تعودنا أن نتساءل، بشيء من البلادة الممزوجة بالدهشة، أمام شاشات التلفاز وحواسيبنا حين تباغتنا صور الحروب المندلعة، والمجاعات التي تنهش أجساد الأطفال، وطوابير النزوح الطويلة: أين الإنسانية؟ وكيف لعالمٍ بأسره أن يقف متفرجاً بلا حراك؟
لكن الحقيقة الأكثر مرارة، والتي نتجاهل الاعتراف بها عمداً لكي لا يصيبنا الجنون، هي أننا لم نعد نتفرج بندم أو ألم، بل صرنا نستهلك هذه المآسي بكل تفاصيلها الدامية تماماً كما نستهلك الحلقات الأخيرة من مسلسلات الإثارة على منصات البث الرقمي. لقد تحول الوجع البشري العابر للقارات إلى “محتوى مخصص للترفيه الذكي”.
شاشة العرض الكبرى: العالم كصالة سينما مظلمة
لم تعد الأزمات الدولية والحروب المنسية مجرد ملفات سياسية معقدة تُدار على طاولات الدبلوماسية المغلقة، بل تحولت في المشهد المعاصر إلى “دراما رقمية” تُهندس بدقة لكي تتناسب مع خوارزميات الاهتمام البشري المتقلب. هنالك مخرج خفي في كواليس النظام الدولي، وسيناريو معد مسبقاً لتوزيع الأدوار بين الضحية والجلاد، وفترات استراحة إعلانية تملؤها البيانات الباردة ومنظمات الإغاثة التي تستجدي التبرعات بدم بارد.
خذ مثلاً ما يجري في غزة؛ حيث تحولت المجازر المتواصلة، وركام البيوت المنهارة، وأشلاء الأطفال، على مدار أشهر طويلة، إلى “بث حي ومباشر” يتابعُه ملايين البشر وهم يجلسون في صالوناتهم الوثيرة. نحن لا نتابع حرباً حقيقية تدمر الأوطان فحسب، بل نتابع “موسماً جديداً” من الفوضى المبرمجة. ندخل معترك التعاطف اللحظي والترندات المشتعلة على منصات التواصل الاجتماعي، ثم نضغط ببساطة على زر التخطي (Skip) حين ينتهي الشغف العاطفي ويبدأ الملل بالتسرب إلى عقول اعتادت على الإثارة السريعة.
الخوارزمية السياسية: كيف يُدار الاستهلاك العاطفي؟
في أروقة السياسة الحديثة، تدرك النواظم الكبرى أن الغضب الشعبي الطويل والمستدام هو مفسد حقيقي للمصالح والاستثمارات، ولهذا السبب تم تحويل المآسي الكبرى إلى ما يشبه “الدراما الموسمية”.
تشتعل الأزمة في بقعة جغرافية محددة بكثافة هائلة ومرعبة، وتتصدر صدارة الترند العالمي لأيام، مانحة إيانا جرعة مكثفة من الأدرينالين والأسى الجمعي، قبل أن يتم خفض إيقاع الأحداث عمداً، ليتحول الدم المراق والدمار الهائل في غزة أو غيرها إلى مجرد خلفية باهتة ومملة في شريط الأخبار العاجلة. هذه الهندسة الباردة تضمن شيئاً جوهرياً واحداً: ألا يتحول التعاطف العاطفي الفردي أبداً إلى فعل سياسي حقيقي أو ضغط ضاغط يغير المعادلات على الأرض. إنهم يمنحوننا دائماً “نهايات مفتوحة” لكل مأساة، لنبقى معلقين في المنتصف، ننتظر الموسم القادم من الدموع والتحليلات الباردة.
المشاهد المدجن: البطل الذي يصفق للجلاد
أخطر ما في “سياسة نتفليكس” هذه أنها لم تستبدل فقط طبيعة الحدث السياسي وأدواته، بل استبدلت طبيعة المتفرج نفسه. لقد تحول الإنسان المعاصر، الباحث عن العدالة والحرية، من كائن سياسي حيوي قادر على الاشتباك مع واقعه وتغييره، إلى “مستهلك نهم” يجلس مسمراً على الأريكة، يقيّم أداء المجموعات المتحاربة وكأنهم ممثلون مغمورون في عمل رديء، يكتب نقداً لاذعاً وساخراً على السوشيال ميديا، ثم يغلق الشاشة لينام في هدوء تام.
لقد اخترعنا وسيلة دفاع نفسية بارعة لنحمي أنفسنا من وطأة الشعور بالعجز: أن نعامل الكوارث الإنسانية الكبرى كقصص خيالية منسوجة ببراعة لكي لا نصاب بالانهيار. لكن الثمن الحضاري والأخلاقي كان باهظاً وفادحاً؛ لقد أصبحنا شركاء صامتين في الجريمة عبر تحويل ضحايا المجازر الحية إلى مجرد أرقام ترتيب في قائمة “الأكثر مشاهدة”.
خاتمة
في الختام، ليست مشكلتنا الكبرى محصورة في قسوة الأنظمة وحدها أو استبداد الطغاة، بل تكمن في رضوخنا الطوعي لهذا العقد الضمني الخطير: أن نقبل بأن نكون مجرد مشاهدين عاجزين في صالة سينما مظلمة، نأكل الفشار ببرود بينما يُحرق العالم بأسره وأهله على الشاشة أمام أعيننا. وحين تسقط الستارة نهائياً، لن نسأل من انتصر أو من خسِر، بل سنكتفي كعادتينا بسؤال واحد أبله: متى يبدأ الموسم القادم؟
