ادم أبكر عيسي
يتناول التحليل الفلسفي والسيكولوجي عند آرثر شوبنهاور ديناميكيات التفاعل الاجتماعي البشري، كاشفاً عن الطبيعة المسرحية والمصطنعة التي تحكم العلاقات الإنسانية. يطرح رؤية تفكيكية لمفهوم “التهذيب” واللياقة الاجتماعية، مجرداً إياها من حمولتها الأخلاقية المثالية، ليعيد تعريفها بوصفها أدوات وقائية وآليات دفاعية يفرضها العقل البشري لتنظيم صراع الإرادات الأنانية المتصادمة في الفضاء العام.
بعد اطلاعي على كتاب شوبنهاور “سيكولوجية النفاق الاجتماعي”، وجدت أن ما يطرحه ليس مجرد فلسفة تجريدية عن السلوك البشري، بل هو مرآة نضعها أمام وجوهنا فنرى فيها ما توارى خلف الأقنعة. يقول شوبنهاور إن ما نسميه تهذيباً ولياقة ليس فضيلة، بل هو آلية دفاعية ابتكرها العقل البشري لتنظيم صراع الإرادات الأنانية المتصادمة. فالإنسان، بطبيعته، يحمل في داخله كراهية واحتقاراً للآخر، لكن الكشف عنهما يعني حرب الكل ضد الكل، فيتدخل العقل ليصنع عقداً غير مكتوب: نخفي احتقارنا، ونقدم واجهة من الاحترام المتبادل، ونتقن فن المجاملة، لا لأننا نحب بعضنا، بل لأننا نخشى بعضنا. وهكذا يتحول المجتمع إلى ما يصفه بـ”كوميديا لا تنتهي”، يمثل فيها الجميع أدواراً لا تشبههم، ويجد فيها من فقد العمق متعة في هذا التزييف، بينما يعاني الأصيل من عجز عن التماهي مع هذا الأداء.
والمفارقة أن شوبنهاور يعود إلى أصل كلمة “بيرسونا” في المسرح الروماني، حيث كان القناع هو ما يرتديه الممثل ليؤدي دوره. هذا المعنى التاريخي ليس مجرد عبور لغوي، بل هو كشف عن حقيقة وجودية: الإنسان في المجتمع لا يظهر بوجهه الحقيقي، بل بقناع يضمن له الاندماج ويقيه الصدام. فالمجتمع ليس فضاءً للصدق، بل مسرحاً للتمثيل، ومن لا يتقن التمثيل يُطرد من الخشبة.
وحين ننقل هذا التحليل إلى واقعنا السوداني، نكتشف أن الفكرة لا تتوقف عند حدود الوصف، بل تصل إلى نهايتها المنطقية. فالمجتمع السوداني لم يعد مسرحاً ترتدي فيه الذوات أقنعة مؤقتة تخفي خلفها وجوهاً حقيقية، بل تحول القناع ذاته إلى الوجه الوحيد المتاح. لم يعد النفاق مجرد سلوك فردي للمداراة، بل أصبح بنية اجتماعية كاملة تعيد تشكيل الوعي الجماعي وتفرض قواعدها على الجميع. اللياقة التي يُفترض أنها تخفف الاحتكاك أصبحت هي نفسها مصدراً للإنهاك النفسي، حيث يُجامل الفرد على حساب كرامته، ويصمت على حساب حقه، ويبتسم في وجه من يعرف يقيناً أنه يتمنى زواله. والكراهية التي يصفها شوبنهاور بأنها حالة أصيلة في الخفاء، تتحول في واقعنا إلى خطاب عام مُقنّع، يُلبس ثوب “النقد الموضوعي” أو “الاختلاف في الرأي” أو “المصلحة الوطنية”. يُبغض الجار جاره، ويحتقر الموظف زميله، ويتمنى الأخ لأخيه زوال النعمة، ثم يلتقي الجميع في مناسبة اجتماعية يتبادلون فيها عبارات المودة والتهاني. هذا ليس نفاقاً فردياً بل نفاقاً جماعياً مُؤسساً، حيث يعرف الجميع أن الجميع يكذب، ويوافق الجميع على هذا الكذب ضماناً لاستمرار الحياة الاجتماعية.
وينسحب هذا البناء على الخطاب السياسي بأسره، دون حاجة إلى تسمية جهات أو أطراف، فهو نموذج مصغّر لنفس الآلية. تُرفع شعارات المواطنة والكرامة والحرية، بينما تُدار المصالح بمنطق الزبائنية والمحاصصة. يُعلن المسؤول حرصه على التعليم بينما يُهمّش المعلم، ويُعلن حمايته للأسرة بينما تُشرد الأسر، ويُعلن دفاعه عن الوطن بينما يُقايض بسيادته. هذا ليس نفاقاً سياسياً بالمعنى الضيق، بل هو الوجه السياسي للنفاق الاجتماعي العام: نفس الآلية التي تجعل الفرد يجامل جاره كذباً، تجعل السياسي يجامل الشعب كذباً، ونفس الصمت الذي يلتزمه المواطن أمام ظلم جاره، يلتزمه أمام ظلم الدولة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية. شوبنهاور يفترض أن تحت القناع يوجد وجه أصيل، لكن في واقعنا لم يعد للوجه الأصيل مكان. من يحاول خلع القناع يُنبذ، يُصنّف مشاكساً أو غير اجتماعي أو عدو للاستقرار. يُطلب من الفرد أن يكون “ابن البلد” بمعنى أن يُتقن المجاملة، ويُجيد الصمت، ويُحسن التلون. ومن يصرّ على قول ما يعتقد، والوقوف حيث يرى، يُعزل اجتماعياً أو يُتهم بالخيانة. بهذا المعنى، يصبح النفاق ليس خياراً بل شرطاً للبقاء. لا يرتدي الفرد القناع لأنه يختار، بل لأنه لا يملك خياراً آخر. ومن يرفض القناع يدفع ثمن ذلك من انتمائه وعلاقاته وفرصه وحتى أمنه.
وهكذا تنتهي بنا القراءة إلى مأزق وجودي: حين يصبح القناع هو الوجه، ولم يعد هناك وجه تحته. وحين يصبح النفاق هو اللياقة، ولم يعد هناك احترام حقيقي. وحين يصبح الصمت هو الحكمة، ولم يعد هناك قول صادق. وحين تصبح المجاملة هي الانتماء، ولم تعد هناك أخوة فعلية. هذا هو النفاق الاجتماعي في أقصى تجلياته: ليس كذباً على الآخر، بل كذب على الذات. يُقنع الفرد نفسه أنه بخير، أن المجتمع بخير، أن الأمور ستُصلح، بينما الجميع يعلم في أعماقه أن هذا مجرد أداء مسرحي لا ينتهي. شوبنهاور قال إن “الإنسان المفتقر للعمق يجد متعة في هذا الأداء الزائف”، لكن في واقعنا، المفتقر للعمق لا يجد متعة بل يجد نجاة، والمتمسك بالعمق لا يجد أصالة بل يجد عزلة. وهذه هي المأساة: أن يُصبح النفاق ضرورة للبقاء، وأن يُصبح الصدق ترفاً لا يحتمله الواقع. وإذا كان شوبنهاور قد شعر بالدوار العقلي بعد قراءته، فإن من يعيش هذا الواقع لا يحتاج إلى كتاب ليشعر بذلك، فالدوار ليس نتيجة القراءة، بل هو المادة الخام للحياة اليومية. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل يمكن لمجتمع أن يُعيد اكتشاف وجهه بعد أن نسي أو تناسى أنه كان له وجه يوماً؟.
Adamruk55@gmail.com
