مجرد أقزام ورهائن لتبعية الخارجية ومارسوا التشرذم والتجزئة، والكثير منهم كانوا ممن عملوا معه ومع خصومه في ظل الحكم المدني، وقد اتهموه بالكثير من المآخذ، في حين أنهم ارتكبوا ما قام به وأكثر من ذلك!
هؤلاء تحديدا مشروعيتهم لا تتجاوز خصومتهم مع سياد بري، فلا يتم التوقف عند ما يمثلون إطلاقا، بقدر الحديث عن أنهم شكلوا نخبة معارضة لحكمه، والمفارقة أنهم كانوا يمثلون بقيادات ونخب فاعلة خلال حكمه، إلا أنهم إنتهوا كفاشلين حين عارضوه والسبب أنهم لم يستطيع صياغة مشاريع من شأنها تأمين حاضر ومستقبل الصوماليين، إذ تغلبت عليهم النزعة العنصرية وكراهيته، بينما كان سياد بري يتعاطى مع عموم المجتمع الصومالي كممثل حصري لهم جميعا.
في حين أخذ هؤلاء منحى لا يتجاوز التقوقع في سياق مكوناتهم القبلية، والغير قادرة على تخطي نزعة الإنتقام من المجتمع ذاته، وقد ادمنوا الحديث عن رفض نظامه المركزي رغم أن عمر الدولة الصومالية بالمطلق لم يتجاوز المركزية، وبالتالي فإن الاشكالية لم تكن بالمركزية بحد ذاتها بقدر ما أن الأزمة كانت تكمن في غياب الديمقراطية وعدم الفصل بين السلطات.
بالمحصلة إن كل ما حققه الصوماليين عموما كقومية في تاريخهم الحديث، لسياد بري أثر وبصمة تجاهه، ورغم السعي لتعتيم على حقبته السياسية، إلا أن التاريخ الصومالي قد سطر لدوره السياسي إيجابا وسلبا، وتجدر إلا أن سياد بري ذاته قد أرتد سياسيا بعد سقوطه حكمه.
حيث أراد أن يسيطر على السلطة مجددا بالعودة إلى دعم القبيلة، على غرار معارضيه السياسيين، وبالتالي فإن تميزوه السابق قد جاء على خلفية سيطرته على مقاليد السلطة والتي شاركوا فيها الكثير من معارضيه، إذ تميزت تلك الحقبة بتضافر الجهود في إطار الدولة، بينما مثل اللجوء إلى القبيلة كأداة لبلوغ الحكم بحالة إخفاق لكل من سياد بري وخصومه.
منافسيه وخصومه فشلوا في كل استحقاقاتهم، وفي المقابل فشل هو بدوره في أهم استحقاق وهو تكريس واقع الديمقراطية، ومبدئيا ليس من المنطق أن يتعاطى انقلابي الحالة الديمقراطية والتي لا تمنحه المشروعية السياسية، الرافضة لنهج الاستيلاء على الحكم والسيطرة عليه من خلال أدوات غير مشروعة.
فالديمقراطية كان يمكنها أن تكون الضمان الحقيقي وصمام أمان إستمرار المشاريع الكبرى التي أنجزها وبمعزل عن الاستبداد وإدمانه لسيطرة على الحكم في حين كان حاكما منتخبا، وفي المقابل أن المجتمع الصومالي غير قادر بعد عقود على تأسيس دولة فما بال أن تتسم بالديمقراطية، وذلك في ظل نخب على قطيعة مع الديمقراطية ويفرضون على مجتمعهم التجزئة والاستبداد.
خالد حسن يوسف
khalidsf5@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم