1- سياسة الهوية – تهديد للسلم المجتمعي وسبب تصدع في كثير من الدول!!؟
هل يمكن أن يكون هناك تعايش سلمي بتواجد هوايات مختلفة في المجتمع، وهل تتهدد سياسة الهوية الجماعية النسيج والسلم الإجتماعي والإستقرار السياسي وتتسبب بذلك في تصدع الدولة؟
في محاولة للاجابة علي هذه الأسئلة المرتبطة بالتاريخ وبالوضع السياسي والاجتماعي الحالي في السودان يهدف هذا المقال في المساهمة في النقاش حول دور سياسة الهوية الجماعية عامة، وفي دورها في تشويه النسيج الإجتماعي وفي تصدع الدولة. في هذه المشاركة يتم الفصل بين الهوية (غالباً الهويات) الفردية وبين سياسة الهوية التي تهدف الي تحقيق أهداف سياسية أو أجتماعية لمجموعة من الإفراد تحت فهم تواجد هوية واحدة ومتجانسة (homogen) لهم. بناء علي هذا الفصل يتم تسليط الضوء علي دور وآثار فكرة الهوية الجماعية كمبدأ وبرنامج سياسي تتبناه مجموعة معينة في المجتمع ذو التعددية الاثنية والدينية والثقافية. والمقصود هنا بسياسة الهوية الجماعية، السياسة القائمة علي الهوية بصفات اثنية أو علي عقيدة أو مذهب ديني أو مميزات ثقافية أوجهوية من غبل الدولة أو الصفوه الحاكمة، أو من غبل مجموعات أو تنظيمات تهدف الي الحصول على حقوق خاصة بها أو علي تعامل تفاضلي (تميز إيجابي) أو تهدف إلى حق تحقيق مصيرها. نقيض سياسية الهوية الجماعية هي سياسة المواطنة، التي ترتكز علي مباديء كونية، متمثلة في كفالة الحرية والمساوة والعدالة القانونية والاجتماعية والسياسة والتضامن والتكافل لكل مواطننين الدولة، بغض النظر عن الانتماء القبلي أو الاثني أو الديني أو الثقافي أو الجهوي أو النوع الجنسي.
سياسة الهوية الجماعية في توجهها الاثني والديني والثقافي والجهوي والميول الجنسي تتصدر مواضيع النقاش السياسي والبحث العلمي حول قضايا الحرية والسلم والمساواة والعدالة الاجتماعية والسياسية والتضامن في المجتمع، في كل أنحاء العالم كذلك في دول العالم الأول في أوروبا وأمريكا. أحياناً يشابه النقاش والحوار السياسي والعلمي حولها ساحات الصراع، حيث يلتقي فيها الاصدقاء والاعداء سواء أن كانوا من أفراد المجموعة المعينة أو من خارجها. ويرجع ذلك بقدر كبير الي عدم وجود تعريف عام ودقيق، ومن الجميع مقبول لظاهرة الهوية، وللاثار السياسة والاجتماعية المترتبة عليها بالنسبة للمجموعات الأخري وللسلم المجتمعي ووحدة الدولة. النقاش والصراع يدور بغض النظر عن تواجد أو عدم تواجد لخطوط فصل واضحة لاغلبية أولاقلية اثنية وثقافية ودينية في المجتمع. في أوربا، ووسط القوى المستنيرة، يغلب النقد العلمي والسياسي تجاه سياسة الهوية الجماعية، سواء ان كانت سياسة دولة او سياسة مجموعات أو قوميات اثنية أو دينية أو جهوية. بالأخص الفكر التقدمي الليبرالي النقدي يري فيها انبعاث جديد للتعصب القومي والعرقي والثقافي، وبذلك ولادة جديدة للعداء الإجتماعي بين المواطنين والعداء السياسي بين الدول.
في أوروبا وأمريكا تتمثل ظاهرة سياسة الهوية الجماعية في تواجد ونشاط المجموعات أو الحركات النسائية والرجالية المثلية التي تنآدي بالحرية والمساواة الجنسية والاجتماعية ( Lesbians, Gays, Bisexuals and Transgenders, LGBT) والحركات الاثنية الدينية والجهوية (الافرو أمريكان، والكتلان في أسبانيا، والصرب في بوسنيا واسلوفينيا وكزفو.. . الخ) وفي شكلها العنصري في نشاط الأحزاب والمجموعات اليمينية التي تتبني اديولوجية الاثنيات المتعددة علي أساس عرقي (Enthnopluralisim). بناء علي هذا الفهم تعتبر هذه الأحزاب والمجموعات اليمينية حركات عنصرية ذات هوية اثنية (Identitarian movement or Identitariarism) وبمفهوم بيولوجي للشعوب الأوربية البيضاء. برنامجها السياسي يرتكز علي الحفاظ علي “نقاء” الثقافة والجنس الأوربي الأبيض من التأثيرات “الخارجية والعدائية”، حسب تعبيرهم. حيث يصنف الإسلام والثقافة الإسلامية كعدو للثقافة الأوربية. كذلك تنادي هذه المجموعات بالحفاظ علي التعددية الاثنية و”النقاء” الثقافي للاثنيات في العالم، وترفض بذلك التمازج الاثني والثقافي.
في أمريكا لعبت الحركات الاثنية للمنحدرين من الاثنيات الأوربية البيضاء دورا أساسياً في وصول دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، عام 2016 الي مقعد الرئاسة. الباحثون في مجال سياسة الهوية يرون أن الدافع الأساسي لهذه الحركات يتمثل في الحفاظ علي الهيمنة السياسية والاقتصادية للأمريكان ذوي الجزور الأوربية. بجانب الحفاظ علي الوضع الاقتصادي الذاتي وعلي الامتيزات الاجتماعية والسياسية، مثل أيضًا رفض المهاجرين المسلمين قاسم مشترك بين منتخبي دونالد ترامب. في ظل هذا الانسجام السياسي بين ترامب والحركات الاثنية العنصرية بكل أشكالها تفاقم الأنشقاق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعنف الجسدي تجاه المجموعة الافرو أمريكية، وأيضاً الاسوية. كذلك صار هناك عزل وضعف لتواجد الولايات المتحدة عالمياً بسبب سياسة ترامب الخارجية المرتكزة علي اديولوجية “America First” و “Make America Great”.
وفي أوربا، في بولندا والميجر تحكم حركات وأحزاب ترتكز على سياسة الهوية الجماعية الدينية والاثنية والثقافية تمارس سياسة عنصرية واقصائية ضد المجموعات الأخرى والخصوم السياسيين وتقوم من أجل ذلك بتغويض النظام الديموقراطي. وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية، نشبت في جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية الاتحادية، السابقة، جراء سياسة الهوية الجماعية الاثنية والدينية والثقافية حرب أهلية انتهت بتقسيمها الي عدة دويلات. هنالك، وبعد 72 عاما من التعايش السلمي لاثنيات وديانات وثقافات ولغات متعددة جنباً إلى جنب، اندلعت في عام 1991 هناك حرب اثنية بين المجموعة الصربية والكرواتية والبوسنية والسلوفينية والكزفورانية. حيث مارثت المجموعات الاثنية المختلفة في مناطق مختلفة سياسة “التطهير الاثني” ضد المجموعات الأخرى. في هذه الحرب التي تسمي بي “حرب البلكان” راح من مجموعة البوسنية والهرسك آلاف من المدنين وكذلك من المجموعات الأخري ضحايا لمجازر قامت بها مجموعات صربية وكرووسواتية وبوسنوية مدفوعة بدافع أثنى قومي وديني. حسب تقديرات كثير من المراقبين والباحثين، اخذت سياسة الهوية الاثنية القومية في هذه الحرب شكل “فاشي” المضمون والممارسة، يشابة اديولوجية وممارسات النازية في الحرب العالمية الثانية. هذا الواقع أدى الي تصنيف الجرائم التي ارتكبت ضد مجموعات الهرسج والبوسنيآ والمجموعات الأخرى كجرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وقدم الرئيس الصربي، Slobodan Milosevic للمحكمة الجنائية الدولية، وتمت محاكمة بعض المسؤولين الصربيين. في نهاية المطاف تقسمت الدولة اليوغسلافية الي سبع دول صغيرة مستقلة، واجبر أربع مليون إنسان على الهروب من موطنهم الأصلي “لخلق مساحة” لقيام دول قومية جديدة. اليوم تعاني بعض دول منطقة البلكان الجديدة من أنشقاق عميق في مجتمعاتها وهشاشة سياسية واقتصادية جراء صراع وتنافس المجموعات والأحزاب الاثنية المختلفة من أجل الحصول علي مكاسب سياسية واقتصادية لمجتمعاتها الاثنية والدينية.
وقبل “حرب البلكان”، اي قبل ما يقارب 45 عاماً، أجبر خلال عام 1947-1948 قرابة ال 726 الف مواطن فلسطيني على الهروب والنزوح من موطنهم الأصلي الي دول الجوار العربية، جراء سياسية الهوية الدينية اليهودية. سبيعين عاما بعد قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين وقيام دولة إسرائيل، يتواجد الآن ما يقارب الخمسة مليون شخص من جزور فلسطينية خارج موطنهم الأصلي. من قبل والآن، خصوصًا بعد إجاذة “قانون هوية إسرائيل اليهودية” في 19.07.2018، تهيمن في الدولة العبرية سياسة الهوية في شكلها الاقصائي والتميزي العنصري والاحتلالي من غبل السلطات والأحزاب اليمينية الحاكمة تجاه المواطنين الفلسطينيين وتجاه المناطق الفلسطينية، غزة والضفة الغربية. وفي القدس الشرقية تواصل السلطات الإسرائيلية بكثافة سياسة “التطهير العرقي” في القدس الشرقية عن طريق مصادرة ممتلكات المواطنين الفلسطينيين وتمليكها للمستوطنين اليهود، منذ أعتراف ترامب، بأن القدس عاصمة الدولة الإسرائيلية ونقل السفارة الأمريكية في 14.05.2018 الي هناك. تحت هذا الواقع السياسي، وتحت أعتبار أن نسبة المجموعة العربية تعادل قرابة 22% من السكان في إسرائيل، يعتبر المجتمع الإسرائيلي سياسياً واجتماعيا واقتصادياً منقسم وهشا أمنياً وبذلك سلمياً، وذلك جراء سيادة سياسة الهوية الدينية اليهودية في سياسة الدولة وفي الحياة العامة، وجراء رد فعل الأحزاب السياسية الفلسطينية في تبنيها أيضاً لسياسة الهوية الجماعية. بسبب التنافس والصراع السياسي للاحزاب السياسية على أرضية سياسة الهوية الجماعية داخل المجتمع اليهودي وداخل المجتمع الفلسطيني المسلم يمر خط الإنقسام أيضاً داخل المجتمع اليهودي والمسلم الفلسطيني والمسلم والمسيحي الفلسطيني. تبعا لهذا الوضع السياسي والمجتمعي قامت في دولة إسرائيل 4 أنتخابات برلمانية منذ عام 2019 ونسبة لعدم مقدرة الأحزاب السياسية المتجزرة في العقيدة الدينية والاثنية في تكوين حكومة ائتلافية قد يضطر المواطنين للذهاب قريباً إلى صناديق الاقتراع للمرة الخامسة خلال عامين.
وفي العالم الإسلامي والعربي وفي بعض من الدول الأخري، تصل لغة الحوار والنقاش السياسي جراء طغيان سياسة الهوية الجماعية في مجتمعاتها، الي درجة عالية من التباين و”الغليان” لدرجة تخوين وتكفير واذلال وإلغاء وجود الغير، والاقتتال في القضايا التي تخص حقوق الإنسان والنظام الاقتصادي ودستور الدولة، واسلوب الحياة الشخصية. إذ أن مجموعات الإسلام السياسي، التي تتصدر المجموعات التي تنتهج سياسة الهوية الجماعية، تعتبر الهوية الاسلامية الجماعية قاعدة دستورية “منزلة”، وتمثل بذلك قاعدة لشرعية سلطتها السياسية، وغير قابلة للطعن والمساومة والنقد، ويجب أن يخضع لها كل من يعيش في المجتمع ذو الغالبية المسلمة. بموجب هذه الأيدولوجية تمت، ويتم في بعض الدول العربية والإسلامية تصفيات جسدية للخصوم السياسيين من التيارات العلمانية، كما تم في تونس ويتم الان في أفغانستان. كذلك تقوم المجموعات التكفيرية الجهادية الإسلامية بتكفير وتصفية من له ممارسة تعبدية مخالفة من أصحاب المذاهب والمجموعات الإسلامية والدينية والثقافية الاخرى من قبل المجموعات الجهادية الإسلامية.
سياسة الهوية الجماعية، سواء أن كانت سياسة الصفوه الحاكمة أو سياسة خصومها السياسيين، خلقت من الدول العربية والإسلامية أكبر بؤرة في العالم للصراعات الدينية والثقافية والاثنية والجهوية. حيث ارتفعت، عن ما كان عليه، درجات الكراهية والعداء والعنف الجسدي، وتزايدت القطيعة والحرابة بين المذاهب الاسلامية، التي نمت وعاشت مئات السنين جنب الي جنب وتأثرت ببعضها. لبنان والعراق تعتبر من البلاد ذات الفساد المالي والهشاشة السلمية الاجتماعية العالية، وذلك وبسبب سياسة الهوية الاثنية القائمة علي النظام السياسي الطائفي وتقسيم المناصب العليا في الدولة على اساس الانتماء الطائفي. تحت سيطرة المجموعة العلوية بقوة السلاح والارهاب، وبدعم طائفي ديني من إيران وحزب الله في لبنان ومجموعة من تنظيمات شيعية طائفيه من العراق وأفغانستان، فقدت في سوريا آلاف من المواطنين، خصوصاً الأطفال، ارواحهم وممتلكاتهم، ودمر جزاءً كبيراً من البنية التحتية، ودمرت مدن بكاملها، وأجبرت ملايين من البشر علي الهجرة داخل وخارج البلاد، وتشرذمت الدولة السورية الي مناطق تتحكم فيها جيوش ومليشيات اسلاموية جهادية واثنية. وفي اليمن وليبيا تستعر الحرب الأهلية بدوافع دينية واثنية منذ سنين، من غير أن يلوح حل سياسي في الأفق. وكل قطر من اقطار “الربيع العربي” وفي غيرها من الدول العربية يسود عدم استقرار، وعدم يقين بما هو آتي او يمكن ان يأتي غداً، جراء سياسة الهوية الجماعية في ظواهرها المختلفة.
في المجتمعات ذات التعددية الاثنية والدينية والثقافية والتي تلعب فيها سياسة الهوية الجماعية دوراً في إدارة الدولة وتوزيع الثروة القومية وتقليد المناصب العلي وتوزيع فرص العمل، مثل لبنان والعراق وسوريا، وفي السودان طول حقبة حكم نظام الجبهة الاسلامية، يعتبر النقاش والصراع السياسي حول الهوية الجماعية أو هوية الدولة نتيجة طبيعية. في مثل هذه الدول تهدف السلطة السياسية في الأساس لفرض ولسيادة هوية الصفوه أو المجموعة الحاكمة علي كل المجموعات الأخرى المكونة للمجتمع، رغم، أو بغض النظر عن النتائج المتوقعة علي وحدة الدولة. وكما أوضحت التجربة السودانية تحت حكم النظام الإسلاميوي والتجربة السورية تحت نظام الأسد، أن تصدع او تقسيم الدولة خيار وارد لتحقيق الاهداف سياسة لمثل هذه المجموعات.
وفي الجانب الأخر تناهض المجموعات الغير منتمية لهوية الصفوه الحاكمة والمتأثرة سلبياً بسياسة الهوية الجماعية للدولة بتبني أيضاً سياسة هوية جماعية تخصها. تبعا لذلك يمكن القول أن سياسة الهوية للمجموعات الاثنية والدينية والثقافية والجهوية المختلفة ترتبط مباشرة بعدم الإعتراف بحقها في التواجد والتأثير الثقافي والسياسي في الدولة وبغياب العدل الاجتماعي المرتبط بالتوزيع الغير عادل للدخل والثروة القومية والمناصب العلي في الدولة. لذلك تعتبر سياسة الهوية الجماعية من غبل مجموعات اثنية أو دينية أو ثقافية أو جهوية بعينها نتاج للاضطهاد والإقصاء والعنصرية وعدم العدل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع. حيث تعتمد سياسة رد الفعل على حشد أفراد المجموعة تحت فهم الهوية الجماعية بهدف تغير الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السلبية لمجموعتها عن طريق تحقيق الإعتراف بالحقوق الكاملة لها وتمكينها من التأثير في سياسة الدولة والمجتمع. وفي بعض الحالات، وبتوفر شروط إقليمية وعالمية، تهدف المجموعات الاثنية أو الدينية أو الجهوية المتأثرة سلبيا من سياسة الهوية الجماعية للسلطة الحاكمة الي الوصول إلى حق تقرير المصير، كما حصل في جنوب السودان والعراق وما يجري في سوريا واليمن وليبيا، وما قد يتكرر في السودان مرة أخرى بعد انفصال الجنوب. من الشروط التي تمهد لخلق وضع للمطالبة بحق تقرير المصير، تدويل المشاكل المرتبطة بسياسة الهوية الجماعية، التداخل الإقليمي للمجموعة المتأثرة سلبيا بسياسة الهوية الجماعية ومايرتبط به من دعم وتضامن من “الاخوه” من دول الجوار، المصالح الاقتصادية والجوسياسية للقوي الإقليمية والعالمية في منطقة الصراع.
رغم الآثار السلبية لسياسة الهوية الجماعية علي المجتمعات وعلى وحدة الدولة، يتفق الباحثون في هذا المجال علي أن الهوية كظاهرة إنسانية، في حد ذاتها ليست إحساس سلبي أو ضار. السلبية والاضرار والخطورة تاتي فقط عندما تجعل منها مجموعة معينة اديولوجية سياسية بهدف الحشد السياسي لافراد المجموعة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو أجتماعية علي حساب مجموعات أخرى ومن غير توافق على القضايا المطروحة مع بقية المجموعات الأخرى في المجتمع. هذه الاستنتاج العلمي السياسي مبني علي الطبيعة الانعزالية والاقصائية المرتبطة بسياسة الهوية الجماعية. كثيراً من المجموعات تبني سياستها وتعاملها مع الخارج بمفهوم أن “من لا ينتمي لنا لا يمكن أن يتفهم وضعنا وقضايانا كما يفعل المنتمي”، أو علي قول المثل “الجمرة تحرق الواطيها” أو “ما حك ظهرك إلا ظفرك”. انطلاقا من هذا المفهوم ترفض، علي سبيل المثال، المجموعات الاسلاموية وبعض المجموعات الافروامركان، أو مجموعات نسائية أو البرتستانت الإيرلنديين أي حوار أو آراء مخالفة حول قضاياهم من داخل أو خارج مجتمعهم. وعلى سبيل المثال، وحسب صحيفة سودانايل الإلكترونية، الصادرة في 04.05.2021، طلب القيادي بالحركة الإسلامية د. أمين حسن عمر “…. المتشائمين بالحركة بإعانة اخوتهم العاملين بالصمت أو المغادرة…”. بجانب هذا السلوك لتحجيم التفكير والآراء، يتم في كثير من مثل هذه المجموعات تخوين وقمع كل رؤية مخالفة أو ناقدة للآراء أو لسياسة المجموعة القائدة لها. تبعا لهذا السلوك المراقب لحركات ومجموعات سياسة الهوية الجماعية بكل ظواهرها، يحزر الباحثين والخبراء السياسيين عن مخاطر إنتشار “ثقافة إلغاء الغير” (cancel culture) علي الديموقراطية والسلم المجتمعي.
كما وضح في السرد اعلاه، أن فهم واستغلال الهوية الجماعية كعامل حشدوي سياسي، يرتبط أساسا بالعمل السياسي الهادف في الوصول الي السلطة أو التغير في الوضع القائم لمصلحة مجموعة معينة. وذلك مع التأكيد أن الهوية ليس جزء جامد من الكينونة الشخصية للفرد وبذلك للجماعة، بل جزء منفتح على الغير ومتحرك وخاضع للتغير، ودائماً في حالة تغير وصيرورة. تبعا لذلك يعتبر المجتمع كناتج للعامل الاثني والديني والثقافي والجهوي ما هو إلا صورة وقتية، وتظهر بصورة إنها آتية منذ الدهر. وفي حقيقة الامر ما هو إلا نتاج لتغيرات وتحولات دائمة، ناتجة عن اختلاط وتمزاج مع ثقافات أخرى، وعن ظهور واختفاء لتأثيرات خارجية، منها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والطبيعية. باختصار يمكن القول، أن ظاهرة الثقافة عند الإنسان ناتج لتبني الغريب وتحويله مع مرور الوقت الي نتاج ذاتي ومحلي. وما السودان في تحول مجتمعاته المختلفة من الديانة المسيحية والمعتقدات المرتبطة بالطبيعية الي الديانة الإسلامية، وتمازجهم مع المجموعات العربية النازحة، وتبنيهم للغة العربية كالغة ام او لغة تعامل بينهم، ومذج كل ذلك بما كان معايش ومعتقد ومعمول به وممارس، الا دليل واضح لديناميكية وتحور الهوية الفردية في تعددها.
حيث من الطبيعي أن يفتخر النوبي أو النوباوي أو الزغاوي أو البني عامري بانتمائه لمجموعتة أو لجزوره الاثنية أو الثقافية أو الدينية أو الجهوية، وفي نفس الوقت يحس بأنه جزء من حضارة السودان ويعتز ويفتخر كمواطن بانتمائه للمجتمع السوداني العريض في مضمونه الثقافي الناتج عن التعددية الاثنية والدينية والثقافية. وذلك مع التأكيد أن مقدار الإحساس الفردي بالانتماء الي هذا أو ذاك يختلف من فرد الي آخر. عندما ينشد الفنان محمد وردي، النوبيي الأصول ، قصيدة الشاعر، النوبي الأصول أيضاً، مرسي صالح سراج:
حِينَ خَطَّ الـمَجْدُ في الأرْضِ دُرُوبَ
عَزْمَ تِرْهاقا وإيـمان العروبة
عَرَبَاً نـحنُ حملْناها ونُوبة
بِدِمانا مِن خلودِ الغابرين
هُوَ يحدونا إلى عِزٍّ مُبِين
…..
قد يشعر كثيراً من “أهلي” النوبيين بأن تلك الكلمات وتلك تمس تلقائياً كيانهم، وقد لا يكون لآخرون نفس الإحساس، وقد لا يصادق آخرون أصلاً علي تواجد هذا التمازج. وذلك ينطبق علي بقية الأفراد من المجموعات السودانية الاخري، بمقادير وأشكال وتعابير مختلفة. تبعا لذلك يمكن القول أن هوية أو هويات الفرد ماهي ألا نتاج لمعايشة قيم وتقاليد وسلوك وثقافة ومعتقدات وزكريات، أي ممارسة آلحياة عامة في موقع جغرافي أو مواقع جغرافية مختلفة في ظل أسرة ومجتمع أو مجتمعات مختلفة. لذلك لا يصح أن نفهمها وننظر إليها كظاهرة نابعة في زمناً ومكانا وشعباً واحدا، ولا يمكن “سجنها” في صورة أبدية. لكل تلك الطبيعة والصفات لظاهرة الهوية الفردية لا يصح استغلالها كأداة للحشد السياسي لتحقيق برنامج سياسي إجتماعي في ظل نظام مدني ديموقراطي يكفل الحرية والمساوة والعدالة القانونية والاجتماعية والسياسة والتضامن والتكافل لكل مواطنين الدولة، بغض النظر عن الانتماء القبلي أو الاثني أو الديني أو الثقافي أو الجهوي أو الجنسي.
د. شمس الدين خيال
بوخوم/المانيا
Shamis.khayal@gmail .com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم